هاري بوتر والاستقطاب اليهودي في القدس

تاريخ الإضافة الأربعاء 24 تشرين الأول 2007 - 8:36 م    عدد الزيارات 4048    التعليقات 0     القسم

        



شهدت القدس الشهر الماضي مجموعة أحداثٍ متصلة بطرح الجزء السابع من سلسلة كتب قصص الأطفال البريطانية، هاري بوتر، وبدت هذه الأحداث للعالم غريبة، فحظِيت بتغطية إعلامية واسعة، إلا أنّها تعكس واقع الانقسام الديني-العلماني بين اليهود في القدس، وهو انقسامٌ قديم متزايد يعتبره بعض "الإسرائيليين" أكثر خطورة على مستقبل القدس كعاصمةٍ لدولتهم من الصراع مع الفلسطينيين.
خلاف هاري بوتر جاء بسبب وصول الكتاب إلى المكتبات يوم السبت، وهو يوم العطلة الدينية لليهود. مما جعل اليهود الأرثوذكس (الأصوليين)، أو (الهرديم) كما يسمّون بالعبرية، ومن ضمنهم وزراء يسارعون لتحذير المكتبات "الإسرائيلية" من خرق حرمة السبت، وهدّد وزير الصناعة والتجارة "الإسرائيلي"، إيلي يشاي، بفرض غرامة على من يبيع الكتاب في ذلك اليوم. وأدّى الاهتمام بتوقيت بيع الكتاب إلى جدلٍ حول محتواه، فوصف أفرايم رافيتز، القياديّ حزب "التوراة الموحد"، الكتاب بأنّه يمثل "رسالة معيبة"، وقال: "ليس علينا أنْ ننجرَّ كالقردة خلف سائر العالم إزاء هذه الثقافة المغايرة". واستفاد من هذا الجدل، مكتبات عربية في القدس الشرقية، أو على الأقل مكتبة محددة تبيع كتباً تعليمية، حيث قام مالك المكتبة بفتحها بدءاً من الساعة الخامسة صباحاً، وجاءه يهود علمانيون، وآخرون متدينون اعتمدوا على فتوى أحد الحاخامات، بأنّهم إذا دفعوا قيمة الكتاب سلفاً، وحجزوا نسختهم، وكانت المكتبة لغير اليهود، ولم تفتحْ خصيصاً لليهود، فلا جُناح من استلام الكتاب يوم السبت. (أنظر جيروسالم بوست 20 تموز).
موضوع هاري بوتر يعيد للذاكرة رفض اليهود الأرثوذكس، في أوساط التسعينيات فتح فروع مطعم ماكدونالد، لأنّها تبيع طعاماً يمزج بين مشتقات الحليب واللحم (الهمبرغر بالجبنة)، ما يتعارض مع الطعام اليهودي الحلال (الكوشر) الذي يمنع هذا المزج، وكان الحل الوسط، أنْ يتم إعلان فروع المطعم في مناطق المتدينين بأنّها "كوشر" لا تقدّم وجبات مخالفة شرعاً. وما تزال فروع المطعم تخضع لرقابة الحاخامات، وتتم مراقبة إعلاناته، وديكوراته، لئلا تتعارض مع الرموز الدينية اليهودية.
وتعبّر قضيتا هاري بوتر وماكدونالد، عن حالة الصدام اليوميّ في القدس بسبب تتبع اليهود الأصوليين، لقضايا منها احتشام ملابس النساء، وقيادة السيارات وحرمة يوم السبت.
والاستقطاب بين اليهود الأرثوذكس والصهاينة، قديم، حيث يرفض الأرثوذكس، فكرة قيام دولة "إسرائيل"، على يد "البشر" ويرون أنّ هناك مقدّمات لا بدّ أنْ تتحقّق قبل قيام الدولة، منها ظهور المسيح، ويرون عدم جواز "إعادة" بناء الهيكل قبل تحقق ذلك أيضاً. وبقِيَ الحاخامات الأرثوذكس أصحاب الكلمة العليا بين يهود القدس حتى الحرب العالمية الأولى، اعتماداً على أموال "الإحسان" المقدمة لهم من يهود أوروبا. وكان غالبية أتباعهم لا يقومون بأيّ عملٍ مدرّ للدخل، ويعتمدون على "الإحسان" ويتفرّغون للدراسة الدينية والعبادة. وكانت تلك الحرب نقطة تحوّلٍ استطاعت الحركة الصهيونية بعدها، إقناع يهود وحكومات أوروبا والولايات المتحدة، بتوجيه الأموال من خلال الحركة الصهيونية، وبالتالي أصبح نحو 1000 مسن يهودي، و7 آلاف طالب، و800 شخص، و1500 يتيم، في المدينة، يتلقّون مساعدات من الحركة