باب الرحمة إلنا

تاريخ الإضافة الثلاثاء 19 شباط 2019 - 12:28 م    عدد الزيارات 2033    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

 

عمدت قوّات الاحتلال إلى وضع سلاسل حديدية وأقفال على رأس الدرج المؤدي إلى مبنى باب الرحمة، بعدما كان أعضاء مجلس الأوقاف أدوا صلاة ظهر الخميس في المنطقة. ويمكن النظر إلى هذه الخطوة الإسرائيلية في إطار ذي بعدين: الأول هو التصويب على الأوقاف، والحدّ من وجودها في المسجد، ومنعها حتى من التفكير في أيّ خطوة متعلقة بالأقصى؛ أمّا البعد  الآخر فهو ترسيخ السيطرة على المنطقة الشرقية من المسجد، بما فيها باب الرحمة والمبنى الواقع قبالته الذي أغلقه الاحتلال عام 2003 بزعم استعماله من جهة حظرها الاحتلال، هي لجنة التراث، وهي مزاعم تؤكّد الأوقاف أنّها مختلقة وباطلة. هذا التّصعيد القديم الجديد تجاه الأقصى يتّسق في محصّلته العامّة مع مخطّط التّقسيم المكاني للمسجد واقتطاع مساحات منه لتكون من ضمن مسارات حصريّة لليهود. وقبل عدة أيام، خرجت من القدس تحذيرات من أنّ الاحتلال عازم على إقامة كنيس في الأقصى باسم "كنيس باب الرحمة" بالتزامن مع محاولات تكريس باب الرّحمة كباب مغاربة ثانٍ، مفاتيحه بيد الاحتلال يخصّصه للمستوطنين، ويمنع المسلمين من دخوله. والتركيز على المنطقة الشرقية، لا سيما باب الرحمة، يرتبط بقرب الباب والمنطقة عمومًا مما يسميه الاحتلال "قدس الأقداس"، مكان المعبد المزعوم الذي يقول المتطرفون اليهود إنّه مكان قبة الصخرة.

لم يمرّ هذا الاعتداء الصارخ على المسجد من دون مواجهة ودعوة إلى التصدي، فترك الأمر للاحتلال يعني إرساء قواعد جديدة، وتقدّمه خطوة أخرى في مشروع تهويد الأقصى ومحاولة فرض التقسيم الزماني والمكاني. بالأمس، صلّى المقدسيون صلاة الظهر عند باب الرحمة، وكسروا الأقفال التي وضعها الاحتلال، فأسقطوا محاولة جديدة للاحتلال للإمساك بمفتاح جديد، كما أسقطوا من قبل محاولة الاحتلال فرض البوابات الإلكترونيّة في هبّة باب الأسباط في تموز/يوليو 2017. هذا الوعي لدى المقدسيين هو ما يحبط مخططات الاحتلال، التي تتصاعد وتتزايد بالتزامن مع حفلات التطبيع بين الاحتلال وبعض الأنظمة العربية.    

واليوم صباحًا أزالت قوات الاحتلال الأقفال والسلاسل التي وضعتها على الباب الصغير المؤدّي إلى باب الرحمة، وهو تراجع فرضه خوف الاحتلال من الدعوات التي وجهت أمس إلى المقدسيين للنفير اليوم والاعتصام والرباط عند باب الرحمة، فهكذا تجمّع ورباط سيكون ثمنه موجعًا للاحتلال، وقد يكون مقدّمة لإجباره على فتح قاعة باب الرحمة أمام المصلّين؛ وهذا ما لا يريده، ولذلك، فهو يفضّل التراجع خطوة حتى لا يضطر إلى التّراجع عشر خطوات. لكن على ما يبدو ليست هذه نهاية معارك البوابات في الأقصى، ولا هي نهاية الحرب الصهيونيّة على المسجد، والرهان على أهل القدس والأقصى لإحباط مخططات الاحتلال، ومنعه من فرض المزيد من الوقائع. فالاحتلال يستفيد اليوم من الدعم الأمريكي الذي يجسّده ترمب، ومن البيئة الإقليمية التي فتحت أذرعها للاحتلال بالتطبيع والتحالف مع "إسرائيل"، وهذا ما يدفع إلى توقع المزيد من الاعتداءات والتهويد، ويحتّم يقظة مقدسيّة وحضورًا دائمًا، وتأهبًا مستمرًا، علاوة على ضرورة تحقيق إسناد مادي ومعنوي للمقدسيين، خطّ الدفاع الأوّل عن الأقصى بما يحمله من رمزية للقضية الفلسطينية، فأيّ نقاط يسجلها الاحتلال في المسجد هي خسارة في سجل القضية، ما يعني ضرورة الوقوف له بالمرصاد وإحباط مشاريعه لتتداعى عند بوابات الأقصى من دون أن تتجاوزها.

إنّ تمسّكنا بباب الرحمة هو تمسك بالأقصى كله، وتمسك برفض كل مخططات الاحتلال الصّريحة منها والخفية، المباشرة والمتدرّجة، والهادفة إلى السيطرة الكاملة على المسجد. إنّ باب الرحمة والمنطقة الشرقية باب التقسيم المكاني للأقصى، وبوّابة الاحتلال إلى فرض أمر واقع جديد يضيفه إلى سجلّ هائل من الاعتداءات على الأقصى والمقدسات، والقدس، والمقدسيّين، يحضر اليوم في مقدّمة الاستهداف الإسرائيلي للأقصى، يطرقه ليدكّه، ويبعد المسلمين عنه ليدني المستوطنين وليفتح أمامهم طريقًا تقرّبهم من "المعبد"، ويُقصي الأوقاف لتكون له السّيادة، فهل ستنجح مخططاته أم سيحبطها المقدسيون؟

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

سبعة مخاطر تتهدد المرأة المقدسية

التالي

من الأسباط إلى الرحمة دروس تكرار التجربة وفرص تحقيق النّصر

مقالات متعلّقة

براءة درزي

بأيدينا نعيد القدس!

الخميس 5 كانون الأول 2019 - 1:22 م

ترزح القدس اليوم تحت الاحتلال الإسرائيلي الذي يعمل على أن يزوّر تاريخ المدينة، وإعادة صياغة حاضرها، ليكون مستقبلها متوافقًا مع روايته، التي تلغي وجودًا عربيًا وإسلاميًا ضاربًا في عمق التاريخ، مستندة إ… تتمة »

براءة درزي

بلال وبهاء.. السّابقون على طريق الأقصى

الأحد 13 تشرين الأول 2019 - 12:11 م

 لم يكن العرس الفلسطيني الذي خرج الشابان بلال أبو غانم وبهاء عليان لعزف أنغام أهازيجه كأيّ عرس آخر. فبعد أسبوعين من انطلاق انتفاضة القدس، امتشق بلال وبهاء سكينًا ومسدسًا وأخبر كلٌ منهما والدته أنّه ذا… تتمة »