كيف يحاول الاحتلال إرساء تعريفه للوضع القائم في مصلّى باب الرحمة؟

تاريخ الإضافة الثلاثاء 26 شباط 2019 - 2:46 م    عدد الزيارات 2075    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

على الرغم من أن الوضع القائم التاريخي ينصّ على أنّ المسجد الأقصى للمسلمين، وأنّ إدارته من مسؤولية الأوقاف الإسلامية في الأردن، إلا أنّ الاحتلال لا يزال يعمل على ترسيخ التغييرات التي أدخلها على الوضع التاريخي، عبر إخراج المسجد من دائرة الوصاية الأردنية وإخضاعه للسيادة الإسرائيلية. أمّا مزاعم الاحتلال بخصوص محافظة الحكومة الإسرائيلية على الوضع القائم فهي تقصد الوضع القائم الذي يسهم الاحتلال في تآكله منذ عام 1967. وبعد معركة باب الرحمة، والخسارة التي مني بها الاحتلال بعدما كسر المقدسيون البوابة المؤدية إلى مبنى باب الرحمة، خرجت تصريحات إسرائيلية تقول بالعودة إلى الوضع القائم في مبنى باب الرحمة. وقصدت التصريحات الوضع الذي كان قبل تطورات الأسبوع المنصرم، أي إقفال البوابة الصغيرة المؤدية إلى مبنى باب الرحمة وقاعاته، وإبقاء المبنى مغلقًا وممنوعًا على المسلمين أو الأوقاف دخوله أو الصلاة فيه.

 

والواقع أنّ الوضع القائم في مبنى باب الرحمة ليس ما يتحدّث عنه الاحتلال، بل هو الوضع السابق على إغلاق المبنى عام 2003 بذريعة استعماله من لجنة التراث، التي يصنفها الاحتلال كجهة محظورة. وقد نجح المقدسيون، بعدما شقّوا للأوقاف طريقّا لتحدي الاحتلال، في إعادة الوضع القائم في مصلى باب الرحمة إلى ما كان عليه قبل عام 2003؛ فبات المصلى معمورًا بالمصلين، ومنطقة باب الرحمة محطة رباط ودعاء، في مشهد انتصار أعاد التذكير بنصر هبّة باب الأسباط، وهذا طبعًا لا يرضي الاحتلال، لا سيما منظمات "المعبد" وداعميهم من السياسيين. ويزداد الأمر صعوبة بالنسبة إلى السياسيين بسبب الامتعاض في صفوف نشطاء "المعبد" جرّاء التطورات في باب الرحمة، على عتبة الانتخابات التشريعية المبكرة. وبالفعل، فقد عبّر المتطرف أبراهام بلوخ، الناشط في منظّمات "المعبد"، عن هذا الامتعاض بالقول إنّ "شغل ثلاث سنوات ضاع في يوم واحد"، فما فعله المقدسيّون في باب الرحمة ساعد على إحباط مخطط التقسيم المكاني الذي تعمل جماعات "المعبد" على ترسيخه في المنطقة الشرقية من المسجد، بما في ذلك باب الرحمة.

 

ونظرًا إلى خطورة هذا التطوّر المبشّر بالمزيد من الانتصارات للمقدسيين، يشنّ الاحتلال عمليات الاعتقال التي تطال المقدسيين، ويعمل على إبعاد الحراس عن المسجد فترات تصل إلى ستة أشهر، علاوة على محاولة منع فتح المصلّى كما تجلّى صباح اليوم؛ وهذه الخطوات تأتي ضمن محاولات الاحتلال لملمة ذيول خسارته في "هبة باب الرحمة"، واضطراره إلى الإذعان لمشهد تعاون فيه حراس الأقصى والمصلون على فتح أقفال المصلى، وعمارة منطقة باب الرحمة، وكسر قرار الاحتلال إغلاق المصلى منذ عام 2003، ومنع المسلمين من أداء الصّلاة فيه؛ وبكلام آخر، خسارته واحدة من معارك الوضع القائم بما هو معروف تاريخًيًا، وما أدخله الاحتلال من تغييرات لمصلحة سيطرته على المكان.

