للبيع في العاصمة: حي فخم بسعر بخس..

تاريخ الإضافة الإثنين 26 أيار 2008 - 9:36 ص    عدد الزيارات 3826    التعليقات 0     القسم

        



لقد بشّرت عناوين الصحف هذا الأسبوع أنّه من الممكن أن يضطر إيهود أولمرت إلى التنازل عن منزله في شارع بلفور في الفترة القريبة بسبب التحقيق الخطير الذي يجري ضده. ولكن المصائب من الممكن أنْ تأتي من جهة أخرى. فصاحب البيت، أو صاحب الأرض، على وجه الدقة، التي يقوم عليها البيت من الممكن أنْ يطالب بإخلاء الأرض بسبب مشاكل في الورثة: بعض الورثة من أصحاب الأرض يريدون تغيير شروط الاستئجار.

 

يدّعي أصحاب الأرض التي يقوم عليها منزل رئيس الحكومة؛ الكنيسة اليونانية الأرثوذوكسية. وفي الواقع فإنّ كل الحي يعود لها: 520 دونماً في أحياء "رحافيا" و"طالبية"، في وسط غربي القدس. مقر الرئيس ومقر "الحاخامية الرئيسية" ومبنى الكنيست، ومئات البيوت السكنية تقوم على هذه الأرض التي لا تقدّر بثمن، والتي تشير تقديرات إلى أنها تصل، بدون المباني، إلى أكثر من نصف مليارد دولار.

 

تقع الأرض الآن تحت تصرف "الصندوق الدائم لإسرائيل" و"دائرة أراضي إسرائيل"، ولكن الحديث هو عن ملكية مؤقتة: فقد قامت الكنيسة اليونانية بتضمين/تحكير الأرض، 520 دونماً، لـ"الصندوق الدائم لإسرائيل" في العام 1951 لمدة تصل إلى 99 عاماً. وفي حينه، وبعد قيام الدولة كانت هذه الفترة تعتبر أبدية. في هذه الأثناء كبرت الدولة، وبعد 42 عاماً سوف تضطر إلى إعادة الأرض للكنيسة. ومجرّد التفكير بأنّ الرهبان الذين يجلسون في الساحات الحجرية في داخل الكنيسة اليونانية في الحي المسيحي في البلدة العتيقة هم من سيقرّر مصير الأرض التي تقوم عليها الكنيست، يجعل فرائص كثيرين في السلطة الإسرائيلية ترتعد.

 

حساء بدون عدس

الخوف على مصير الأراضي قد أدّى إلى قضية مظلمة في السابق. ففي سنة 2000 أعطى "الصندوق الدائم لإسرائيل" 20 مليون دولار لاثنين من رجال الأعمال المتدينين (الحريديين) اللذيْن تعهّدا، بواسطة علاقاتهما، بإقناع البطريرك اليوناني، رئيس الكنيسة، بالموافقة على تمديد اتفاقية الضمان/ التحكير مع "الصندوق الدائم لإسرائيل" لمدة 999 سنة أخرى. وقد تم دفع المبلغ بشكل نقدي، لأن البطريرك في حينه، ثيودوروس، لم يحبْ الشيكات أو بطاقات الاعتماد، إلا أنّ الصفقة كانت مربحة. 20 مليون دولار مقابل مساحة تصل قيمتها إلى أكثر من ذلك بـ20-30 ضعفاً. أو "حساء عدس" مثلما قال مصدر قضائي خبير بهذا المجال.

 

وتكللت مهمة الثنائي الحريدي -يعكوف رابينوفيتش ودافيد موغنشطيرن- في داخل البطريركية بالنجاح. فقد عادا ومعهما اتفاقية موقعة. إلا أنّه تبيّن في حينه أنّ التواقيع كانت مزوّرة. وقبل شهور معدودة، وبعد محاكمة طويلة، تمّت إدانة الاثنين بالحصول على شيء عن طريق الخداع، واستخدام وثائق مزورة. وحتى الآن لم يتّضحْ أين اختفى مبلغ 20 مليون دولار الذي قدّم لهما من "الصندوق الدائم لإسرائيل".

