ماذا يخبّئ الاحتلال في جعبته للقدس عام 2019؟

تاريخ الإضافة الثلاثاء 15 كانون الثاني 2019 - 10:16 ص    عدد الزيارات 1369    التعليقات 0     القسم مقالات

        


براءة درزي

باحثة في مؤسسة القدس الدولية

 

لم ينقضِ أسبوعان من عام 2019 حتى كانت سلطات الاحتلال عكست صورة القادم من جرائمها على مدى العام، وهي جرائم تستكمل بها ما بدأته منذ احتلال القدس لتهويدها ولتحقيق أهدافها بالوصول إلى قدس يهوديّة خالصة. ومن مراقبة التطورات التي شهدها عام 2019 مع انطلاقه، يمكن القول إنّ عين الاحتلال لا تزال على المسجد الأقصى، وعلى استكمال تهويد القدس وإفراغها من أكبر عدد ممكن من أهلها المقدسيّين، فيما هدم تجمّع الخان الأحمر وتهجير أهله يتربّع على قمّة مخطّطات الهدم والتّهجير.

 

وكان عام 2018 شهد إجراء الانتخابات البلديّة في دولة الاحتلال، وقد حملت الانتخابات موشيه ليون إلى رئاسة بلديّة الاحتلال في القدس، وهو مدعوم من الأحزاب الدينية المتطرفة، ولم ينقضِ عام 2018 حتى أعلن رئيس حكومة الاحتلال عن الاتّجاه إلى إجراء انتخابات تشريعية مبكّرة، ستجرى في نيسان/أبريل 2019. ويمكن القول إنّ ليون سيبذل جهده ليكون عند حسن ظنّ اليمين المتطرّف به، فيما سيعمل المتنافسون في الانتخابات التشريعيّة، من الأحزاب اليمينية الموجودة على الساحة السياسية حاليًا وتلك التي تشكّلت بعد الإعلان عن الانتخابات المبكرة، على بذل المزيد من الجهود كلٌّ لجذب الأصوات المتطرّفة للتّصويت لهم على أساس الترويج للمزيد من التطرف والتهويد في القدس.

 

  • الحديث عن التّطورات التي يرجّح أن تتبلور عام 2019، نستعرض ما كان عليه الوضع في القدس والأقصى عام 2018 والعوامل التي ساعدت الاحتلال على المضيّ في مخطّطاته لنجمل في هذا الاستعراض ما كان عليه حال القدس العام الماضي، وقد كان استمرارًا لنهج الاحتلال في الأعوام السّابقة لجهة الاعتداءات المستمرّة على القدس بإنسانها ومقدّساتها، ومؤشّرًا إلى ما سيكون الوضع عليه عام 2019.

في حصاد عام 2018 في القدس، كان المسجد الأقصى في مقدّمة الاعتداءات الإسرائيليّة، وأظهرت إحصاءات دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس أنّ أكثر من 28 ألف مستوطن اقتحموا المسجد على مدار العام، بزيادة حوالي 17% مقارنة بالعام الذي سبق. ووفق مركز معلومات وادي حلوة، أصدرت سلطات الاحتلال العام الماضي 176 قرار إبعاد عن الأقصى لفترات تراوحت بين أسبوع و6 أشهر، ومن بين المستهدفين 30 سيدة و13 فتى. وكانت الاقتحامات السياسية حاضرة بقوّة العام المنصرم، بعد قرار نتنياهو إعادة السماح بها، إذ تكرّرت بوتيرة متلاحقة تصدّرها عضو "الكنيست" يهودا غليك، ووزير الزراعة في حكومة الاحتلال أوري أريئيل، ولم تتوقف هذه الاقتحامات بشقّيها، من المستوطنين والسياسيين، مع بدء عام 2019.

