تجليـــات القدس في الرواية الفلسطينية

تاريخ الإضافة الإثنين 20 تشرين الأول 2008 - 5:19 م    عدد الزيارات 14755    التعليقات 0     القسم

        



تجليـــات القدس في الرواية الفلسطينية
رواية سحر خليفة (صورة وأيقونة وعهد قديم) أنموذجاً

 

 

 

 

إعداد:
د. سعيد محمد الفيومي.
أستاذ الأدب والنقد المشارك
جامعة القدس المفتوحة-غزة -فلسطين
 
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة

 

عندما نتناول عملاً أدبياً بالدراسة، يجب أن نأخذ بعين الاعتبار، أننا نتناول أداة من أدوات الإنتاج المعرفي، فلا نقف عند حدود النقد الفني أو المعالجة الفنية لهذا العمل. فهذا التناول هو خطوة تنقلنا من مجال التحليل الفني الموضوعي إلى مجال البحث الأيبستمولوجي الذي يعتني بأدوات الإنتاج الفكري، وفي إطار الرواية كعمل فني، لا يكون هدف الكاتب فنياً بالدرجة الأولى، ففي لحظة من اللحظات داخل النص، يجعل الروائي من نصه حالةً توثيقيةً للمرحلة التاريخية، فيكشف عن كثير من المعاني الإنسانية والقضايا الكلية المتعلقة بالوطن والإنسان، ويتحول مع ذلك الحدث أو الواقعة التاريخية إلى عناصر أخرى، تساعد الكاتب على تشكيل تجربته داخل العمل الفني وصقله من جديد، وتساعده على إعطاء تفسير آخر للحالة الجديدة. "فوجود التاريخ والإبداع الأدبي في حقلين متغايرين لم يمنع عنهما الحوار، فقد ساوى الفيلسوف الألماني (لايبنتز) (1646-1716) بين غايات الشعر والكتابة التاريخية، وناشد المؤرخين أن يرتقوا إلى مصاف الشعراء، ورأى الفرنسي (ديدرو) في رواية (ريتشاردسون) تقدماً في وعي التاريخ قصّر عنه المؤرخون، ولم يختلف موقف المؤرخ الانجليزي الشهير (ر.ج.كولنجورد) حين وزع في ثلاثينيات القرن الماضي الخيال الجبار على الروائيين والمؤرخين معاً".(1)

 

وحين سأل رجاء نقاش نجيب محفوظ عن العلاقة بين الرواية والتاريخ أجاب:"في رأيي إن العلاقة وطيدة، فالرواية عبارة عن استعراض للحياة اليومية بكل مشاكلها وقضاياها، وأشخاصها، وهذا جزء من التاريخ لم يكتبه المؤرخون، ثم إن التاريخ عبارة عن أحداث وأشخاص، وتفسير ورؤية، والرواية كذلك".(2)
ولا نعني هنا بتسجيل الرواية للتاريخ أو الوقائع التاريخية، أن الرواية فيه قد تحولت إلى تاريخاً، وإنما نعني أنها فضلاً على قيمتها الأدبية تضيف قيمة تأريخية أخرى، فليس الأدب رصداً حرفياً للواقع، وإنما هو رؤية فنيه له، وإعادة إنتاج لأحداثه، فقديماً قال (أرسطو) "ليست المحاكاة رواية الأمور كما وقعت فعلاً بل رواية ما يمكن أن يقع".(3)

 

فالرواية المعاصرة لم تعد نسخاً للواقع أو تقليداً له، وإنما هي تخترقه، وتخترق به لتصير جزءاً من خريطته، ويصير هو جزءاً من خريطتها ليشكلا تشكيلات هذا الواقع المختلفة.

وهذا البحث يتناول بالدراسة والتحليل رواية الكاتبة الفلسطينية (سحر خليفة)* (صورة وأيقونة وعهد قديم) سيركز الباحث على تجليات القدس كحالة تاريخية داخل النص الروائي، وهل عملت الكاتبة على أن تجعل من القدس (المكان) داخل النص مجالاً آخر لتفسير الحالة التاريخية الفلسطينية؟.
لقد أقامت (سحر خليفة) مشروعها الروائي على ثنائية (المرأة - الوطن) حيث لا سبيل إلى تحرير الوطن دون رجل حر يعترف بكيانية المرأة دون شروط، لذلك بدت المرأة في أكثر من رواية مجازاً عن وطن يقاتل معوقاً، لأن قيوده الذاتية تمنع عنه الحركة الطليقة" (4)، وفي هذه الرواية تلتقي (سحر خليفة) مرة أخرى مع المرأة، وتلتقي المرأة معها، تلتقي(سحر خليفة) مع المرأة والتي طالما كتبت عنها، ودافعت عن حقوقها، ففي (عباد الشمس-1980م) و(مذكرات امرأة غير واقعية-1986م) و(باب الساحة-1990م) تعبر الروائية عن إيمانها العميق بأن وعي المرأة النسوي هو جزء لا يتجزأ من وعيها السياسي، وهي ترينا في رواياتها بأن نضال المرأة الفلسطينية جزء لا يتجزأ من النضال السياسي الفلسطيني من أجل التحرر، إلا أنها في هذه الرواية تجسد من خلال المرأة (مريم) حالة تاريخية بكاملها، وتندرج هذه الرواية في مشروع (سحر خليفة)، مضيفة جديداً ومحتفظة بموضوع لا جدة فيه، والجديد هو استكمال تأمل الكفاح الوطني في الداخل.(5)

 

إن رواية(صورة وأيقونة وعهد قديم) هي في الحقيقة رواية القدس العربية، تبدأ هذه الرواية بعشق موؤود وتنتهي إلى مدينة مقدسة ضائعة، فهي تبدأ بعشق مستحيل بين إبراهيم (المسلم)، ومريم (النصرانية) رمز القدس "مريم كانت تحمل أجمل ذكرى، أغلى تاريخ، أحلى صورة، كانت في الغربة تحضرني، فأحس بروحي تسحبني لأجواء القدس، وعقود من كارب وقرنفل تحيط بعنقي، وتغلفني، فتحيل القلب إلى عاشق في العشرينات من ذاك الزمن كان صديقي، بل كان الحب وكنت أن مثل الدوري، لي أجنحة وعيون من ذهب ومرايا تكتشف العالم من حولي وقباب القدس. القدس الآن قدس أخرى، قدس التاريخ لكن القدس كانت مريم".(6)

 

تحكي هذه الرواية عن روح فلسطين المتغيرة، وعن شعب بسيط يصمد راضياً ومطمئناً وتتأمل ما تبقى من القدس وترصد أرواحاً ميتة تتاجر بأحجار فلسطين، وبأخرى تحول الحجر سلاحاً فريداً. ترصد هذه الرواية حالة شعب مقاوم اختار رسائله من الحجارة أمام قواميس الوعود المزركشة، أقسم هذا الشعب بحجارته أنه سيعوضنا ظلمة الليالي الحالكة، سيعوض كل شهدائه الأطفال، والشيوخ، والشباب. والفلسطيني يدور من غربة إلى غربة ومن ضياع إلى ضياع يودع شهداءه وهم يعانقون النخيل. تطلق (ميدوزاً) حجراً يجمد إله الحرب (مارس) وينطلق ليفقأ عينه الواحدة، وتؤكد(سكينه وجميلة وتوفيق) وهم يرفعون هاماتهم عالياً وحبالهم خيوط فولاذية لتؤكد الأمل والغد، ترصد هذه الرواية، فلسطين العاشقة والمعشوقة، التي لم تبخل يوماً بفلذات أكبادها على تاريخها ومستقبلها.


