لتذهب الكراسي والعروش ويبقى الأقصى

تاريخ الإضافة الأربعاء 24 تشرين الأول 2007 - 8:03 م    عدد الزيارات 3076    التعليقات 0

        

إنّه لمِنَ الملفت للنّظر أنّ العشرات وربّما المئات من الحكّام الذين رحلوا بكراسيهم وعروشهم، بغضّ النّظر عن خدمتهم للأقصى أو إهمالهم، ولكنّ الموقف الذي يسجّل لبعضهم، هو التضحية بهذا الكرسيّ، ورفض المساومة على الأقصى بأيّ شكلٍ ولا ثمن, وكان من أبرزهم السّلطان العثماني عبد الحميد رحمة الله عليه.


أخي القارئ، أختي القارئة، أدعوكم بهذه الحلقة إلى التّعرّف على فترة ليست بالقصيرة بل جاوزت الأربعمائة عام، سجّل فيها آل عثمان أعظم دور في خدمة الأقصى المبارك، وإنْ لم يكن لهم دور بارز في العمارة ولكن تكفي الصيانة وتكفي الأسوار المنيعة التي شيّدت من أجل الحفاظ على الأقصى، ويكفي الماء والسّبل التي وفرت للنّاس من أجل عمارة الأقصى ومع ذلك فهناك إصلاحات عديدة دلّت على اهتمام بالغ ولم ينقطع.


فها هو السلطان سليمان القانوني (969هـ،1561م) قد رمّم معظم المسجد وخاصّة الجهة الجنوبيّة منه، وبعد ذلك أكمل العمل السّلطان محمود الثّاني (1223هـ،1817م)، والسّلطان عبد المجيد وعبد العزيز, ثمّ جاء الدّور البطولي للسّلطان عبد الحميد الثّاني (1293هـ، 1876م) ، والّذي رفض بأي شكل من الأشكال أن يفاوض على وطنٍ قوميّ لليهود في فلسطين لأنّه يعلم أنّ ذلك سيؤدّي إلى ضياع الأقصى والهويّة ممّا أدّى إلى تهديده بخلعه عن عرش الخلافة، ولكنّه كان صريحاً واضحاً في قولته "لنذهب نحن وكراسينا ويبقى الأقصى"، وقام السّلطان بفرش الأقصى بالسجّاد وجلب إليه الثريّات الثمينة، وكان دوماً يتفقّد الأقصى بالمصاحف والعمارة والنّظافة والاهتمام، وقد ذكرت أنّه أوّل من أعلن عن مسابقة خطيّة في الخط العربي، حيث دعا الخطاطين للاشتراك في تقديم نماذج من خطوطهم، فاختار منهم اثنين هما: محمد شفيق، وهذا الخطّاط هو الذي كتب سورة يس حول الصخرة بالخطّ الثلث، واختار عبد الله الزهري الذي قام بكتابة السورة نفسها في المسجد الحرام والمسجد النبوي.


ومن الواضح أنّ آل عثمان الأتراك قد حافظوا على الأقصى وبقيّة المعالم الأثرية في فلسطين بل وأنشأوا العديد من المعالم والمحاريب والقباب في ساحة الأقصى والتي سنتحدّث عنها في حينها بإذن الله.


ومن أعظم الأعمال التي قام بها المجلس الإسلاميّ الأعلى أنّه حينما رأى الخراب في المسجد حيث الأعمدة انحرفت عن موقعها الأصلي، حتّى أنّ القبّة التي هي أنفس شيء في المسجد لم يعُدْ إصلاحها سهلاً، وفوراً طلب من الأستاذ الشّهير المرحوم كمال الدّين بك أنْ يتولّى عمارة المسجد الأقصى، فلبّى الطّلب وقدِم من الأستانة في عام 1923، وقام الأستاذ كمال بتأليف لجنة من المهندسين، ووضعت التصميمات الدّقيقة لترميم الأقصى وتدعيم القبّة التي أصابها التلف بشكلٍ واضح، وتجديد نوافذ الجبس الملوّنة، وقد جمع لهذا العمل (94952) جنيهاً و(141) ملّيماً من أنحاء العالم العربي والإسلامي، وقد نجح المجلس الإسلامي بتنفيذ مشروعه الضّخم، وبينما كان المجلس جادّاً في تنفيذ برنامجه بالعمارة والإصلاح والتجديد وإذْ بالدّموع ثانية تصيب فلسطين والأقصى، فكان زلزال عام 1927م وذلك بعد إنجاز العمل بقليل، حيث قدّر الخبيرون وأهل الفنّ بأنّ الزلزال لو سبق عمارته لانْهار جميعه وأصبح الأقصى أثراً بعد عين لا سمح الله، وما هي إلا سنوات عجاف واضطراب وزلازل أخرى ضربت المنطقة فتصدّع المسجد وبدأ المجلس بإصلاحه سنة 1938م وانتهى سنة 1943.


وبعد هذه الفترة يقوم المجلس الإسلامي الأعلى بالقدس الشريف بتعميرات بدأت منذ عام 1938م وانتهت 1943م، وقد كتب عن هذه الفترة العديد من التقارير والكتب، وكان من أشهر الذين أرّخوا لهذه الفترة الأستاذ عارف العارف حيث ذكر في كتابه قوله "وتلخّصت أعمال الترميم بهذا الرّواق الشّرقي وإعادة بنائه من جديد، وإنّك لترى عندما تدنو من المسجد بين مدخله الرّئيسي والباب الكائن غربه بلاطة من المرمر نقشت عليها السطور التالية بماءمن الذهب (جدّد المجلس الإسلامي الأعلى القسم الشّرقي والرّواق الأوسط وواجهة الرّواق الشمالي للمسجد الأقصى المبارك، بإشراف إدارة الآثار العربيّة بمصر، وكان بدء العمل في سنة 1357هـ والفراغ منه 1362هـ، إلى آخر النّقش). ورغم قيام المجلس خلال هذه الفترة بمسح دموع الأقصى والعمل الجاد على أنْ يبقى الأقصى رمزاً للإيمان ومنبراً للتّوحيد ومعقلاً من معاقل الإسلام, إلاّ أنّ قنابل الكارثة والنكبة قنابل الحرق والدّمار "الإسرائيلي" تصيب أجزاء كبيرة منه أثناء حرب 1948م، ومن حسن حظّنا أنّ الأقصى لم يقعْ أسيراً في هذه الحرب وإنْ كانت بوّابات الأقصى "حيفا" و"يافا" و"أمّ الفحم" وغيرها كثير وأسواره الغربيّة قد أُسِرَت وأُغلِقت وانقطع ثلاثة أرباع أهل الأقصى عن زيارته ومشاهدته، والآن الأقصى في خطر.

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.


براءة درزي

بلال وبهاء.. السّابقون على طريق الأقصى

الأحد 13 تشرين الأول 2019 - 12:11 م

 لم يكن العرس الفلسطيني الذي خرج الشابان بلال أبو غانم وبهاء عليان لعزف أنغام أهازيجه كأيّ عرس آخر. فبعد أسبوعين من انطلاق انتفاضة القدس، امتشق بلال وبهاء سكينًا ومسدسًا وأخبر كلٌ منهما والدته أنّه ذا… تتمة »

براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »