تسع سنوات.. الأقصى هو هو....!!

تاريخ الإضافة الثلاثاء 29 أيلول 2009 - 3:11 م    عدد الزيارات 5807    التعليقات 0     القسم

        



استيقظت مبكراً صباح التاسع والعشرين من شهر أيلول قبل تسع سنوات تماماً، كان ذلك اليوم يوم الجمعة الذي تلا دخول الإرهابي أرئيل شارون المسجد الأقصى المبارك.. لا أخفي أنني كنت سعيداً في ذلك الصباح بعد "الانتصار" الذي من الله عز وجل به علينا في اليوم السابق؛ عندما اضطر شارون وزبانيته الثلاثة آلاف إلى الانسحاب من المسجد الأقصى المبارك على وقع هتاف وغضب ما لا يزيد على مائة وخمسين شاباً فقط.. كنا يومها عزلاً من السلاح، وأذكر أن أحد الشباب كان يصرخ فينا لدى دخول الجنود مدججين بالسلاح لحماية الإرهابي: "يا شباب.. لا تقلقوا من قلة عددنا.. فوالله لسنا وحيدين، بل معنا الملائكة".. وفعلت تلك الكلمات في الحاضرين فعلها.. وكان أن خرج شارون مدحوراً من المسجد الأقصى المبارك بعد أن صار الجميع يلقي عليه كل شيء: من الحذاء القديم (ومنها حذائي الذي ضاع مني يومها) إلى الحواجز الحديدية والحجارة.

 

لم أكن يومها أدري أنني أشهد يوماً سيكون فاصلاً بين زمنين.. ويكون اليوم الذي بدأ فيه زمن جديد تتغير فيه المعطيات والتوازنات والأوضاع والمفاهيم وكل شيء.. كان يوم دخول شارون للأقصى هو بداية التغيير.. ولكن اليوم الثاني كان الشرارة الكبرى التي أشعلت كل شيء...

 

كل هذه الصور كانت تتردد في مخيلتي صباح ذلك الجمعة.. وكنت أسير منتشياً في شوارع القدس متجهاً إلى الأقصى المبارك لصلاة الجمعة، ولم ألاحظ شيئاً غير عادي إلا أن أبواب الأقصى كانت مفتوحة على اتساعها  - على غير العادة – وكان هناك عدد من الجنود المدججين بالسلاح وبخوذات تغطي وجوههم يقفون قرب باب المغاربة عند حائط البراق داخل المسجد الأقصى المبارك بلباسٍ أزرق لم أعهده من قبل.. ضحكت وقلت: لعل هؤلاء جاءوا يثأرون من هزيمتهم أمس.. ودار في خلدي شريط يوم أمس حين رأيت أحد هؤلاء يتعثر بقدميه ويسقط بينما يسقط فوقه حذاء لا أدري من أين جاءه.... ولم أكن أتخيل أنني على حق.. فقد جاء هؤلاء للثأر فعلاً.

 

صليت الجمعة مع الناس في الجامع القبلي، وكانت خطبة الشيخ حيان الإدريسي – خطيب الأقصى – يومها عن غزوة بدر "غزوة الفرقان"، وما إن انتهت الخطبة والصلاة وقمت لصلاة السنة حتى اخترق سمعي دوي الرصاص.. فخرجت سراعاً إلى الساحات لأجد منظراً مروعاً... الجنود يطلقون الرصاص المطاطي، والحجارة تنهمر على الصهاينة المتحصنين عند باب المغاربة من كل مكان.. وفجأة تغير صوت الرصاص المطاطي ليصبح أكثر حدة.. وكانت هذه إشارة كفيلة بأن يعرف الجميع أنه رصاص حي.. ولم أكن متأكداً إلا عندما سقط بين يدي الشهيد هيثم السكافي رحمه الله برصاصةٍ في صدغه الأيمن.. ودارت خيوط المجزرة واقتحم الصهاينة المسجد من كل مكان يقتلون ويجرحون ويضربون.. ولم أفق يومها إلا في مستشفى المقاصد على جبل الزيتون بعد أن استشهد في الأقصى خمسةٌ وجرح المئات.. وهذه كانت بداية الانتفاضة.. وبداية التغيير...