 
صورة :

 

تقسم الكاتبة سحر خليفة روايتها إلى وحدات ثلاث، لكل وحدة عنوانها الخاص، وتقدمها على نحو متتابع زمنياً، لذلك لن نجد أي مفارقات سردية على مستوى البنية الزمانية، لكن ذلك لا يعني أن الكاتبة وقعت أسيرة لنص حكائي متواتر، وهذا ما سنلحظه عند قراءتنا للوحدات الثلاث.  
     تبدأ الرواية في مستواها الأول بعشق (مستحيل) بين إبراهيم ومريم اللذين ينتميان إلى ديانتين مختلفتين، وتحمل الكاتبة الأسماء مضموناً دينياً، ومعنى الانتماء العقائدي، وتحمل هذه الأسماء دلالات ترتبط بالهدف العام للرواية، فإبراهيم ينتمي إلى عائلة مسلمة، ومريم تنتمي إلى عائلة مسيحية، والسارد نفسه يمنح شخصياته صفات دينية: "كانت تقرأ في كتاب صغير ومسبحة دقيقة تنسدل من معظمها، ورأيت الصليب، صليب صغير بحجم الفراشة، وطرحتها السوداء من الدانتيل المشغول بتخريم الإبرة، ابنة راهبات"(7).
أما إبراهيم فيقول عن نفسه: "ودخلت الأقصى لثوان ثم تقهقرت، رأيت شيخاً في الساحة يجلس في ظل جدار الحرم وحوله مجموعة رجال بحطط وعمائم وطرابيش"(8).

 

لكن الكاتبة تؤكد على أن مريم نصرانية العقيدة فقط، لكنها عربية اللغة والأصول، تقول على لسان إبراهيم "اكتشفت أيضاً أن هناك مدرسة لا هي حكومية ولا تتبع لوكالة الغوث، بل تتبع الكنيسة، لها قسيس بلحية مدببة كالفنانين ويحكي العربية والشعر الجاهلي، ويعلم تلاميذ مدرسته أغان وأناشيد لها طابع وطني حنون"(9). فتذكر الكاتبة مجموعة من المتفاعلات النصية التداخلية تؤكد من خلالها على عروبة هذا القسيس معلم مريم.
تعمل الكاتبة في حكايتها الأولى (صورة) على التركيز على شخصية إبراهيم ومريم، والكاهن، وهي نماذج دينية وثقافية تتجاور ولا تختلف، وتجعل الكاتبة من مريم الشخصية التي تعبر من خلالها إلى فضائها الأيديولوجي، حين ترمز بمريم لمدينة القدس، فتعمل الكاتبة منذ اللحظة الأولى على صنع نوع من الصراع بين هذه الشخصيات، لتجسد من خلالها تاريخية القدس في هذه المرحلة، فمريم التي أحبها إبراهيم كانت في أول أمرها قد تجسدت من خلال خياله، فبات يعشقها دون تسلسل، وهو متيم بحبها لا يقوى على التركيز "لا أدري متى وكيف أحببت مريم، أو ربما ما بهرني هو ذلك الجو، وما يمثله من سحر وغموض، أو ربما كانت مريم وما أحاط بها من قصص غريبة هي المسؤولة عما انتاب مخيلتي من أحلام. بت عاشقاً بدون تسلسل. أفقت فجأة وإذا بي متيم لا أقوى على التركيز على شيء ما. بت ملهوفاً مليئًا بالشوق والأحزان بدون سبب منطقي أستطيع فهمه. لم أرها عن قرب، لم أسمعها، لم أحدثها، بل لم تعرفني على الإطلاق طوال شهور"(10). وتتابع الرواية في رسم صورة مريم على لسان إبراهيم "كانت كالنقطة في نظري، نقطة سوداء تتحرك بصمت مطبق. اختفت الأصوات والأشكال وجماعات المصلين، وبقيت هي نقطة سوداء تتحرك في احمرار الشفق"(11). ويتعرف إبراهيم على اسمها بعد جهد وبحث طويل "اسمها سلمى؟ اسمها فدوى؟ اسمها نجوى؟ بل اسمها مريم...."(12).

 

إنه نوع من (العنف الشعوري) يمتزج فيه عنف الذات في (مونولوج) داخلي، يتوجه مباشرة إلى التوصيف السيكولوجي لشخصية إبراهيم، وبدايته تكون دخول هذه الشخصية في مأزقها والذي ستفسره الأحداث القادمة، إنه حب فريد من نوعيته له خصوصية تميزه عن غيره.
فمريم هذه حزينة تبكي أخاها الأصغر،  وهي شبه وحيدة، لأن إخوتها الكبار يعيشون في البرازيل، وتعيش مع أمها شبه العمياء في القرية لكنها (أمها) مدعومة بأقارب وحمولة وعائلة ضخمة، ولها أملاك تمتد حتى الجبال، وحزنها لا يتوقف عند فقدها لأخيها وأهلها، بل يذكر السارد أنها عاشت في بلاد الغربة قصة حب فاشلة مع أحد القساوسة، لتؤكد من خلال هذه القصة على مدى الحزن الذي يسكن قلب مريم، وتعطي تحديداً لهذه الشخصية والحالة المعيشة لها.

 

إن ما سبق من صورة الأم شبه العمياء المدعومة بالأهل والأقارب، ومريم المسكونة بالحزن، كلها إشارات ورموز للواقع المعيش، هذا الواقع السياسي والاجتماعي الذي يفرض سلطته كمتكأ خطابي للرواية، والتي تبني على أفق سياسي بحت، تمثل هذه الصفات المهزومة التي يصف النص بها مريم، وعلى طول النص الروائي تأتي من وقت لآخر على شكل طبقات إشارية لتوطيد الحالة التشاؤمية والانهزامية التي تنتج أخيراً الهزيمة المادية والمعنوية للقدس.

 

 لكننا نلحظ أحياناً خطاباً اجتماعياً داخل النص، يكون حضوره طيفياً إذا ما قيس بالخطاب السياسي المتواري وراء قصة الحب، ويذكر هذا الخطاب الاجتماعي لخدمة الخطاب السياسي، حيث يستدعيه، فتأتي الإشارة إلى هذا الواقع الاجتماعي، إشارة سريعة لتجلي الواقع الانهزامي والرجعي من خلال هذا الواقع الاجتماعي حين يصف إبراهيم العجوز الأم شبه العمياء.

 

 فنحن نعلم أن "المرجعية الرئيسة للخطاب الروائي هي الواقع بمفهومه العام وتتفاوت قوة هذا بين روائي وآخر، وبين رواية وأخرى وفق رؤية الكاتب للعالم ونظرته إلى الإنسان.........، ومن المفترض تقليدياً بالروائي أن يكون أشد الناس اهتماماً ما هو واقعي"(13). فمثل هذه المواقف الاجتماعية والنفسية تجعل النص منها بمثابة الصّوى الموقفية التي تعبئ المناطق الخلالية داخل النص. والواقع الذي يثيره النص، هو واقع تاريخي يرصد الأفق السياسي بالدرجة الأولى لواقع مدينة القدس منذ حرب 1967م وحتى بداية الانتفاضة الأولى عام 1987م،  يرصد النص هذه الفترة من التاريخ بحس إنساني فجائعي يجسد من خلاله العجز العربي عن الفعل، ويظهر هذا العجز وضعفه أمام سقوط مدينة القدس، لذلك نجد أن النص - كما رأينا في الفقرات السابقة – ينفتح نفسياً منذ البداية على مريم بالذات ليجعل من هذه الشخصية تمهيداً استراتيجياً لعرض فرضيات الرواية هذه الفرضيات التي ينفتح بها النص على حال (مريم-القدس) ويجعل منها كذلك انفتاحه القادم على المستقبل. وتعمل الرواية على التركيز من وقت لآخر على شخصيته مريم الحزينة الكئيبة، ليقدم النص للحالة التي ستنتهي إليها مريم. فقد صور النص مريم مسكونة بعالم الخوف والحزن والبكاء، إلا أننا نرى صورة أخرى لمريم من خلال مشهد فرح يرسمه النص لها عند ذهابها للقدس، لكن هذه الصورة ما هي إلا لحظة عابرة في حياتها، ومقدمةً لما سيحدث في فندق (هوستل) "وصلت السوق ودخلنا باب العامود وبمجرد أن وطئت قدماي عتبة البوابة والزاروب صارت مريم، مريم أخرى، صارت ماري سائحة مجنونة مذهولة تشهق وتصيح وتنادي (إبراهيم) إبراهيم شوف ما أحلاه إبراهيم (إبراهيم عمرك شفت هيك؟؟.....) فقال: (أتفرج.....) ..."(14). هذه اللحظة من الفرح العابر، وحالة الحزن القاهرة داخل مريم كلها كانت تمثل معطيات دلالية تشير على طول النص إلى حالة الهزيمة التي ستلحق بمريم عندما يتخلى إبراهيم عنها، بعدما ناما في فندق (هوستل) وحملت منه، تذهب مريم إليه وتطلب منه الزواج، لكنه يتخلى عنها وفي أحلك الظروف "لكن الحمل فاجأنا. حملت مريم، ولم تجد كل حبوب القدس في إنزاله، ولم يبق أمامنا إلا الإجهاض والعملية....."(15).

