بحث تفصيلي


 القائمة البريدية
الرئيسة | من نحن | خريطة الموقع | اتصل بنا


قضية القدس

 الإثنين 13 تشرين الأول 2008 10:07 صباحاً
Bookmark and Share          


قضية القدس

مقدمة

تنفرد مدينة القدس بمكانة خاصة من دون العالم لما لها من ثورة روحية، فهي ملتقى الديانات الثلاث تجتذب إليها اهتمام المسلمين والمسيحيين واليهود، كما يكن لها العرب أهمية سياسية قومية هي امتداد للقضية الفلسطينية عامة في كافة أبعادها القومية والدولية، السياسية والدينية.
ولا يمكن فهم قضية القدس إلا في إطار تاريخي عام غير مرتبط بحدود فلسطين، إذ لم تقد فلسطين على مدى التاريخ ككيان منفصل وإقليم سياسي له إدارته وشؤونه الخاصة بل كانت جزءاً من الوطن العربي الكبير شاركت في صنع أحداثه، كما كانت جسراً يربط شطري الوطن العربي، وذلك قبل أن يقوم التخطيط الاستعماري والأطماع الصهيونية بعزل فلسطين عن هذا الوطن. وإن فصل القضية الفلسطينية عن القضية العربية وتحويلها إلى قضية قائمة بذاتها إنما كان نتيجة التدخلات والأطماع الأجنبية. هذه الأطماع، التي هي سياسة اقتصادية بالمفهوم الواسع. تسترت وراء أوضاع دينية لكسب التأييد، هي التي جعلت القدس قضية خاصة في الميدان الدولي والعلاقات السياسية.
لقد كانت القدس طيلة القرون التي تمتعت فيها بالسيادة العربية تستقبل الجميع بكل تسامح وتتيح لهم ممارسة شعائرهم الدينية بأوسع حرية، وحظيت هذه الحالة برضى الناس عموماً، إلا أن وضع القدس كمدينة عربية تضمن للجميع حرية العبادة أخذ ينهار تدريجياً منذ أن انطلقت الخطة التي حملت الأمم المتحدة على إقرار تقسيم فلسطين وتدويل القدس سنة 1947. وتحت شعار نظام التدويل، وقد بقي نظرياً، وأقر من دون اكتراث بالسيادة الفلسطينية-، استولت (إسرائيل) على قسم من المدينة، وتحت شعار (التوحيد) قامت بضم ما تبقى من القدس في يونيو/حزيران 1967 وشرعت بجهد منظم لتهويد المدينة وسلب تراثها الديني والحضاري وطمس معالمه، وإخلاء سكانها العرب ودفع موجات جديدة من الهجرة، في محاولة لفرض الواقع على العالم كله، كما فعلت عام 1948.
ومنذ حرب 1967 و(إسرائيل) تصرح مراراً أن الوضع الراهن قابل للمفاوضة باستثناء القدس، مشيرة إلى عزمها على البقاء في القدس بكاملها، وتساير بعض الدول (إسرائيل) في هذا الموقف. لذا فإنه في أية محاولة للتوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، تبدو قضية القدس أكثر تعقيداً وقد تنهار عندها كل محاولات التفاوض للوصول إلى حل.
ويطرح التدويل كأفضل الحلول الممكنة، في مواجهة نزعة التوسع "الإسرائيلي"، ولكن هذا الحل يتناسى حقيقة أولية، هي أن القدس مدينة عربية، والاهتمام الديني بالمدينة لا ينفي عروبتها، وكما برهنت الشواهد التاريخية فإن الحفاظ على المدينة المقدسة وآثارها الدينية يقتضي استمرار عروبتها . والقدس العربية ليست القدس القديمة التي يضمها السور بل تشمل جميع المدينة القائمة اليوم بشطريها القديم والجديد، وبما يجاورها من قرى عربية.

 

 

 

الفصل الأول

 

الخلفية الجغرافية التاريخية

 