 

وبالرغم من التزييف، فإنّ الصفقة ترفض أنْ تموت: ففي الأشهر الأخيرة دبّت فيها الحياة مجدّداً، وذلك بفضل البطريرك الجديد، ثيوفيلوس، والذي تمّت المصادقة على تعيينه من قبل الحكومة فقط قبل شهور معدودة. وفي الأسبوع الماضي عرضت صفقة آخذة بالتبلور في "الصندوق الدائم لإسرائيل" على لجنة أقامها "السينودوس"، الهيئة التي يجتمع فيها كبار المسؤولين الكنسيّين، وتعتبر بمثابة إدارة للبطريركية. وعندها ثارت العاصفة. فقد اتضح لأعضاء السينودوس أنّ البطريرك ورجاله يوافقون على أنْ تدفع دولة إسرائيل لهم مقابل مئات الدونمات تلك في مركز القدس فقط 9 مليون دولار، أي حساء بدون عدس.

 

ويقول مقرّب من البطريرك ثيوفيلوس إنّ محامي البطريركية شرحوا الصفقة، وحضر اللقاء محامي "الصندوق الدائم لإسرائيل" أيضاً. وقال: "بدأ أحد المطارنة بالصراخ: هذه المساحة تساوي قيمتها مليارد دولار، وهناك مئات المباني، فماذا تبيعونه بـ9 مليون دولار". وعندها قال ممثل "الصندوق الدائم لإسرائيل": قل لي ماذا تريد؟ هل تريد أنْ نخلي كافة الساكنين في رحافيا؟، فأجاب: "إذا كان هناك حاجة فلتفعلوا ذلك، فهذه أملاكنا".

 

رجال ثيوفيلوس على قناعة بأنّ هناك خلفية سياسية لهذا الهجوم. وبحسبهم فإنّ الكنيسة اليونانية تمرّ في السنوات الأخيرة بعملية "فلسطنة" متسارعة. من الممكن فهم ذلك، ففي نهاية المطاف فإنّ الكنيسة موجودة في وضعٍ خاص؛ ففي حين أنّ كافة أتباعها في إسرائيل والسلطة الفلسطينية والأردن هم عرب، فإنّ المطارنة الكبار هم يونانيون، وهذا التناقض هو سبب نشوء التوتر القائم. وحقيقة أنّ البطاركة اليونانيين قاموا ببيع أراضي الكنيسة لدولة إسرائيل ورجال أعمال يهود أو جمعيات يهودية تزيد من هذا التوتر. وهذا التوتر الحاصل هو الذي أدّى إلى سقوط البطريرك السابقة إيرينيوس بعد أنْ تبيّن أنّه عن طريق توكيلٍ منه تمّ بيع 3 فنادق في القدس لجمعية "عطيرت كوهانيم" في العام 2005، وتم عزله في أعقاب ذلك، وتمّ تعيين ثيوفيلوس مكانه.

 

ورفضت إسرائيل لمدة 3 سنوات الاعتراف بهذا الاختيار، واشترطت موافقتها بأنْ يلتزم ثيوفيلوس ببيع أملاكٍ لدولة إسرائيل بشكل عام، ولليهود بشكل خاص. ورفض ثيوفيلوس التوقيع على التزام كهذا، إلا أنّه أوضح، من وراء الكواليس لكلّ من أراد أنْ يسمع في إسرائيل، بأنّه سيكون هناك فصل واضح: لن يوافق على بيع إسرائيل أو اليهود أملاكاً وراء الخط الأخضر، ولكن لا يوجد أي مشكلة في بيع أملاك داخل الخط الأخضر. في "رحافيا" على سبيل المثال. وكان ذلك أحد أسباب التي جعلت الحكومة تعترف به أخيراً كبطريرك قانوني في كانون الأول/ ديسمبر 2007.

 

ويدّعي رجال الكنيسة، المعارضين لهذه الصفقة الجديدة، أنّ تبريراتهم موضوعية: الأرض المذكورة تصل قيمتها مبالغ طائلة، ولا يوجد سبب للتنازل عنها مقابل مبلغ صغير جداً.

 

يقول إلياس خوري، وهو محام معروف ومن رجالات الطائفة اليونانية الأرثوذوكسية، إنّه يطلب الشفافية في نهاية الأمر. ويقول: "تحدّثت مع مخمّنين، وهم يقولون إنّ الأرض وحدها تصل قيمتها إلى 600 مليون دولار، بدون المباني".