 

"وجاء الصيف وأنا ما زلت أتخبط. مريم كبرت، كبر الجنين، وصار بطنها أكبر من أن تخفيه، اختبأت في الدار لا تغادرها، وصارت عصبية وحساسة، وأمها رغم ضعف النظر، اكتشفت الحمل والمصيبة"(16).
"جاءت مريم مع عنزتها والعنزة تموء، وتهز الجرس، وجاءت تذكرني بما نحن فيه فأحسست بنفور وقرف. نقرت الباب وشباكي فخرجت سارة وقالت بجفاف (نعم يا ست) قالت مريم بصوت كالهمس (أريد إبراهيم) قالت سارة بصوت مرتفع سمعته (إبراهيم في القدس وليس هنا ماذا تريدين من إبراهيم) ورأيتها تتفحصها من فوق لتحت ثم سألت بخبث (أنت مريم؟) لم تجبها، وادعت أنها لم تسمع السؤال وقالت همساً (شكراً) ومضت وأنا ما زلت مختبئاً خلف الشباك."(17).
إن إبراهيم كان صادقاً في حبه لمريم، وكان يخطط للزواج منها، لكنه لم يستطع أن يعبر عن هذا الحب بزواجه من مريم، والسبب في ذلك أن إبراهيم لم يكن واعياً لواقعه الاجتماعي، وشرطه التاريخي الذي كان يحكم العلاقات، بل كان يعيش حالة رومانسية في حبه لمريم، وأخيراً تضيع مريم، وتضيع ذكراها، ويضيع معها إبراهيم وتضيع القدس، هكذا ينتهي المشهد الأول في (صورة). فالخطاب الروائي هنا لا يدين الواقع (التاريخ) الذي يتحرك وفق سيرورة حرة، بقدر ما يدين الأشخاص الذين لم يستطيعوا في لحظة أن يدافعوا عن المدينة. فإبراهيم وقف عاجزاً عن الدفاع عن حبه وعن المرأة التي أحبها والتي ستنجب منه طفلاً.

 

 أيقونة  : 

 

    وفي الحكاية الثانية تضحي مريم رمزاً للمدينة الضائعة، يبدأ إبراهيم رحلة جديدة يجوب فيها دول أوروبا، يتزوج ويطلق، وينتهي به المطاف في السعودية، فيلتم شمله على أخته سارة، ليبدأ مع هذا الواقع الجديد لحظة جديدة من التعريب مع الدولارات والأموال الخليجية، ويعيش حالة من التناقضات، فيبدأ بتزويد الجيش الأمريكي بالمناشير والجرافات، "بدأت أبني العمارات والمصانع وأبيع الشقق والإسكانات، ثم تعاطيت المقاولات في حرب الخليج وزودت الجيش الأمريكي بالمناشير والجرافات لحفر الخنادق وشق الطرق وهكذا صرت ثرياً ....بالملايين... وفتحت مؤسسة باسمي ترعى الأرامل والأيتام في فلسطين. بت علماً اقتصادياً، والمحسن الكريم للمحتاجين، ورائج للأدب والثقافة، مع أني لم أنشر إلا مقالات سياسية وبضع أقاصيص. بت وجيهاً اقتصادياً يحسب له مليون حساب، ودخلت البلد مع العائدين، ووطئت القدس بعد المنفى وغربة استمرت مليون سنة"(18).

 

     نعلم أن محمول النص الروائي في هذه الرواية هو تاريخي سياسي، فعند الكشف عن مضمرات النص المرجعية لا بد لنا أن نأخذ بعين الاعتبار مثل هذه المرجعية.
أمامنا حالة سياسية يعيشها إبراهيم تتناقض تماماً مع أهدافه الوطنية، فالأفق السياسي الذي يتمحور داخل هذا النص، هو أفق انهزامي تراجعي، والشرط النفسي الذي يحكم إبراهيم هو رغبته فقط في أن يصبح ثرياً مشهوراً دون اعتبارات للأهداف السياسية والوطنية.
يعود إبراهيم إلى القدس مثقلاً بالهموم بعد غربة ثقيلة استمرت –كما تقول الرواية- (مليون سنة)، لكن القدس بدأت تتغير، فالزمن غير ذاك الزمان والأحداث غير الأحداث، والناس هم غير الناس، ويقوم النص بعمل توثيقي تاريخي لهذه المرحلة، تخاطب التاريخي مباشرة على لسان إبراهيم حين يقول "راح السوفيت، وراح العالم باتجاه السوق، وتخصخصنا، تبنى فلسطين المخصوصة والمقصوصة وتغيرنا، بتنا أتباعاً لا ثواراً. بتنا شظايا، وهكذا تغير حالي وصار إبراهيم غير إبراهيم، وصارت القدس هي غير القدس، وصارت أحلامي هموماً ووحدة وفراغاً والزهايمر وضياع القدس"(19).

 

     تتكئ الكاتبة على هذه المقدمة وسابقتها لتجعل منها متكأً للخطاب في هذه الحكاية، وتجعل منها الأساس الذي تنطلق منه للتأريخ لهذه المرحلة، مرحلة التغير. إنه الخطاب الذي يدين منطق الواقع (التاريخ)، هذا التاريخ الذي لا يتحرك وفق سيرورته الحرة، وإنما يخضع لتدخلات خارجية ناظمها سيطرة الشر على العالم، ولكن قبل هذا يؤرخ النص لهزيمة العقل العربي، حين يذهب إبراهيم للراهب الدجال ليبحث عن مريم وقد قدمت لذلك بالشرط التاريخي الذي حكم الوطن، وأدى إلى صعود الأفكار الرجعية وسيطرتها على الوعي الفلسطيني في هذه الفترة، التي تعبر عن عدم فهم حقيقي للواقع الاجتماعي مما يعني هيمنة التفكير الرجعي الانهزامي على المجتمع الفلسطيني في هذه الفترة، ويعبر كذلك عن حالة الإحباط السياسي التي بدأت تسود بعد احتلال القدس، وبذلك يقوم النص بعملية توصيف للوعي الجماهيري في هذه المرحلة، مرحلة الوعي الساذج فقد جاء في الرواية على لسان (أم محمد)  "اسمع هالقصة وصدقها وآمن بالله. كان لي جده، جدة أمي وكانت مبروكة ومخاوية، وكان لسيدي أبو أبوي، ولد محبوس عند الأتراك في اسطنبول أيام الحكم العثماني، وكان شغله هناك بمنصب عالي، وبعدين حبسوه. وقعد في السجن يمكن سنتين، وبعدين قالوا يمكن يشنقوه. وقعد سيدي يبكي وينوح زي النسوان. وصار زي الخيط.......................... راحت الحجة لقبر الولي ونامت عنده أربعين ليلة وفي مزار لولي كان فيه قبرين، قبر الولي وقبر ابنه، شمرت الحجة عن ثوبها وركبت عالولي وصارت تصيح
قاطعتها مدهوشاً وبقدر كبير من السخرية
 - ركبت عالولي
- ركبت عالقبر وصارت تصيح: بجاه جدودي يا ولي الله رجعلي حسن.
وبقيت على هالحال أربعين ليلة وفي آخر ليلة ناداها وقال: يا حجة روحي لبيتك، رجعنا حسن....... ولما قال الآذان الله أكبر، دخل حسن بلحمه ودمه ها شو تقولوا؟"(20).