1- جغرافية المدينة المقدسة
قامت مدينة القدس في مكانها الحالي منذ الألف الثالث قبل الميلاد، وهي تقع على خط العرض 31.52 شمالاً، وعلى خط الطول 35.13 شرقي جرينتش، وترتفع 892م عن سطح البحر، وقد أقيمت المدينة على أربعة جبال: جبل موريا (ومعناه المختار) القائم عليه مسجد الصخرة والمسجد الأقصى،وجبل صهيون، وهو يعرف بجبل النبي داود، ومعناه الجبل المشمس الجاف، وهو يشكل الجزء الجنوبي الغربي من جبال بيت المقدس الأربعة،وجبل أكرا، حيث توجد كنيسة القيامة، وجبل بزيتا، ويعق بالقرب من باب الساهرة. كما تحاط المدينة بعدة جبال، أهمها:
جبل رأس أبو عمار وهو يعق إلى الغرب من قرية بتير.
جبل الزيتون ويدعى أيضاً جبل الطور، ويقع إلى الشرق من المدينة. وهو يواجه أسوار الحرم الشريف من الشرق، ويفصله عنه وادي قدرون، وتعق إلى أسفل هذا الجبل حديقة المعصرة (جسماني) حيث يعتقد أن المسيح صلى عندها وهو في النزع الأخير. وفي قمة هذا الجبل كهف قام المسيح بإلقاء بعض تعاليمه فيه، والتقى بحوارييه قبل صعوده.
جبل سكوبس أو جبل المشارف ويقع شمالي شرق المدينة ويتصل بجبل الزيتون.
جبل المنظار، ويقع جنوب شرقي المدينة.
جبل صموئيل، ويقع شمال غربي القرية (بيت حنينا).
وتحاط مدينة القدس ببعض التلال أهمها:
تل الفول شمالي المدينة وكانت مدينة (جبعة) الكنعانية مقامة على هذا التل، وتل النصبة جنوبي البيرة في قضاء القدس وكانت تقع عليه قديماً بلدة المصفاة الكنعانية.
وحول مدينة القدس أودية أهمها:
وادي جهنم، ويقع في مدينة القدس نفسها، ويمتد على طول مدينة القدس حتى الطرف الجنوبي الشرقي من جبل صهيون وأطلق عليه العرب حقل الدماء وكان يحمل قديماً اسم قبيلة ( هنم) الكنعانية، ويسمى أيضاً (وادي هنم). وادي الجوز يبدأ شمال شرقي القدس ثم يتجه جنوباً حتى ينتهي بوادي النار الذي يصب في البحر الميت.
وادي القلط، يبدأ شمالي شرقي القدس قرب قرية العيسوية ويتجه إلى الشمال الشرقي ماراً بمدينة أريحا ثم يصب في نهر الأردن.
الوادي الكبير، يبدأ من شمال اللطرون في جبال القدس، ثم يتجه إلى الشمال الغربي ماراً بشمال اللد ثم يلتقي في نهر العوجة.
وادي النار، ويبدأ من جنوب شرقي القدس ثم يتجه إلى الجنوب الشرقي ويصب في شمال غربي البحر الميت.
جدول عين كارم، يبدأ في جبال القدس، على بعد قريب من قرية (عين كارم) التي تقع جنوب غربي القدس، وكانت المياه بوجه عام حول هذه المنطقة نادرة. واعتمد الناس قديماً على عدد ضئيل من الينابيع في سلوان وعين أم الدرج، وبركة سلوان والبركة الحمراء، وبئر أيوب، وعين اللوزة. وتضم مدينة القدس أحواضاً وبركاً قام ببنائها القدامى لحفظ المياه، منها بركة ماملا (مأمن الله)، وبركة السلطان، وبركة حزقيا (وتسمى بركة البطريرك أو بركة حارة النصارى) وبركة إسرائيل (وتسمى بركة الضأن أو الغنم). وفي العهد الروماني أيام هيرود (30ق.م) تم إنشاء القناة الرومانية المعروفة بماء العروب، وقد هدمت وجرت محاولة لإصلاحها. وأقام الإمبراطور سبتيموس سفيروس (195م) قناة أخرى وقد خربت القناتان بعد ذلك. واهتم العرب بتزويد المدينة بالمياه، وظلت برك سليمان تمد المدينة بالمياه بواسطة قناة السبيل التي عمرها المماليك. وكذلك توجد عدة عيون في أودية مختلفة مثل وادي العروب ووادي البيار والبالوع. وتصب جميعها في برك سليمان وتسيل عين عطافى رأساً في قناة السبيل. وقد ظلت القدس تستقي الماء عن طريق البرك حتى عام 1926 حيث تم الكشف عن عين فارة إلى الشمال الشرقي من القدس، وعين الفوار، وعين القلط ورأس العين شمال غربي المدينة.
ويحيط بالقدس عدد من المدن والقرى (3 مدن و 27 قرية عربية) هي: في الجنوب: مدن بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور وقرى بيتر، الحضر، بيت صفافا، شرفات، صور باهر، أم طوبا والسواحرة. وفي الشرق: أبو ديس والعيزرية، الطور، العيسارية وعناتا. وفي الشمال: شعفاط، خرما، بيت حنينا، الرام، قلنديا، بيرنبالا، الجيب، والنبي صموئيل. وفي الغرب: بيت اكسا، بيت سوريك، بيت عنان، رافات، الجديرة، قطنه والقبية.