 

كل ما ذكرته الآن دار في ذهني كالشريط وأنا أشهد أمس على شاشات التلفاز نفس المشهد يتكرر بعد تسع سنوات: نفس الجنود، نفس المقاومين العزل، نفس الدماء، نفس الجراح، نفس الصراخ... كأن المشهد يأبى إلا أن يتكرر ويعيد نفسه بالزمان والمكان.. ودار في خاطري صراخ المآذن من قلب المسجد الأقصى المبارك كأنها تذكر بذلك من نسي.. وتعيد المشهد للعيون التي نسيته، وللعقول والقلوب التي غاب عنها المشهد بعد تسع سنوات.

 

المشهد ما زال هو هو.. والأقصى وجرحه الغائر ما زال هو هو.. والفرق أن ورقة التوت التي كان بعض المتخاذلين يغطي بها سوأته قد سقطت.. وبانت الحقائق وظهرت للقاصي والداني.. ولم يعد هناك إلا أن يختار المرء بين حالين: إما أن يكون متخاذلاً مع المتخاذلين، فيُسقِطَ ورقة التوت الأخيرة وينضم للقافلة التي فشلت وستفشل.. أو يصبح مع الكوكبة التي رفعت لواء المسجد الأقصى المبارك عالياً وأعلنت تحديها لهؤلاء المعتدين.. وهي المنصورة بحكم قانون التاريخ والعقل والمنطق.

 

كما هزمتهم الثلة القليلة المؤمنة قبل تسع سنوات وأخرجتهم من الأقصى مذؤومين مدحورين، فإنها ستخرجهم منه مرة أخرى إلى غير رجعة.. وكما كان الأقصى منطلق التغيير قبل تسع سنوات، فإنه سيظل عنوان النصر والأمل والتحدي لهذه الأمة، ويبقى الأقصى المبارك دائماً عنوان القضية وجوهرها وأساسها ومستقبلها... وأما نحن فعلينا أن نختار لأنفسنا أن نكون من إحدى الفريقين: فإما هذا.... وإما ذاك.... والباقي عندكم.

 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

وشددنا الرحال إلى المسجد الأقصى..

التالي

إنه الأقصى

مقالات متعلّقة

تعرّف على الخطوات الأمريكية، وكيف كان الرد الشعبي عليها؟

 الثلاثاء 10 كانون الأول 2019 - 2:26 م

الفصل الثالث| عين على الأقصى 2019

 الإثنين 9 كانون الأول 2019 - 3:46 م

تخريب أفق القدس

 الأربعاء 4 كانون الأول 2019 - 3:52 م

الفصل الثاني| عين على الأقصى 2019

 السبت 30 تشرين الثاني 2019 - 4:35 م

الفصل الأول| عين على الأقصى 2019

 الإثنين 25 تشرين الثاني 2019 - 1:27 م

شذرات من الحركة العلمية في القدس إبان العصور الإسلامية

 الخميس 14 تشرين الثاني 2019 - 3:09 م

الأونروا في شرق القدس

 الأربعاء 13 تشرين الثاني 2019 - 5:10 م

مجلة زهرة المدائن (العدد 112-113) تموز/ آب 2019

 الثلاثاء 5 تشرين الثاني 2019 - 3:21 م

 

للاطلاع على أرشيف إصدارات المؤسسة، اضغط هنا 

براءة درزي

بأيدينا نعيد القدس!

الخميس 5 كانون الأول 2019 - 1:22 م

ترزح القدس اليوم تحت الاحتلال الإسرائيلي الذي يعمل على أن يزوّر تاريخ المدينة، وإعادة صياغة حاضرها، ليكون مستقبلها متوافقًا مع روايته، التي تلغي وجودًا عربيًا وإسلاميًا ضاربًا في عمق التاريخ، مستندة إ… تتمة »

براءة درزي

بلال وبهاء.. السّابقون على طريق الأقصى

الأحد 13 تشرين الأول 2019 - 12:11 م

 لم يكن العرس الفلسطيني الذي خرج الشابان بلال أبو غانم وبهاء عليان لعزف أنغام أهازيجه كأيّ عرس آخر. فبعد أسبوعين من انطلاق انتفاضة القدس، امتشق بلال وبهاء سكينًا ومسدسًا وأخبر كلٌ منهما والدته أنّه ذا… تتمة »