 

     النص يستخدم في معظمه ألفاظا عامية لتقترب بها من الواقع والوجدان الشعبي، وغرض النص من وراء ذلك، الولوج إلى وجدان المتلقي أكثر من عقله وفكره، ولتصبح اللغة عنده ذات هدف وظيفي أكثر منه فني، ويعمل النص كذلك على بناء علائق جديدة داخل المجتمع الفلسطيني هي نتيجة حتمية للشرط التاريخي المعيش، لينتج أنماطاً جديدة من التفكير وأشكالاً أخرى من التعبير. فتأخذ بالنقد العقلاني لمثل هذه الأيديولوجيات التي بدأت تبرز نتيجة للحالة التاريخية الجديدة، وتسود داخل البنية المعرفية، فيعمل النص على نقل الوعي الجماهيري من مرحلة الوعي الساكن إلى الوعي المتحرك، ومن الساذج إلى الوعي الناقد، يأتي ذلك على لسان إبراهيم نفسه "لم أستطع استيعاب كيف وصلنا لهذا الدرك سنين وسنين ونحن نعمل من أجل الشعب والقضية ومن أجل الثورة والتغيير ونعود الآن لنجد هذا!! كم من أرواح خسرنا، وكم من معارك قاتلنا في سبيل البعث والقضية، ويجيء الآن هذا الدجال ليعيد الناس إلى الماضي وظلام الكهف!! أنا لن أسكت. سأقيم القيامة على رأسه وعلى الجمعية ومن فيها"(21).
     إن ما نقرأه هنا في النص هي محاولة تبدو يائسة لمقاومة الحاضر، فهي محاولة النص أن ينتشل الإنسان الفلسطيني صيرورته وذاته من حالة الخضوع، وينتشل الأرض من الضياع والتبدد، وبالتالي ينتشل الفكر من الخمول والتواطؤ. فهذه التساؤلات على لسان إبراهيم، تمثل مناطق جديدة، يشكل من خلالها سطوح جديدة يعمل من خلالها على توصيف للحالة المهزومة التي وصلنا إليها، ويأتي ذلك مرة أخرى على لسان إبراهيم "لا ضوء هنا. لا ماء هنا. لا مال هنا. وحتى سواعد من يبنون لا تبني هنا. فكيف إذن نبني أمة؟! وأصابني إحباط شديد من وضعي أمام وضع الأمة. اختلط الخاص بالوضع العام، وما عدت أعرف من الأسبق، الوضع الخاص أم الوضع العام من الأهم؟ من الأعمق؟ أهي التربية أم البيئة؟ أهي النفسية أم المجتمع؟ نبدأ بالفرد أم بالمجموع......."(22).

 

     يكثر النص من التساؤلات على لسان إبراهيم لأن الكاتبة تريد أن تميز بين التاريخ والرواية، فعلى الرغم من اشتراكهما في الحديث عن الواقع والمتخيل إلا أن الرواية تختلف عن التاريخ في الابتعاد عن الكليات المجردة لتقترب من التفاصيل. فالروائي غير منفصل عن الواقع، بل يعيشه بكل تفصيلاته اليومية المعاشة فيحقق بذلك الذات الاجتماعية لتصل هذه الذات إلى أعلى درجات التواصل، ويساعد ذلك كله على تأمل الحالة الاجتماعية والشرط التاريخي لإبراهيم. كذلك تعمل الكاتبة على صوغ النص بأدوات فنية (أسئلة) مطابقة للواقع لتبني فضاءً روائياً إشارياً للواقع التاريخي. إضافة إلى أن مثل هذا التنقل الحيوي بين مقولات الاستفهام والتقرير يبعد السرد عن المباشرة ويمنح التنقل الإخراجي للنص حركة انفعالية قد لا تتوافر للسرد التقليدي المباشر. 

 

     إن الصورة التي رسمها النص في المقاطع السابقة لإبراهيم (الإنسان المتردد الضعيف) هي صورة تبني بما يريده النص من نتائج سيؤول إليها الموقف، حيث يبدأ النص بتوثيق حالة تهويد القدس الحقيقة، من خلال شراء بيوت المقدسيين ومن خلال بناء المستوطنات حول القدس "لماذا تسكن في رام الله وأنت من القدس؟ لماذا لا تشتري بيتاً في القدس فبيوت القدس لمن يطلب وهؤلاء اليهود طالع نازل زي المنشار......"(23)، " أين الخضار؟ أين الشجر؟ أين الزيتون؟ شوارع ومبان ودكاكين تحاول أن تبدو كمدينة فأضحت لا قرية ولا مدينة سألت بجفاء، ورأيت الطريق الالتفافية؟ ورأيت المستوطنة القريبة...."(24)، "كان لا بد من توخي الحيطة والحذر حتى لا ننكشف أو نضبط أثناء التسلل والتفتيش فقد كان الشابان قد استصدرا أمراً بامتلاك المكان. كيف ولماذا وبأي شرع أو قانون؟ هذا ما عجزت الست جميلة عن إيجاد تفسير له. فما تفسير أن يأتي شابان يهوديان من نيويورك ويقطنا دار امرأة رغماً عنها ويستصدرا أمراًً بامتلاك الدار رغم القوشان بحوزتها وعليه ختم عثماني ثم بريطاني ثم أردني!!"(25).

 

عهد قديم:

 

     هكذا انتهت الحكاية الثانية إلى بداية حالة تهويد القدس، بعدها يعيش إبراهيم حالة من التوهان المكاني والزماني في البحث عن مريم، يعيش متنقلاً بين مدن فلسطين بأكملها. وبين (كيبوتسات) فلسطين وتتأكد هذه الحالة على لسان إبراهيم حين يقول "ونقرت الباب بوجل وحذر سمعت صوتاً قوياً يقول (أدخل) فدخلت بخوف رجل للأمام ورجل للخلف ورأيت راهبة طويلة في مثلي طولي أو أطول. كانت ما زالت مشدودة رغم الكبر وخطوط السن. والأخرى كانت بنظارة وإطار ضخم، لكن عينيها شاسعتان، ونظر حازم، قالت من أنت، والاسم الكريم وما طلبك؟ قلت الضفة وجبال القدس وحنين القلب إلى القبلة. أنا من ضيعت أحلامي وحبي الكبير والمستقبل. أنا من جاب بقاع الأرض بحثاً عن هدف وقضية أنا من حمل اسم جده وصفات أبيه وما وجد ابنا يرضاه أو يرث اسمه. كانت غلطة، وأنا نادم، هل يرضى يسوع أن أتعذب وأظل متهماً أبدياً، لا أجد قاض ينصفني ويزيل الحكم؟ ؛إن كان يسوع يرضى بهذا. إذن ما الفرق؟ وأظل أدور الدوائر بحثا عن ماض كان هنا أو امرأة حلوة كانت لي وابناً لا يعرف سر أبيه؟ ابني ضائع وأمه مريم وأنا هنا أبحث عن خيط فدليني"(26).
     وأحياناً نجد النص يخرج عن الإطار العام للحالة التوثيقية التي بني عليها، ليتناول حالات أخرى مجاورة لهذه الحالة حين يؤرخ ويوثق لليهود السوفيت الذين جاءوا إلى فلسطين، فيعمل النص على توثيق الحالة الفكرية لهذه الفئة من اليهود، وكذلك الحالة السياسية. ففي هذه الفترة (بعد حرب عام 1967) بدأت مجموعات كبيرة من اليهود السوفيت يرحّلون إلى فلسطين ليستقروا داخل (كيبوتسات): "تعرف خيا؟ يهود السوفيت طلعوا أوسخ من يهود الغرب. أنا عارف ليش؟ كيف تفسر؟ يعني الأحمر بنسى الأحمر لما يشوف قرش؟ هيك السوفيت. إذن بالله ليش لخمونا وقالوا لنا (لينين) وقالوا (ستالين) والذي منه؟ بلا حكي فاضي. بدك المظبوط أنا عمري ما صدقت إلا عيوني............. أنا بعد رجوعي من لبنان بعد الهجرة وكنت لسه صغير رحت اشتغلت في بيارة قلبوها (كيبوتس). تعرف شو (كيبوتس)؟
هززت راسي عدة هزات لكنه صاح:
لا ما بتعرف فيه (كيبوتسات) أبيض عالحل. وفيه (كيبوتسات) أحمر عالحل"(27). وعلى الرغم من أن النص يؤكد على أن هذا إبراهيم يبدو شبيهاً بهذا الروسي الذي ترك مسرح تشيكوف وراءه، وجاء وراء غانية لا تلتفت إليه،إلا أنه يؤكد على أن إبراهيم كان لا يطيق الروسي الذي تعرف عليه من خلال أبي يوسف صاحب النزل، ليؤكد على رفض الفلسطيني لهذه الحالة التاريخية الجديدة القائمة على ترحيل اليهود الروس إلى فلسطين والاستقرار فيها على حساب طرد الفلسطيني، ويبرر النص هذا الرحيل الروسي على أنه كان بسبب الحالة الرديئة التي وصلت إليه دولتهم في ظل الشيوعية "وأفلست الدولة وذهب العز، فزاد الشرب، وأصبح إيلاي في وضع بغيض، فلا هو بالشاب ليرضيها، ولا هو غني ليشبعها ولا مدعوم ليعطيها. وكان الرحيل إلى (إسرائيل) بديلاً مطروحاً فلحقت بالركب ولحق بها....."(28)، والنص يؤكد في كل مرة على غربة هذا الروسي فهو كاتب ليس لديه سوى كلمة. لكن ماذا يكتب عن وجود شيء يجهله، وبأية لغة.