الصهيونية في سنوات ما بعد الحرب، فأصبحت الحركة المموّل الرئيسي ليهود المدينة ومنهم الأرثوذكس، مما فرض نوعاً من الهدنة، التي استمرت بعد قيام "إسرائيل" عام 1948، وتقوم على تفاهمٍ ضمنيّ تم بموجبه إعفاء شرائح واسعة من المتديّنين من الخدمة العسكرية، ومن الضرائب، وحصلوا على تمويلٍ لمؤسساتهم الدينية والتعليمية، وحصلوا على حرية تطبيق قوانين الأحوال الشخصية الخاصة بهم، مقابل عدم تحدّي شرعية الدولة، ولكن دون الاعتراف بهذه الشرعية، وأصبحت لهم أحياء خاصة في المدينة، لها حياتها الخاصة.
وينقسم المتديّنون اليهود إثنياً وسياسيّا، وهناك أحزاب متنافسة تمثّلهم، فاليهود الغربيون، يمثّلهم حزب التوراة اليهودية الموحّد وله حالياً (6 مقاعد في الكنيست)، واليهود الشرقيون تمثّلهم حركة شاس (12 مقعداً)، وهذان الحزبان يتعاونان مع الحكومات ويشتركان بها دون الاعتراف بشرعيتها أو الدخول في جيشها أو دفع الضرائب لها. وإلى جانبهما هناك الأرثوذكس الصهاينة، الذين يعترفون بالدولة ويدعمونها، وتمثّلهم حركة المستوطنات، وكذلك الحزب الديني القومي، والاتحاد القومي، ولهما معاً 9 مقاعد. ويبقى هناك أرثوذكس رافضون كليّا لدولة "إسرائيل"، منهم أتباع جماعة ناتوري كارتا، التي تضمّ مئات العائلات، وترفض شرعية "إسرائيل"، وتتظاهر سنويّاً في ذكرى قيام دولة "إسرائيل" رافعة العلم الفلسطيني، ويستخدم أعضاؤها العنف الجسدي والحجارة لمنع الناخبين اليهود من المشاركة في الانتخابات البرلمانية. وعمليّاً فإنّ أكثرية اليهود المتديّنين باتوا يرتبطون عضوياً ومالياّ بالدولة اليهودية، بغض النظر عن المواقف العقائدية المعلنة، فبحسب دراسات "معهد القدس لدراسات إسرائيل"، يدفع أفراد المجتمع اليهودي المتدين نسبة 1 إلى 7 مما يدفعه اليهود الآخرون من الضرائب، وأكثر من ثلثي هذا المجتمع تحت خط الفقر (بسبب موقفهم السلبي من العمل واعتمادهم على المساعدات)، ولكن هذا لا ينعكس إيجابياً على علاقاتهم مع اليهود الآخرين. وفي عام 1996 قال رئيس البلدية "الإسرائيلية" للقدس، تيدي كوليك: "إنّ الفجوة المتزايدة بين اليهود العلمانيين والأرثوذكس أكثر خطورة بكثير من طموحات (ياسر عرفات) بشأن المدينة". وتظهر الإحصائيات أنّ ما بين 20 و30% من سكان القدس حاليّاً، هم من الأرثوذكس، غير المؤمنين بالأيديولوجية الصهيونية، وهناك نحو 34% من السكان من العرب، ما يجعل اليهود الصهاينة أقلّ من النصف.
ومنذ عام 2003 سيطر اليهود الأرثوذكس على المجلس البلديّ للمدينة، وتبع ذلك اتهامات من اليهود العلمانيين، أنّ موارد البلدية تجيّر لصالح المتديّنين، وعملياً لا ينفي أعضاء المجلس ذلك، فيقول نائب رئيس البلدية، يوري ماكليف، في مقابلة مع صحيفة "لوس أنجلوس تايمز" في حزيران الماضي إنّ الأرثوذكس عانوا كثيراً في الماضي، و"يتوقعون الآن الحدّ الأدنى من الخدمات، والكنس، والحدائق بجانب بيوتهم"، ويقول اليهود غير الأرثوذكس، إنّ الأمر لا يتوقّف على الخدمات في أحياء المتدينين، بل هناك تشجيع من المجلس البلدي لهؤلاء المتدينين للانتقال لأحياء غير المتدينين ومن ثم العمل على فرض نمط حياتهم وشرائعهم، على الآخرين.