 

وعلى صعيد الهدم، هدم الاحتلال 143 منشأة فلسطينيّة في القدس، وتصدرت سلوان المشهد بـ 30 منشأة، ومن بعدها مخيم شعفاط بـ 21 منشأة، و19 منشأة في بيت حنينا، العيساوية 18 منشأة و17 منشأة في جبل المكبر، إضافة إلى عمليات هدم طالت أحياء أخرى، من ضمنها 24 منشأة هدمها أصحابها ذاتيًا بعدما أجبرتهم بلدية الاحتلال على ذلك. وبالتزامن، استمرّت بلدية الاحتلال في توزيع إخطارات بالهدم، ما يعني أنّ مسلسل الهدم لن يتوقّف فيما بلدية الاحتلال تستعدّ لبناء المزيد من الوحدات الاستيطانيّة على أراضي الفلسطينيين في شرق القدس المحتلّة.

 

ومع عمليات الهدم وما رافقها من تهجير لعائلات مقدسيّة برزت قضيّة الخان الأحمر، إذ لم تتوقّف محاولات الاحتلال هدم التّجمع وطرد أهله منه إذ ينظر إلى الإخلاء كضرورة استراتيجية لضمّ مستوطنة "معاليه أدوميم" في الضفة الغربية المحتلة إلى القدس. وقد انتهى عام 2018 وصمود أهل الخان حال دون هدمه، إلّا أنّ المستوطنين المتطرفين لا يزالون يطالبون بتنفيذ الهدم، وبعد إخلاء مستوطنة "عمونا" في 3/1/2019 ، طالب المستوطنون بإخلاء الخان الأحمر أسوة بهم، وأصدر حزب "اليمين الجديد" الذي أسّسه كل من نفتالي بينت وآيليت شاكيد، بيانًا جاء فيه: "نحن نطالب رئيس الحكومة القيام اليوم بإخلاء البناء العربي غير الشرعي في الخان الأحمر؛ القانون هو القانون، وليس فقط الإنفاذ الاختياري ضد اليهود في عمونا".

 

وبلغت حالات الاعتقال 1736 مقدسيًا، من بينها 33 حالة اعتقال لأطفال دون الـ12، و461 قاصرًا، و63 من الإناث بينهنّ قاصرتان و4 مسنّات، و10 مسنّين، وفق أرقام مركز وادي حلوة. وأصدر الاحتلال 17 قرارًا بالإبعاد عن القدس، و6 قرارات بمنع دخول مقدسيين إلى الضفّة الغربية المحتلّة، فيما استشهد العام الماضي سبعة مقدسيين، من بينهم أسير كان يقضي مدّة حكمه في سجون الاحتلال.

وعلى وقع الاعتداءات الإسرائيلية، جرت الانتخابات البلدية في دولة الاحتلال، وفاز في انتخابات القدس المحتلّة موشيه ليئون الذي يتطلّع إلى أن يكون جزءًا من عملية التّهويد في القدس، وعكس ذلك في تبنّيه طرح تخفيض صوت الأذان في القدس المحتلة، وستخصّص ميزانية أولية لبدء برنامج تجريبي لخفض صوت الأذان في المساجد بحيث تتراوح الكلفة ما بين 50 ألف و70 ألف شيكل لكل مسجد.

 

وقبل انتهاء عام 2018، أعلن نتنياهو في 24/12/2018 عن حلّ الكنيست والذّهاب إلى انتخابات تشريعيّة مبكرة، تجرى في نيسان/أبريل 2019. وقد بدأ العمل من أجل تشكيل تحالفات، وأُعلن عن إنشاء أحزاب جديدة لخوض الانتخابات، فيما تشير استطلاعات الرأي إلى أنّ حزب "الليكود" الذي يقوده نتنياهو لا يزال الأوفر حظًا. وغالبًا ما تكون الانتخابات عاملًا مؤجّجًا لوتيرة التهويد في القدس، ولاستهداف الأقصى. ولعلّ اعتداءات الاحتلال يوم 14/1/2019 على المسجد، ومحاصرة مسجد قبة الصخرة، من أولى "بشائر" هذا الاستهداف.