 

وللتذكير ببعض التغييرات في الوضع القائم التاريخي يمكن الإشارة إلى المعركة التي شنّها الاحتلال على الأوقاف ودورها، ومحاولة إقصائها عبر إبعاد الحراس عن الأقصى ومنعهم من أداء عملهم، ومنعها من القيام بأعمال الترميم في الأقصى من دون موافقته، والحرب على المرابطين والمرابطات وحظرهم عام 2015، وسياسة إبعاد المسلمين ومنعهم من دخول المسجد، مقابل توسيع مجال الاقتحامات، وتأمين الحماية للمستوطنين في أثناء اقتحاماتهم، وعند أدائهم الصّلوات التلمودية، وطقوس عقد القران في المسجد. وقد عبّر الوزير إردان، في مقابلة صحفية في حزيران/يونيو 2018، عن فخره بما أسماها "ثورة في جبل المعبد" حيث أشار إلى تزايد أعداد من اقتحموا المسجد منذ تولّيه منصبه كوزير للأمن الداخلي، مشيرًا إلى دوره في "تغيير الوضع الأمني في جبل المعبد والتّمييز ضدّ الزائرين اليهود".

 

والتغييرات في الوضع القائم التاريخي كان أشار إليها عساف فريد، الناطق باسم "ائتلاف جماعات المعبد"، لا سيّما التغير في تعاطي الشرطة مع الاقتحامات منذ تولي وزير الأمن الداخلي جلعاد إردان منصبه في حكومة الاحتلال، فقال إنّ "إجراءات الشرطة في الأقصى كانت تتخطّى متطلبات المحافظة على الأمن، وكان يبدو أن المؤسسة الأمنية تعدّ اليهود الذين يريدون الصعود إلى جبل المعبد متطرفين ومسؤولين عن التصعيد والتوتر في المكان فعملت الشرطة على منع اليهود من زيارة المكان والحد من أعدادهم"؛ ووفق فريد فإنّ الوضع تغيّر والمؤسسة الحالية تعمل وفق مبدأ جعل المسجد متاحًا لأيّ يهودي يريد زيارته.

 

ولا تخرج السياسة التي يعتمدها الاحتلال في مصلى باب الرحمة عن هذا الإطار، إذ يحاول أن يعيد المشهد الذي استطاع تكريسه على مدى 16 عامًا ليفرضه كوضع قائم: مصلى باب الرحمة مغلق، والصلاة فيه ممنوعة. ولن تتوقف محاولاته عن إعادة إغلاق المصلى، لأنّ نجاح المقدسيين في إبقائه مفتوحًا سيعني تدمير صنم جديد من أصنام الوضع القائم وفق التعريف الإسرائيلي، يمهّد لهدم باقي الأصنام التي أنشأها ويحاول إلزام الكلّ بطاعتها.

ويبقى من المهمّ في حرب استعادة الأقصى الوعيُ بالوضع القائم التاريخي، وبذاك المشوّه المتآكل الذي يحاول الاحتلال تكريسه ليرسم مصير المسجد وفق خرائط جماعات "المعبد" ومزاعمها التّلمودية، حتى لا نسمح للاحتلال بفرض مخطّطاته وتمريرها تحت مسمّى ظاهره حقّ وباطنه باطل.  

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

كيف يحاول الاحتلال إرساء تعريفه للوضع القائم في مصلّى باب الرحمة؟

التالي

وارسو وتصفية القضية الفلسطينية

مقالات متعلّقة

براءة درزي

بأيدينا نعيد القدس!

الخميس 5 كانون الأول 2019 - 1:22 م

ترزح القدس اليوم تحت الاحتلال الإسرائيلي الذي يعمل على أن يزوّر تاريخ المدينة، وإعادة صياغة حاضرها، ليكون مستقبلها متوافقًا مع روايته، التي تلغي وجودًا عربيًا وإسلاميًا ضاربًا في عمق التاريخ، مستندة إ… تتمة »

براءة درزي

بلال وبهاء.. السّابقون على طريق الأقصى

الأحد 13 تشرين الأول 2019 - 12:11 م

 لم يكن العرس الفلسطيني الذي خرج الشابان بلال أبو غانم وبهاء عليان لعزف أنغام أهازيجه كأيّ عرس آخر. فبعد أسبوعين من انطلاق انتفاضة القدس، امتشق بلال وبهاء سكينًا ومسدسًا وأخبر كلٌ منهما والدته أنّه ذا… تتمة »