 

وتقول مصادر مقربة من المطارنة، والذين يعارضون الصفقة، إنّهم على استعداد لتقديم الأرض التي تقوم عليها الكنيست كهدية لإسرائيل، ولكنّهم لن يتنازلوا عن مبلغ منصفٍ مقابل باقي المساحة. وبحسب ادعائهم فإنّ الصفقة المريحة التي عرضت على السينودوس هي الدفعة التي يدفعها ثيوفيلوس مقابل اعتراف حكومة إسرائيل. ويرفض المقربون من ثيوفيلوس هذه الادعاءات. ويقولون: "نحن ننتظر أنْ يتمّ الحديث عن ذلك علانية، حتى نستطيع أنْ نتقدم بشكوى "تشهير" ضدّ من يتفوّه بذلك. ولكن لا يمكن إنكار حقيقة أنّ هناك اتصالات قد بدأت بين جهاتٍ مقربة من ثيوفيلوس وبين الدولة بشأن صفقة "رحافيا" قبل أنْ يحصل البطريرك الجديد على الاعتراف الرسمي.

 

وبحسب أحد المقرّبين من البطريرك، فإنّ "المعارضين يستمدّون قوتهم من السلطة الفلسطينية". وبحسبه فإنّه بعد علمٍ بأمر الصفقة الآخذة بالتبلور، فإنّ حكومة الأردن والسلطة الفلسطينية طلبتا توضيحات من البطريرك.

 

المحامي خوري، الذي يعتبر مقرّباً من السلطة الفلسطينية وكان على رأس لجنة تحقيق من قبلها، والتي قامت بتبرئة البطريرك السابق من المسؤولية عن بيع الفنادق في باب الخليل، ينفي ذلك. ويقول: "صحيح أنّ السلطة تعارض بيع أملاك الكنيسة وراء الخط الأخضر، وخاصةً في القدس، لإسرائيل أو جهات يهودية، ولكن حسبما هو معروف لي، وللسلطة الفلسطينية وللأردنيين أيضاً، لا يوجد أي معارضة لصفقات قامت بها الكنيسة اليونانية، أو ستقوم بها، في داخل الخط الأخضر. وخير دليل على ذلك حقيقة أنّ ممثل الكنيسة في الأردن قد امتدح هذه الصفقة. وهو لم يكنْ ليفعل ذلك بدون مصادقة السلطات".

 

قبل أن ينفجر كل شيء

لم تفهمْ جهات معارضة في الكنيسة لماذا يجب إبرام هذه الصفقة بسرعة؛ فثيوفيلوس قد بدأ يمارس مهام منصبه منذ شهور معدودة، في حين أنّ اتفاقية الضمان/التحكير سوف تنتهي بعد 42 عاماً، وليس صباح الغد. وبحسب أحد المقربين من ثيوفيلوس هناك تبرير لذلك. فيقول إنّه بالرغم من إدانة "الحريديين" باستخدام وثائق مزورة، فإنّ الكنيسة تعلم أنّهما لم يكونا لوحدهما، وأنّه كان لهما شركاء في داخل البطريركية. فيتساءل مشيراً إلى ثيودوروس هو كما يبدو من وقّع على الوثائق المزورة: "هل تعتقد أنّ 15 رجلاً قد صعدوا إلى البطريرك ظهر يوم الجمعة، ولم يعلمْ أو يسمع أحد في البطريركية بذلك".

 

هناك ما يسند هذه الأقوال في قرارات قاضي المحكمة المركزية، موشي غال، الذي أدان رابينوفيتش ومورغنشطاين. ورغم أنّ البطريركية هي من قدّم الشكوى الأولية، إلا أنّها ليست نظيفة اليدين، حيث كتب القاضي أنّ "الخشية من إمكانية الرشوة من جانب البطريركية، وحتى من جانب البطريرك نفسه، يؤخذ بالحسبان كل الوقت.. لا يمكن نفي تورّط عناصر من داخل البطريركية بتزوير وثائق". ويقول مقربون من ثيوفيلوس إنّ "رابينوفيتش ومورغنشطاين ليسا أحمقين، وفي حال تعرّضا للضغط فسوف يتحدّثان عن كلّ شيء، ويقدّمان أشرطة تسجيل لرهبان يتلقون أموالاً.. وربما يكون هذا هو هدف معارضي الصفقة الجديدة في داخل البطريركية. فهم يريدون تفجير كلّ شيء.. صفقة جديدة من الممكن أنْ تمنع الكشف عن هذا الماضي البغيض".