 

وفي مقابل الهجمة الإسرائيلية على القدس لتهويدها وطرد أهلها، سجّلت عمليات المقاومة في الضفة الغربية، بما فيها شرق القدس المحتلّة، ارتفاعًا في وتيرة عمليات المقاومة التي تأتي في سياق استنزاف الاحتلال، وشهدت الأشهر العشرة الأولى من العام مقتل 11 إسرائيليًا في عمليات للمقاومة، أي بمعدّل قتيل شهريًّا. وشهدت محافظات رام الله والقدس والخليل على التوالي، أعلى معدل في عدد المواجهات والأعمال المقاومة بنسبة قاربت 55% من مجموع محافظات الضفة، وفق تقرير لمركز القدس لدراسات الشأن الإسرائيلي والفلسطيني. ولعلّ مسيرات العودة التي تشهدها غزة منذ 31/3/2018 كانت الرسالة الأقوى حول تمسّك الفلسطينيين بخيار المقاومة ورفض الاحتلال، وما دار في فلكه من تهويد، وتطبيع، ومحاولات لتصفية القضية الفلسطينيّة.

 

الاعتداءات التي شهدها عام 2018 هي سياسة ثابتة للاحتلال، لكنّها في عام 2018 كانت مصحوبة بتطوّرين خارجيّين رئيسين: الأول هو إعلان ترمب القدس عاصمة لدولة الاحتلال ونقل سفارة بلاده من "تل أبيب" إلى المدينة المحتلّة، والآخر تسريع وتيرة التّطبيع بين عدد من الدول العربية الخليجيّة من جهة، ودولة الاحتلال من جهة أخرى. وعلى ما يبدو فإنّ الاحتلال يحاول ترسيخ أكبر قدر من المكتسبات بسياسته القائمة على التّهويد فيما يعمل في الوقت ذاته على التّواصل مع مسؤولين من حول العالم لإقناعهم بنقل سفارات بلادهم إلى القدس المحتلّة ليكتسب ترجمة عملية للاعتراف ترمب بالقدس عاصمة لكيانه، بالتّوازي مع ترسيخ التّطبيع مع ما يسمّيه مسؤولون إسرائيليّون "المحور العربي السنّي" لمجابهة "الخطر الإيراني".

 

واستنادًا إلى ما تقدّم، يمكن القول إنّ عام 2019 هو عام تحدّيات قديمة جديدة في القدس، على مستوى التّهويد الديني والثقافي والديمغرافي، وسيعمل الاحتلال بقوّة لتحقيق أقصى ما يمكن تحقيقه قبل إطلاق الخطة الأمريكيّة للسلام –إن نضجت ظروف إطلاقها- لفرض ما يمكن من وقائع على الأرض لتثبيتها كحقائق، لكن في المقابل فإنّ مشهد مسيرات العودة وعمليات المقاومة لن يغيب عن تشكيل تطوّرات الأحداث في القدس هذا العام، لعرقلة مشروع التّهويد ومنع الاحتلال من فرض المزيد من الوقائع، علاوة على تشكيل عامل ضغط على السلطة الفلسطينية والأنظمة المطبّعة لمنع تشويه القضيّة الفلسطينية وتضييعها.

 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

حماية من يتصدون للاقتحامات جزء لا يتجزأ من حماية الأقصى

التالي

اسناد حراس الأقصى ودعمهم لحماية المسجد المبارك

مقالات متعلّقة

براءة درزي

واحد وسبعون عامًا على النّكبة: هل تضيع فلسطين؟

الأربعاء 15 أيار 2019 - 6:46 م

يتذكّر الفلسطينيون حول العالم اليوم مرور واحد وسبعين عامًا على نكبة فلسطين ضمن ظروف دولية وإقليمية ومحلية تفترق وتتلاقى مرّة لمصلحة القضية الفلسطينية، ومرّات ضدّها. ولعلّ مجموعة الظروف والتطورات، لا س… تتمة »

علي ابراهيم

أشواق محبٍّ بعيد

الجمعة 3 أيار 2019 - 4:48 م

يستيقظ الفجر على عتبات حجارتها العتيقة، تعانق أشعته الدافئة الحانية الأزقة والحارات، ويصبغ بكل حب ورأفة ساحات المدينة وأسواقها، وتبدأ الحياة تأخذ طابعًا مختلفًا مع هذا الزائر الجميل، فمهما تكررت زيارا… تتمة »