 

     والنص في كل مرة يستخدم لغة لكنه يحرفها وينحرف هارباً بها – كما هو واضح من النص السابق وغيره من النصوص – ليخلق صوغاً جديداً يجعلها تمر في الإحساس ويجعل اللغة تتلعثم أو ترتعش أو تصرخ أو حتى تغني أحياناً. إنها اللغة الجديدة اللغة اليومية، داخل اللغة الفصحى، هذه اللغة التي تستدعي شعباً بأكمله للمجيء.
     ويبين النص نوع العلاقة السائدة بين السلطة (الدولة) وبين سكانها، فهي علاقة مصلحة، "وبما أن إيلاي ليس سلعة، قديمة لا تتناسب مع روح الجو، فقد لجأ إلى نزل صغير بسعر رخيص بانتظار العودة إلى بلده أي إلى موسكو، لكن موسكو لا ترضى به فأصبح إيلاي مثلي ومثلك حسب القانون أي هو موجود وغير موجود......"(29).

 

     وبعد ذلك يقدم النص للحالة التي بدأت تسود في القدس في هذه المرحلة، فالحانات ونوادي الرقص الشرقي والغربي بدأت تنتشر في أنحاء متفرقة من القدس، ويعيش إبراهيم فترة من حياته داخل هذه الحانات والبارات. لكنه يستفيق من سكرته ويعود لوعيه بعد أن فقد كل شيء، يعود إلى القدس بعد ذهابه إلى الناصرة ليبحث عن مريم في القدس وابنه الذي تركه في حواشي مريم، هذا الابن الذي ينكر أبوته له ويقف أمام مجموعة من التساؤلات تبرز الحالة النفسية غير المتوازنة والقلقة التي بدأ يعيشها إبراهيم في هذه الفترة، وهو يشعر بأن كل شيء قد تخلى عنه، ليدرك عندها أن عليه الاعتماد على نفسه للوصول إلى مريم وابنه المفقود "ماذا أفعل من غير وريث؟ ماذا أفعل في هذا الدرب المتعرج من غير أنيس؟ أمشي وحدي؟ سئمت الوحدة. أبحث عن سلوى في السلطة، أم في الأموال، أم في كتبي، كل ما كان له معنى فقد المعنى، تمخض عن عبث أكاذيب، وكأن كل ما صدقناه، وآمنا به وتوسلناه، أضحى سراباً، يا زمن النحس، وهذا الولد يهب روحه لسراب جديد! يضيّع حياته في دروب القحط ويتعلق بخيوط الوهم؟! ألا يكفي جيل قبلي وجيلي وأنا والمستقبل! يا أرض النحس"(30).
     وعلى لسان إبراهيم –كذلك- يختزل النص حال الأرض المحتلة، فجرافات المستوطنين تجرف الأرض وتقطع الكروم، وبالمقابل امرأة فلاحة تضرب الصخر لتزرعه.

 

     وعند هذه اللحظة يفصح إبراهيم عن اسم مريم كاملا فيقول اسمها (مريم أيوب) ليعطي بعداً دينياً جديداً لاسمها، لكن اسمها هذا يتغير إلى اسم ماري ولغتها العربية تصبح مكسرة "وسألتني وهي تتفحص في وجهي (مريم أيوب)؟ طبعاً زمان لكن اليوم ماري، تفضل، فوت....." وقفت مريم عند الدكان وعاينت الثوب وزنّار النار وقالت بالعربي المكسر (بكم الفستان؟)"(31).

 

     لقد أضحت القدس مجموعة من المتناقضات تحمل مواقف متقابلة ومتناقضة في الوقت نفسه في ظل هذا الاحتلال "شيء غريب صلاة الجمعة وأقصى ورهبان وخمر كريمزان؟ هذه هي القدس لمن يعرف ومن لا يعرف......."(32).
     ويقيم النص مقارنة بين رقصة الطليان وبين الدبكة الفلسطينية، ويمتد الصراع بينهما لكنها معركة مختلة بلا توازن أبطالها النسوان، فنساء الغرب أشطر بالرقص من نساء العرب المتلحفات باليوانس لا فن لديهم سوى الزغاريد.......(33).

 

     ثم تنتقل إلى حالة أخرى يرصدها النص وهي الصراع الذي يدور بين أبي يوسف ومختار الخربة بسبب كلمة واحدة وهي شتيمة إلى أبي يوسف (الفلاح) وتدور معركة حامية بينهما يستدعي معها كل منهما أبناءه للدفاع عنه.

 

     في هذا الجو من التناقض بين أبناء البيت الواحد، وحالة التوهان التي بدأت تعيشها القدس في ظل الاحتلال تندفع الانتفاضة الأولى ويرصدها النص حين تنطلق من الأقصى ذاته، ويصف النص لحظة أولى من لحظات الانتفاضة، فها هي سكينة وجميلة وتوفيق رمز الشعب الفلسطيني الصامد الصامت فوق أرض، يوجهون الشباب ويساعدونهم في الصمود فوق الأرض وفي وجه الاحتلال. وتتوقف الرواية عند الأحداث الأولى للانتفاضة الأولى لتجعل منها فضاءً يمثل مناطق جديدة لشعب جديد، وبدأ يشكل معها فضاءات معرفية تراكمية وسطوح فنية جديدة، وتسجيل لحالة من الوعي الجديد.

 

     هكذا انتهت صورة وأيقونة وعهد قديم بدأت فانتهت وهي تؤرخ حالة مدينة القدس، رمز القضية الفلسطينية، صورت الكاتبة روح هذا الشعب البسيطة، يعيش ويموت فوق أرضه وهو مطمئن، ورصد النص كذلك أرواحاً أخرى تاجرت وتتاجر بفلسطين حتى بحجارتها، فيد تتاجر وتبيع الحجارة، ويد أخرى تصنع من هذا الحجر سلاحاً مقاوماً للاحتلال.
     لكن الكاتبة تترك الإجابة مفتوحة دون إغلاق لأن تاريخ هذه المدينة ما زال مفتوحا على أحداث أخرى.

نظرة في الرواية:

 