 

وبشكلٍ موازٍ للإجراءات الجنائية فهناك إجراءات مدنية،  حيث تطلب البطريركية محو التسجيل في دائرة تسجيل الأراضي –الطابو- لصالح "الصندوق الدائم لإسرائيل"، وذلك استناداً إلى وثائق الصفقة التي توصل إليها رابينوفيتش ومورغنشطاين. وبشكلٍ مثير للغرابة، وبالرغم من الإجراءات الجنائية التي تقرّر فيها أنّ الحديث هو عن وثائق مزورة، فإنّ "الصندوق الدائم لإسرائيل" يدّعي في إجراءات مدنية أنّ الصفقة سارية المفعول، وأنّه يجب إبقاء التسجيل في الطابو على ما هو عليه. وفي حال اتّضح أنّ هناك عناصر مسؤولة في البطريركية قد تعاونت في الصفقة المزورة، فمِنَ الممكن أنْ توافق المحكمة على ادعاءات "الصندوق الدائم لإسرائيل"، وعندها ستصبح الكنيسة بدون أراضٍ وبدون أموال أيضاً. الأمر الذي يدفع عناصر ثيوفيلوس إلى تأييد التوقيع على الصفقة الآن، حتى لو بثمن بخس.

 

ويقول المحامي خوري إنّ هذه التبريرات غير جدية. وهو لا يعتقد أنّه من الممكن أنْ توافق المحكمة على المصادقة على الصفقة بعد أنْ أثبتت محكمة أخرى أنّها قد استندت إلى وثائق مزورة. ويقول: "لا تستطيع الدولة أنْ تحاكم أناساً لكونهم زوّروا وثائق، من جهة، ومن جهة أخرى أنْ تدّعي بأنّ هذه الصفقة قانونية".

 

ويقول مقرّبون من ثيوفيلوس إنّهم على قناعة بأنّه ستتمّ المصادقة على الصفقة في نهاية المطاف. وهو يملك الآن أغلبيةً في السينودوس، وتنقصه بعد "الاستكمالات الفنية". وحتى الثمن، 9 مليون دولار، يعرض بطريقة مشوهة، كما يقولون. ويضيفون أنّه "يُضاف إلى هذا المبلغ مبلغ آخر سوف تدفعه الدولة إلى البطريركية عبر السنين، وسيكون كلّ شيء مكشوفاً، بحيث يرى الجميع أنّ الصفقة جيدة". أمّا معارضو الصفقة فيقولون إنّه من غير المؤكد أن تمر هذه الصفقة بسهولة.

 

ومن جهتهم، فإنّ "دائرة أراضي إسرائيل" و"الصندوق الدائم لإسرائيل" قرّرا عدم التعليق على الصفقة الآخذة بالتبلور. وبشكلٍ رسمي قالوا إنّهم ليسوا على علم بوجود صفقة جديدة. وبشكل غير رسمي قالوا إنّ أيّ نشرٍ حول هذا الموضوع قد "يساعد العرب". ولكنْ ليس من المؤكد أنّ الدولة وحدها متورطة في هذه الصفقة. فلدى محاكمة رابينوفيتش ومورغنشطاين تبين بشكلٍ واضح أنّ هناك رجال أعمالٍ قد اهتمّوا بصفقة "رحافيا". فمن يحصل على 520 دونماً في مركز القدس مقابل 9 مليون دولار يكون قد أبرم صفقة جيدة حقاً..

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

من خاصرة القدس ولدت مؤسسة الأقصى لإعمار المقدسات الإسلامية لتضميد بعضٍ من جراحاتها

التالي

الأقصى.. ليس للأقصى!

مقالات متعلّقة

براءة درزي

بأيدينا نعيد القدس!

الخميس 5 كانون الأول 2019 - 1:22 م

ترزح القدس اليوم تحت الاحتلال الإسرائيلي الذي يعمل على أن يزوّر تاريخ المدينة، وإعادة صياغة حاضرها، ليكون مستقبلها متوافقًا مع روايته، التي تلغي وجودًا عربيًا وإسلاميًا ضاربًا في عمق التاريخ، مستندة إ… تتمة »

براءة درزي

بلال وبهاء.. السّابقون على طريق الأقصى

الأحد 13 تشرين الأول 2019 - 12:11 م

 لم يكن العرس الفلسطيني الذي خرج الشابان بلال أبو غانم وبهاء عليان لعزف أنغام أهازيجه كأيّ عرس آخر. فبعد أسبوعين من انطلاق انتفاضة القدس، امتشق بلال وبهاء سكينًا ومسدسًا وأخبر كلٌ منهما والدته أنّه ذا… تتمة »