واللافت أنّ نسبة تكاثر اليهود الأرثوذكس، عالية جداً، ومعدّل عدد أطفال الأسرة الواحدة يتراوح من 6 إلى 8 أفراد، (بحسب إحصاءات عام 2003)، وفي عام 2005 ولأول مرة منذ عام 1967 تساوت نسبة الزيادة الطبيعية من الولادات بين اليهود والعرب في القدس (الشرقية والغربية)، بنسبة تصل إلى 3,9 للمرأة. والفضل في ذلك في الجانب اليهودي يعود للأرثوذكس، ولكن نسبة اليهود بقيت تتراجع في القدس، بسبب الهجرة العكسية، وفي عام 2006 سجّلت دراسة لمركز القدس لدراسات "إسرائيل"، أنّ 17200 يهوديّ تركوا المدينة، مقابل دخول 10900، ونحو 70% من اليهود الذين تركوا المدينة، هم علمانيون أو متدينون معتدلون، والواقع أنّ مئات الآلاف من اليهود تركوا المدينة في الثمانينيات والتسعينيات، بسبب النزاع مع اليهود المتدينين وضعف الحياة الاقتصادية في المدينة.
على أنّ اليهود المتديّنين باتوا الأكثر تشدّداً في موضوع الانسحاب من القدس الشرقية، فبحسب استطلاعٍ رأيٍ أجراه هذا العام، مركز القدس لدراسات "إسرائيل"، أيّد 58% من "الإسرائيليين" اليهود تقسيم القدس، والانسحاب من أجزاء من القدس الشرقية في سياق تسوية سلمية، ولكن ثلاثة أرباع اليهود المتدينين رفضوا هذا الانسحاب، وهو موقف يعود بالدرجة الأولى لموقفٍ متشدّد متزايد ضدّ العرب، تصاعد بعد انتفاضة الأقصى، دون أنْ يكون تعبيراً عن فكرة السيادة أو توسع دولة "إسرائيل"، فما يزال الموقف الديني الرسمي لا يؤيّد إقامة الدولة الصهيونية، وما يزال الموقف الديني الرسمي اليهودي يرفض فكرة بناء الهيكل الآن.
الصدام اليومي بين اليهود العلمانيين والمتديّنين يؤدّي لتحوّل مدينة القدس لمدينة للاستقطاب اليهودي–اليهودي الداخلي، وهو ما دفع مراسل وكالة أنباء أسوشيتدبرس، عام 2003 للقول: "إذا ما استمرت الاتجاهات الديمغرافية الحالية فإنّ نصف سكان القدس خلال عقدين سيكونون عرباً. وسيكون النصف اليهودي من المسنّين وغالباً من المتدينين. أمّا العلمانيون والمتديّنون الوطنيون فسيعيشون كأقليات في أحياء معزولة جنوب المدينة. وسيبدي عدد قليل من "الإسرائيليين" استعداداً للتضحية لتأكيد تماسك القدس بوجه الضغط العربي".
وواقع الأمر أنّ هذا الاستقطاب الداخلي يضاف للفشل في زيادة نسبة اليهود مقارنة بالعرب في المدينة، رغم كلّ سياسات التهويد والتمييز ضدّ العرب، ليؤكد فشل السياسات "الإسرائيلية" في القدس، وهي سياسات وإنْ كانت تسبب معاناة كبرى للعرب في المدينة، فإنّها توجد وضعاً صعباً لليهود، وقد بدأت مؤخّراً الانتقادات تتصاعد بأنّ سياسات مثل جدار الفصل في القدس لا تضرّ العرب في المدينة وحسب، بل توجد أوضاعاً غير منطقية وغير طبيعية لليهود أنفسهم.
_______________________________________
*كاتب وباحث أردني يقيم في الإمارات.
 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.



السابق

انصر أقصاك

التالي

حتى تكون القدس العاصمة الأولى للإعلام العربي

مقالات متعلّقة

براءة درزي

برد الثلاجات إذ يغدو لهيبًا!

الخميس 12 أيلول 2019 - 3:06 م

لا ينفكّ الاحتلال يستغلّ جثامين الشهداء ومقابر الأرقام ضمن وسائل الضبط والعقاب التي يسعى عبرها إلى ترويض الفلسطينيين، وخلق مجتمع خانع راضٍ بالاحتلال، تارك للمقاومة، نابذٍ لها، معرضٍ عنها. وتتحالف أذرع… تتمة »

علي ابراهيم

خمسون عامًا على الجريمة.. والأقصى حيٌّ فينا

الثلاثاء 20 آب 2019 - 4:48 م

كثيرةٌ هي المشاهد التي تؤثر بك تأثيرًا شديدًا، وتغير في كنهك أمرًا صغيرًا لا تدركه، ولكنه عميق الأثر، غائر المعنى.. وكثيرة أيضًا تلك الأسئلة البسيطة الساذجة ولكنها وفي ثوب البساطة تزخر بأعظم المعاني، … تتمة »