أ- الأحداث:
     يقول نصر حامد أبو زيد "إن تحولاً كبيراً أصاب الخطاب العربي الذي انتقل من أن يكون خطاب نهضة وتحول ليكون خطاب أزمة، وبدلاً من البحث عن كيفيات النهوض وآلياته، عكف الخطاب العربي على تحليل أسباب الهزيمة محاولاً الوصول إلى مخرج منها."(34).
     أما إلياس خوري فيرى أن الإنتاج الروائي لمعظم الروائيين العرب الذين اصطدموا بالمشروع الصهيوني، انطلق من وعي بعد الهزيمة فقدمت الرواية رؤية جديدة بالغة الأهمية والدلالات.(35)
      ونحن في هذا النص أمام رواية تعمل على الانطلاق من الأسباب للوصول في النهاية إلى حل فالرواية تتشكل من (صورة وأيقونة وعهد قديم) ثلاث وحدات متداخلة، تحيل المتلقي عبر عنواناتها إلى نوع من التهيؤ لاستلام نمط من الأحداث، فهي تتشكل من أحداث اجتماعية وتاريخية ذات دلالة سياسية واضحة، وهي أحداث مترابطة ومتسلسلة، تأتي متتابعة زمنياً وتنمو وتتطور وفق منطق تاريخي صادق. بدأتها الكاتبة (بصورة) أرّخت فيها لحال القدس قبل عام 1967م ثم جاءت الحكاية الثانية بعنوان (أيقونة)، سجلت خلالها حال القدس بعد عام 1967م حتى السنين الأولى قبل اندلاع الانتفاضة الأولى، أما الوحدة الثالثة فكانت بعنوان (عهد قديم) وفيها تؤرخ الكاتبة لحال القدس إلى بداية الانتفاضة الأولى. فالحدث يسير وينمو في هذه الحكايا الثلاث بخط مستقيم، وعلى الرغم من أننا نرى الكاتبة تسترسل في السرد وعلى لسان إبراهيم، إلا أن ذلك لا يعني عدم قدرة الكاتبة على الإمساك بمقود السرد، وتتابع الأحداث بصورة تستطيع الكاتبة معه أن تبدع حالة فنية غنية بالدلالات، ولعل لذلك كله دلالته. فالكاتبة تتناول في روايتها أحداثاً سياسية في مرحلة معينة لتأريخ هذه الفترة لمدينة القدس. لذلك نجد الكاتبة خلال النص تحاول أن تضع يدها على مادة وافرة من حياة الجماهير الفلسطينية داخل الأرض المحتلة، هذه الجماهير المثقلة بالجراح والنكبات المستمرة، لهذا فإننا لا نعدم بعض التفاصيل الدقيقة داخل النص، وعرض كثير من الجزئيات والتفاصيل –كما مر بنا- فالتاريخ لا ينطوي على لون واحد، بل يتضمن ألواناً لا حصر لها، فحركة التاريخ متغيرة باستمرارـ وهي تنطوي على صراع دائم بين السلبي والايجابي. ولو لم تهتم الكاتبة بهذه التفاصيل، لاضطرت إلى عرض الأحداث الكبرى مما يتنافى ورؤيتها للتاريخ، وتخرج بذلك النص عن نقل الواقع التاريخي إلى واقع فني هذا الواقع الذي يهدف في الأساس إلى شحن وجدان المتلقي بروح التفاؤل والتحدي.

 

ب-الشخصيات:
     إن التداخل بين الوحدات الثلاث تؤكده الكاتبة مرة أخرى من خلال تداخل الشخصيات، فعلاقة إبراهيم بمريم تربط هذه الحكايا الثلاث بعضها ببعض، برباط الحب أولاً ثم برباط الأبوة حين تنجب مريم الابن، فمجمل الأحداث، هي امتداد تاريخي تخلق مناخاً روائياً يعبر عن تغير العلاقات داخل الزمان والمكان، وقد وظفت الكاتبة هذه العلاقة لخدمة آلية بناء النص القائمة على كتابة الحالة التاريخية والسياسة لمدينة القدس بصورة فنية، إضافة إلى توصيف لحالة الوعي الفلسطيني في الفترة ما بين عام 1967م إلى بداية الانتفاضة الأولى عام 1987م، فيسير النص من أوله إلى آخره في توظيف هذه العلاقة –علاقة الحب- للهدف المرجو منها. مما يعني أن الرواية تسير نحو نهاية مقررة من خلال المقدمات، فالتخطيط البنائي للرواية تحركه الأحداث والتاريخ، وليس فكر الكاتبة المسبق، فقد جعلت الكاتبة علاقة الحب بين إبراهيم رمز الفلسطيني ومريم رمز القدس، رابطة بين لوحات الرواية الثلاث ويرسمان الخط العام للرواية، لذلك نجد أن أحداث الرواية كانت تنمو وتتطور من خلال التركيز على هاتين الشخصيتين، شخصية إبراهيم وشخصية مريم. فقد مثلت في هذه الرواية الركيزة الأساسية أمام الشخصيات الأخرى، والتي جاء بعضها مساند أو مجاور في دوره، لذلك جعل النص فيها وسيلته للتعرف على الواقع المعيش الذي أراد النص أن يؤرخ له، فإبراهيم يعيش حالة حب رومانسية في أول الأمر، ثم ينتقل بعد ذلك ليعيش حالة جديدة من التردد والضعف والتوهان، ثم يحاول بعد انطلاق الانتفاضة أن يجد له مكاناً داخل هذا الحدث الجديد والذي عبرت من خلاله الكاتبة عن بدء وعي جديد للفلسطيني. هكذا بدت شخصية إبراهيم تتطور بتطور الأحداث. أما مريم فعاشت قبل إبراهيم حالة حب فاشلة حاولت أن تعوض ذلك بحبها إبراهيم، الذي لم يلبث أن تخلى عنها في أحلك ظروفها، ثم تنحدر إلى النهاية، أما سكينة وتوفيق وأبو يوسف والمختار فهي شخصيات ترمز للفلسطيني الآخر (العادي) الذي ظل صامداً فوق أرضه رغم ضعفه وفقره، يقارع العدو بما أوتي من قوة وهو يعي تماماً أنه اختار طريق النضال والاستشهاد.
     استطاعت الكاتبة سحر خليفة أن تعطي شخصياتها بعداً يتناسب مع الشرط التاريخي للفترة التي يؤرخ لها النص، سواء أكان ذلك على مستوى سيميائية الاسم، أو الدور الذي مارسته الشخصية، فكانت شخصيات إنسانية عادية غير خارقة، لكنها تتعامل مع الواقع وتتجاوزه أحياناً. فكانت مزيجاً من القوة والضعف، والخير والشر. حاولت الكاتبة أن تجعل من شخصياتها تلك تعيش زماناً ومكاناً بعينه، وتعرفها من خلال سلوكها ومواقفها التلقائية، لتعكس لنا الحالة التاريخية التي عاشها الإنسان الفلسطيني ومدينة القدس في فترة الاحتلال، فجاءت أبعاد هذه الشخصيات من خلال منطق الأحداث والمناخ الروائي العام، والأساليب السردية المناسبة،التي بنيت على ضمير المتكلم وتعدد الضمائر في بعض الأحيان، مما أعطى فرصة للنص أن يكون أكثر موضوعية ويولد حيوية في السرد.

 

ج- الزمان:
     "يذهب الروائي إلى وثائق التاريخ المتعددة ويخلقها شخصيات متحاورة تنقض أحادية القول التاريخي بأقوال متعددة مراجعها التأمل والاحتمال. وعلم التاريخ يحدث غالباً على طريقته عما كان، والرواية تحدث عما كان وعما كان يجب أن يكون محررة الماضي من قيود قراءة وحيدة، وعاطفة مبادئ الأخلاق على المعارف الواضحة والغائمة"(36).
     ومن قراءة متأنية لنص (صورة وأيقونة وعهد قديم)، نجد أن الزمن يكتسب منطق التسلسل والتتابع المنطقي، ولعل لجوء الكاتبة إلى هذا النمط التقليدي العمودي للزمن، سببه أن النص يقع تحت ضغط التأطير التاريخي. فنجد النص يعتمد أحياناً على عناصر وثائقية من التاريخ، بمعنى أن موقعها هو كتب التاريخ وليس الرواية الفنية، ويعيد خلق هذه الوقائع التاريخية. فيستدعي النص على سبيل المثال في بداية الحكاية الأولى (صورة) "مقبرة مليئة بالصلبان. وبقايا أعمدة الرومان، وزيتونة عتيقة من عمر المسيح، قيل استظل بها نور الدين الزنكي أثناء فتوحاته لتحرير القدس"(37)، ويستذكر النص كذلك ضياع القدس في عام 1967م على لسان إبراهيم "ضاعت مريم وضاعت ذكراها وضعت أنا، وضاعت القدس، وبتنا طرفين في ضفتين يفصلهما نهر وبنادق وجيش احتلال، وبت أنا نفراً في ثلة من الثوار، صارت مجموعة من فصيل، ثم عمليات فدائية عبر الوادي ونهر الأردن. صرنا المنفى"(38).
     إن مثل هذه العلاقات الزمانية والمتمثلة في بعض الأحداث المؤرخة وغير المؤرخة هي التي تؤطر زمن النص. فمثل هذه الإشارات التاريخية، ماضياً وحاضراً، من شأنها أن توقظ الوعي الوطني لدي الفلسطيني، وتذكره بهذا الماضي المجيد في ظل الحاضر المكبل بالاحتلال والموصوف بالضياع والهزيمة، فالنص حين يذهب إليها احتجاجاً على الحاضر، وبحث عما يضيء وجه هذا الحاضر، وكأن النص يعمل من الزمن ستاراً تختفي وراءه الدلالة السياسية، إذ يؤرخ لأحداث ماضية وأخرى حاضرة "ارتطمت رجلي بسلة مهملات. تحت المكتب فيها أوراق مكورة كالطابة، فتحتها فوجدتها نسخة مصورة لشهادة، شهادة ميلاد لكن بلا اسم ولا كنية، أما التاريخ فهو التاريخ، ذاك التاريخ، تاريخ النكسة، وخروجي وولادتها، الصورة موروربة ولا تصلح، صورة وصورة بالمقلوب، صورة بالعرض، صورة بتاريخ وبلا أسماء، والصورة شهادة للميلاد. وذاك الميلاد هو ميلاد هو تاريخه، هو طرف الخيط لكن بلا اسم ولا كنية"(39).
     وحين يؤرخ النص لبداية النكبة، يؤرخ لها على طريقته الخاصة فيصبح الزمن زمناً آخراً، زمن الاستيلاء على حقوق الغير، ليصبح هذا الصاحب غريباً في ملكه، والقانون هو صاحب الزمن "فالنزل يعود إلى عمه، وعمه هاجر مع النكبة أي منذ إقامة (إسرائيل) فاستولت الدولة على البناء، وأصبح ممتلكاً حكومياً تؤجره ويخليه حسب القانون، وهو يستأجره من الدولة حسب القانون"(40).
     فالكاتبة تعمل على أن تتحايل تقنياً في التعامل مع الزمن لتخرج عن تسلسله العمودي، فهي لا تعبر عنه بأدواته الصريحة، مثل الأفعال النحوية، بل نجدها تتوصل إلى ذلك من خلال إعطاء وظيفة زمنية لهذه الوحدات، وتحملها مدلول الزمان ما يجعلها زمناً حياً. أضف إلى ذلك اللغة الشعرية التي استخدمها النص في أكثر من موضع، أخرجت اللغة الزمن عن ملازمته الواقع الحرفي والخضوع للتقسيم الكرنولوجي حاضر، ماضي، مستقبل.
     هكذا برز عنصر الزمان في هذه الرواية، فهو لم يكن مجرد إطار زمني لحوادث ماضية أو حاضرة بقدر ما كان له دوره البنائي من خلال ارتباطه بهدف الرواية النهائي.

