حربٌ بمواصفات مستحدثة لكنها قديمة

تاريخ الإضافة السبت 13 أيلول 2008 - 10:37 م    عدد الزيارات 3548    التعليقات 0     القسم

        



انتصرت بريطانيا على الصين بما عُرِف بـ(حرب الأفيون) والتي دفعت الصين بموجبها تعويضات كبيرة لبريطانيا وتنازلت عن هونغ كونغ، مما أدّى لغزو القوى الغربية الكبرى للصين واحدة تلو الأخرى.

 

والآن إنّنا نرى وطناً وقدساً محاصراً بالجدار، العنصري والاستيطانيّ، وهدم وقصف وقتل، وتلويث للبيئة، وإحداث الشرخ، والفتنة بين الأشقاء وبقايا وطن مغتصب، واستكمالا لسلب الإرادة، نخوض مع الاحتلال "حرب الأفيون" بتعزيز تفشي المخدرات بين أفراد المجتمع الفلسطيني عموماً والمقدسيّ خصوصاً، حرب قذرة من نوع آخر يشنها الاحتلال ضد الفلسطينيين لتستهدف أهم شيء على هذه الأرض ألا وهو الإنسان أغلى ما نملك، في محاولة لتحطيمه وتدميره ليكون هو والأرض لقمة سائغة، فلا مقاومة، ولا عقل يفكر، ولا مجتمع حضاري يبني ويتقدم.

 

وملامح هذه الحرب تتّضح في عدة جوانب أبرزها الإحصائيات والأرقام المذهلة حول هذه الظاهرة؛ فحسب كلٍّ من الهيئة الوطنية لمكافحة الآفات الاجتماعية في القدس و"دائرة الإحصاء المركزي ومؤسسات المجتمع المدني والجامعات"، هنالك ما بين 60-80 ألف "متعاطي" في الضفة الغربية وقطاع غزة، بينهم 15 ألف متعاطي في مدينة القدس، و10000 مدمن على صعيد الضفة والقدس.

 

وبلغت نسبة المدمنين العرب إلى المدمنين في فلسطين المحتلة عام 1948، 29%. مع العلم أنّ نسبة السكان العرب إلى اليهود تساوي 18%.

 

وحسب الجهات المختصة فإنّ ظاهرة الإدمان والتعاطي في ازدياد مستمر، وتتركز بين الشباب الذين يشكّلون 55% من المجتمع الفلسطيني، وأكبر بؤرة لهذا النشاط والتأثير هو مدينة القدس.

 

من هذه الأرقام يقفز للأذهان مباشرة فكرة استهداف أبناء القدس بهذا الوباء، وهو بالفعل الواقع على الأرض، وإلى جانب عزل القدس ومحاولات طرد سكانها وتهويدها والحفريات تحت المسجد الأقصى، يستهدف الاحتلال المجتمع وأهمّ ركائزه وهم الشباب أمل المستقبل وبناته، في محاولة لإفسادهم وجعلهم شكلاً بلا مضمون واسماً دون فعل.

 

والمشكلة -ناهيك عن الناحية الأخلاقية والدينية للموضوع وبعدها الاجتماعي- لها بعد آخر سياسي، فعندما يكثر المدمنون سيحتاجون لمبالغ مالية ضخمة، وليس لهم إلا البيوت والأراضي ليسدّوا حاجتهم هذه؛ فيبيعون أراضيهم ويعملون في أعمال تمس بالقضية والثوابت الدينية والوطنية وبيع وطنيتهم للاحتلال، مما يجعل المخدرات مشكلة تنخر في عمق المجتمع الفلسطيني، وصنفاً جديداً من حرب الاحتلال وسياساته المبرمجة بمساندة ضعاف النفوس.

 

وكما روى العديد من أهل القدس ومن خلال الاطّلاع على بعض الدراسات والتقارير للجمعيات المختصة يتضح أنّ الاحتلال يقوم بدفع أموال لمدمنين مقابل إثبات إدمانهم المخدرات في الأحياء العربية في القدس، كما أنّه يسمح بمرور المخدرات عبر الحواجز ونقاط التفتيش ويغضّ النظر عن مروّجيها بين الشباب الفلسطيني.

 

فهناك ما يكملها من عوامل إفساد المجتمع ومحاولة تحطيم بنيته الاجتماعية، كما صنع المستعمرون والمحتلون عبر تاريخهم من تجهيل للشعوب وضرب قيمها الاجتماعية وتحطيم معنوياتها وطمس عنصر العزة والكرامة في نفوسها، إضافةً لسحب إرادتها عن قرارها السيادي واستقلالها الاقتصادي.

 

وعلى الرغم من ذلك، وأمام كلّ محاولات التحطيم للإنسان الفلسطيني، يتصدّى هذا الشعب لبطش الاحتلال بجسده العاري، مسطراً ملحمة صمود وثبات أمام محاولات تجهيله وتدمير أبنائه وطمس هويته وتراثه.

 

ومن الضروري أنْ يواجَه هذا الصمود بوقفة مساندة ودعمٍ من المسؤولين والمؤسسات والهيئات المختلفة، وإعطاء هذا الأمر أهمية خاصة توزاي الاهتمام بالدفاع عن الأرض والمقدسات.

 

هذا الدور وجدنا شيئاً منه لدى مؤسسات وجمعيات تشكر عليه، إلا أنّنا ندعو إلى مزيدٍ من مضاعفة الجهد والاهتمام في هذا الجانب لما يشهده من تقصير. فكما أنّ "الأقصى في خطر" فإنّ "شباب القدس في خطر.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

لقد طفح الكيل.. فكفاكم إهمالاً للقدس!!

التالي

اعبُرْ إلى الأَقصى.. على جَسدي

مقالات متعلّقة

علي ابراهيم

نفش العهن في الحديث عن صفقة القرن

السبت 1 شباط 2020 - 2:17 م

 وممّا أورده المؤرخ الكبير أبو الفضل محمد بن النهروان من الأحداث التي جرت في منطقتنا العربية، في العقد الأول من الألفية الثالثة، تلك الخطة الأمريكية التي أرادت إنهاء القضية الفلسطينية، وروجت لها على أ… تتمة »

براءة درزي

عن "إقامة الصلاة" في باب الرحمة..

الثلاثاء 14 كانون الثاني 2020 - 4:24 م

حملة محمومة من الاعتداءات شنّها الاحتلال منذ مطلع عام 2020 في باب الرحمة: اقتحام للمصلى، واعتداءات على المصلين بالضرب والسّحل، واعتقالات بالجملة، وقرارات بالإبعاد؛ وذلك في سياق متّصل باعتداءاته التي ب… تتمة »