 

- المكان:
     لا يتعامل السارد مع المكان داخل النص باعتباره مجرد فضاء تتحرك فيه مجموعة محددة من الشخصيات، بل يتعامل معه تعامل الموثق أو الطوبغرافي، فكل اسم يحمل دلالة معينة وهو يقصد أمكنة بعينها محددة جغرافياً وطوبغرافياً "وعدت على الغرف أنبشها، في الجوارير، في الخزائن، تحت الأسرة، خلف الأبواب ولا شيء، يشير إلى أثر لها أو أثر له، وصعدت مجدداً إلى غرفة السطح، حيث الكراكيب والحقائب، حقائب فارغة متربة، إلا حقيبة مدسوسة تحت كوم خشب وزوايا حديد. حقيبة صغيرة فيها ملابس طفل صغير، ولفافات وأقمطة تستعمل للرضع. هذا للطفل أو للطفلة، فأين آثارك يا مريم؟ فتحت الصناديق. أول صندوق، وكان لا شيء مجرد ستائر عتيقة، وحلقات وبراغي وكوم مسامير، ثاني صندوق، كتب ودفاتر عتيقة من الخمسينات، وثالث صندوق، ثالث صندوق كان كنزاً أو طرف الخيط، فيه صورها وهي صغيرة، وهي صبية، وهي كبيرة، وهي مع العنزة على الصخرة وأمام الكنيسة مع القسيس وزوجته ايفون ومع أمها بعدة أوضاع، تحت العريش، في المطبخ، تحت سور القدس، تحت الأقواس، وعلى ظهر جمل مع السواح في أعلى قمة الزيتون، والأقصى يلوح من الخلفية ثم القباب النحاسية للجسمانية"(41).  
   إن مثل هذه الصور للمكان تتكرر في أكثر من موقف داخل النص، فمثل هذه الصور تمثل صورة هندسية للبيت ومكوناته، فيواجهنا السارد بتفصيلات دقيقة عن المكان ومحتوياته، مما يعني أن المكان في هذه الرواية ليس إطاراً محايداً، بل يحمل دلالات سياسية إضافة إلى دلالته الدينية والاجتماعية، حين يعرفه تعريفاً اجتماعياً ودينياً.
      إن الخطاب في هذه الرواية يشخص مكاناً مخصوصاً له أصوله وتاريخه وعاداته وتقاليده، وحياته الخاصة. والنص عند حديثه عن المكان –كما هو واضح من الفقرة السابقة- يعطيه اسماً حقيقياً ليعطي النص مصداقية الأخبار التي ينقلها، وصدق سرد الأحداث، وبالتالي بصحة ما يقال. ولقد عمق هذا التوثيق والمصداقية للأخبار، ذكر أسماء الأماكن المشهورة (الصخرة، الكنيسة، سور القدس، الأقواس، قمة الزيتون، القبة النحاسية)، فمثل هذه الأسماء للأماكن تحمل عند ذكرها شحنات شعورية إضافة إلى دلالتها التاريخية.
      إن مثل هذا الوصف العام للمكان يستغله النص ليداخل بين الفردي الخاص مع العام المشترك، فصورة مريم (مع أمها تحت العريشة، في المطبخ، تحت سور القدس، تحت الأقواس، ........) هذا يعني أن هناك تداخلاً بين الزمن الفردي الشخصي والمكان التاريخي المطلق. ويكتسب التضاد في هذه الصورة المرسومة للمكان، العلو والانخفاض (تحت العريشة، أعلى قمة الزيتون) دلالات خاصة، تذكرنا بالنتائج التي توصل إليها (يوري لوتمان) من خلال دراسته للأنساق المكانية في أشعار (تيوتشيف) والتي تشكل فيها نسق مميز لتنظيم العالم وهو يتجه اتجاهاً عمودياً فالعلو يتطابق مع الروحانية وبالمقابل الانخفاض يتقابل مع المادية(42).
     إن مثل هذه العلاقات التي يصنعها النص بين المكان والشخصيات، أحدثت مفهوماً جديداً للمكان متجاوزاً (ديكورية) المكان، أو اعتباره جغرافياً تجري فيها الأحداث، بل أصبح يمثل عنصراً جوهرياً من أحداث النص الروائي، فتحول إلى كائن سياسي تاريخي.

 

نتائج البحث:

 

     هذه رواية القدس المدينة التي تقترب من الأفول وهي تتعرض في كل يوم لحالة من التهويد وتغيير الهوية، يقضمها العدو الصهيوني قليلاً قليلاً، وهي تنزف (عروبتها وإسلاميتها). إنها القدس وعد النور والنار، هذه المدينة التي تغمض عينها على رموز الديانات بكل مفارقاتها، لكنها تبقى وحيدة النزف تحمل صولجان القداسة. إنها المدينة الجليلة التي لا يتنازل عنها أحد ولا يفرط بها أحد، تعانق عمر وصلاح الدين وهي تنشد أغنية النصر لفارس الشمس الطالع من لحم الغيم، تحمل بداخلها الأصالة، ترغم المحتل على قراءة هويتها العربية والإسلامية، ترصد هذه الرواية مدينة القدس وهي تنظر إلى الجسد العربي الطافح بالطعنات، وترصد كذلك حالة شعب يقاوم، اختار رسائله من الحجارة، فهذا الفلسطيني ممثلاً بسكينة وجميلة وتوفيق، يتقدم رافعاً هامته عالياً وقد امتلأت عيونه بالصخرة والأقصى ورفات الشهداء، ويخترع أبجدية جديدة لمن يقتاتون اللحم البشري. ترصد الفلسطيني وهو يدور من غربة إلى غربة، ومن ضياع إلى ضياع يتجسد بداخله حب من نار لمدينته المقدسة أرض الإسراء والمعراج، إنها رواية القدس المدينة التي ربطت الأرض بالسماء، ترصد الحالة الفلسطينية بكاملها التي لا بد لها أن تنتصر، ففلسطين لم تبخل يوماً بفلذات أكبادها على تاريخها ومستقبلها.
     وقد خرج البحث بالنتائج التالية:
1. برز مفهوم التاريخ لدى الكاتبة سحر خليفة في هذه الرواية، على أنه إبراز للحقيقة دون تهميش أو تزوير، ومساءلة لما جرى وما يجري، دون حذف أو إضافة، مما أعطى عملية التأريخ داخل النص الروائي الموضوعية الكاملة دون المساس بعملية الإبداع.
2. ركز النص على تفاصيل التاريخ وجزئياته الدقيقة مبتعداً عن الكليات المجردة، ومحتفياً بالتفاصيل مع إعطاء كثير من الأحداث بعداً إنسانياً.
3. رصد النص في كثير من المواضع، الوعي الجماعي الفلسطيني الذي ساد بعد عام 1967م، وأرخ كذلك لبدء وعي جديد مع انطلاق الانتفاضة الأولى عام 1987م.
4. عبر الحوار داخل النص عن وعي بالظروف الاجتماعية والتاريخية التي تحكم العلاقة بين أفراد المجتمع الفلسطيني.
5. أبرز النص على أن إشكالية البطل في هذه الرواية هي إشكالية تاريخية، فعمل النص على إقامة نوع من الصراع بين الشخصيات جسد من خلاله تاريخية القدس.
6. عملت الكاتبة على الموازاة بين الحالة النفسانية والوجدانية لشخصياتها، وبين عملية التأريخ من خلال الحوار والسرد، واستغلت هذه الشخصيات لتجعل منها وسيلة تنظم الفضاء الأيديولوجي.
7. برز في هذه الرواية الانسجام الكامل بين الشخصية وزمانها ومكانها، بحيث ظهرت على أنها ملتصقة بالمكان ومنتمية للزمان، أشد الالتصاق وأقوى الانتماء، فإبراهيم حين غادر أرض الوطن كان خروجه مؤقتاً في انتظار العودة.
8. لم يكن الزمان والمكان داخل النص إطاراً محايداً، بل يحمل دلالة سياسية، إضافة إلى دلالته الدينية والاجتماعية، فلم يتعامل السارد مع الزمان أو المكان على أنه مجرد فضاء تتحرك فيه مجموعة محددة من الشخصيات، في فترة زمنية محددة، بل كان يتعامل معهما تعامل الموثق والطوبغرافي.
9. استخدمت الكاتبة لغة تتناسب مع الشخصيات ومواقفهم، فقد صاغ النص مجموع المعادلات النفسية والفكرية والفنية بلغة فصيحة مستعيناً ببعض المفردات الاجتماعية من الحياة اليومية، والتي كانت تظهر على شكل تناصات لغوية سردية في الحوار.

 


هوامش البحث ومراجعه:

 

1. عن، فيصل دراج، الرواية وتأويل التاريخ، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، ط1، 2004م، صـ:9.
2. المرجع نفسه، صـ:132.
3.  عن، محمد غنيمي هلال، النقد الأدبي الحديث، دار العودة، بيروت، 1987م، صـ:56.
 سحر خليفة واحدة من أهم الروائيين الفلسطينيين، ولدت في نابلس، وأصبحت معروفة في مدينتها بسبب موقفها من موضوع تحرير المرأة، تزوجت في سن مبكرة زواجاً تقليدياً، وبعد مرور ثلاثة عشر عاماً من الإحباط وخيبة الأمل قررت أن تتحرر من هذا الزواج وتكرس حياتها للكتابة، حصلت على شهادة الدكتوراه من جامعة (أيوا) في موضوعي (دراسات المرأة) و (الأدب الأمريكي) تعمل الآن مديرة لمركز شؤون المرأة والأسرة في نابلس، ترجمت بعض أعمالها إلى اللغات الأخرى وخاصة رواية (الصبار 1976م).
عن سلمى الخضراء الجيوش، موسوعة الأدب الفلسطيني المعاصر، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، صـ:229.
4. سحر خليفة، رواية (صورة وأيقونة وعهد قديم)، دار الآداب، بيروت، ط1، 2002م، صـ:5.
5. الرواية، صـ:6.
6. الرواية، صـ:11.
7. الرواية، صـ:15.
8. الرواية، صـ:58.
9. الرواية، صـ:13.
10. الرواية، صـ:14.
11. الرواية، صـ:15.
12. الرواية، صـ:15.
13. جون هالبرت، نظرية الرواية، ترجمة محي الدين صبحي، وزارة الثقافة والارشاد القومي، دمشق، 1981م، صـ:309.
14. الرواية، صـ:46.
15. الرواية، صـ:87.
16. الرواية، صـ:89.
17. الرواية، صـ:90.
18. الرواية، صـ:97-98.
19. الرواية، صـ:99-100.
20. الرواية، صـ:115-117.
21. الرواية، صـ:112.
22. الرواية، صـ:141.
23. الرواية، صـ:157.
24. الرواية، صـ:157.
25. الرواية، صـ:181.
26. الرواية، صـ:198.
27. الرواية، صـ:202-203.
28. الرواية، صـ:208-209.
29. الرواية، صـ:209.
30. الرواية، صـ:219.
31. الرواية، صـ:224.
32. الرواية، صـ:233.
33. الرواية، صـ:236.
34. نصر حامد أبو زيد، دوائر الخوف، المركز الثقافي العربي، ط2، 2004م، صـ:77.
35. الياس خوري، تجربة البحث عن أفق، منشورات مراكز أبحاث منظمة التحرير الفلسطينية، بيروت، 1974م، صـ:47.
36. فيصل دراج، الرواية وتأويل التاريخ، صـ:267.
37. الرواية، صـ:15،14.
38. الرواية، صـ:96.
39. الرواية، صـ:166.
40. الرواية، صـ:200.
41. الرواية، صـ:166-167.
42. يوري لوتمان، مشكلة المكان الفني، ترجمة سيزا قاسم دراز، عيون المقالات، ط ح، دت، صـ:42.

                                                                               

* شكرٌ خاص للقائمين على المؤتمر الدوليّ لنصرة القدس الأول الذي انعقد في كلّ من القدس المحتلة وغزة وبيروت في الفترة 6-7 حزيران 2007م حيث قًدّم هذا البحث في الجلسة الثانية من المؤتمر والذي تناول المحور الإعلامي لقضيّة القدس.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

في مواجهة تهويد القدس!

التالي

القدس في الدراسات الإعلامية والفكرية

مقالات متعلّقة

تغول الاستيطان الإسرائيلي بين الدعم الأمريكي والمواقف العاجزة

 الخميس 12 كانون الأول 2019 - 5:34 م

تعرّف على الخطوات الأمريكية، وكيف كان الرد الشعبي عليها؟

 الثلاثاء 10 كانون الأول 2019 - 2:26 م

الفصل الثالث| عين على الأقصى 2019

 الإثنين 9 كانون الأول 2019 - 3:46 م

تخريب أفق القدس

 الأربعاء 4 كانون الأول 2019 - 3:52 م

الفصل الثاني| عين على الأقصى 2019

 السبت 30 تشرين الثاني 2019 - 4:35 م

الفصل الأول| عين على الأقصى 2019

 الإثنين 25 تشرين الثاني 2019 - 1:27 م

شذرات من الحركة العلمية في القدس إبان العصور الإسلامية

 الخميس 14 تشرين الثاني 2019 - 3:09 م

الأونروا في شرق القدس

 الأربعاء 13 تشرين الثاني 2019 - 5:10 م

 

للاطلاع على أرشيف إصدارات المؤسسة، اضغط هنا 

براءة درزي

بأيدينا نعيد القدس!

الخميس 5 كانون الأول 2019 - 1:22 م

ترزح القدس اليوم تحت الاحتلال الإسرائيلي الذي يعمل على أن يزوّر تاريخ المدينة، وإعادة صياغة حاضرها، ليكون مستقبلها متوافقًا مع روايته، التي تلغي وجودًا عربيًا وإسلاميًا ضاربًا في عمق التاريخ، مستندة إ… تتمة »

براءة درزي

بلال وبهاء.. السّابقون على طريق الأقصى

الأحد 13 تشرين الأول 2019 - 12:11 م

 لم يكن العرس الفلسطيني الذي خرج الشابان بلال أبو غانم وبهاء عليان لعزف أنغام أهازيجه كأيّ عرس آخر. فبعد أسبوعين من انطلاق انتفاضة القدس، امتشق بلال وبهاء سكينًا ومسدسًا وأخبر كلٌ منهما والدته أنّه ذا… تتمة »