 

2- القدس في التاريخ العربي:
تشير المراجع التاريخية بما فيها التوراة – إلى أن فلسطين وطن للكنعانيين – وهم قبائل خرجت من الجزيرة، منبت الساميين، في منتصف الألف الثالث قبل الميلاد. وقد أنشأ الكنعانيون في البلاد حضارة ضخمة. وكانوا جسراً بين مدن الحضارة على الفرات والنيل، وأقاموا على التلال التي تنتصف فلسطين مدينة يروسالم (أو يروشالم أي منشأة الإله سالم أو شالم) قبل قدوم العبرانيين إلى أرض كنعان، ومن اسم المدينة الكنعاني العربي اشتق اسمها العبري واسمها الغربي فيما بعد. كما عرفت  المدينة باسم (يبوس) نسبة إلى اليبوسيين وهم من بطون العرب الأوائل الذين نزحوا مع القبائل الكنعانية الأخرى وشيدوا على أكمتها الجنوبية برجاً لحمايتها.
وتعرضت البلاد (حوالي القرن الخامس عشر قبل الميلاد) إلى غزو الفلسطينيين. من كريت وجزر مجرايجة، الذين احتلوا الجزء الساحلي.وحوالي القرن الثاني عشر وفدت عليه قبائل العبرانيين من مصر، والذين يعودون بأصلهم إلى (أور) الكلدانيين. وقد قوبل العبرانيون بالتساهل من أهل البلاد الأصليين (الكنعانيين) وتأثر العبرانيون بالحضارة الكنعانية وخاصة باللغة والكتابة. وما لبث العبرانيون، أو ما عرفوا (ببني إسرائيل)، أن غلبوا على البلاد واستولوا على يبوس أو يروسالم، واستدام حكم ملوكهم الموحد سبعين عاماً بدأ بالملك بداود (في القرن الحادي عشر قبل الميلاد) وانتهى بابنه سليمان (في القرن العاشر قبل الميلاد) الذي بنى الهيكل المقدس على جبل صهيون وأصبح مركزاً ورمزاً لوحدة الطقوس الدينية وشعاراً عاطفياً ينم عن الوحدة السياسية، وابتداءً من هذه الفترة أصبحت للمدينة المقدسة (أورشليم) أهميتها التاريخية والسياسية عند اليهود.
ثم انشقت المملكة إلى إسرائيل ويهوذا، وأضحت (أورشليم) عاصمة يهوذا وحدها. وامتلأت التوراة بأنباء الصراع بين الدولتين وبينهما وبين الكنعانيين والفلسطينيين حتى غدت مسرحاً للفوضى، وانهارت دولة الشمال على يد سرجون ملك آشور (القرن الثامن قبل الميلاد) وقضى نبوخذ نصر البابلي  (القرن السادس قبل الميلاد) على دولة يهوذا ودمر الهيكل وسبى اليهود إلى بابل، وأصبحت القدس مستعمرة بابلية. وبعد تغلب كورش ملك الفرس على البلاد (القرن الثالث قبل الميلاد) سمح لبعض اليهود بالعودة وبناء السور والهيكل. وقد دمر الرومان (أورشليم) التاريخية للمرة الأولى (في عهد بومبي 70ق.م) إثر فتنة يهودية. وفي المدينة جرى صلب السيد المسيح وصعوده للسماء وبعدها انطلقت الدعوة لنشر المسيحية: وعاد الرومان لتدمير المدينة تدميراً نهائياً في عهد هدريانوس 136م. وعلى أنقاض المدينة القديمة التي زالت عنها الصبغة اليهودية، ابتنى الرومان مدينة جديدة سموها (إيليا) نسبة إلى الإمبراطور إيليا هدريانوس. وفي عهد قسطنطين أصبحت مدينة بيزنطة مسيحية (330م) وانقطعت صلة اليهود بالمدينة وبالأرض وبالهيكل. ومع أن البلاد أصبحت جزءاً من الحضارة الهللينية أو البيزنطية إلا أن  الحياة العربية لم تحتجب عن فلسطين خلال الفترة التي سبقت الفتح العربي الإسلامي، بل كانت امتداداً للوضع الكنعاني العربي بكل خصائصه ومقوماته.
وفي القرن السابع للميلاد (الأول للهجرة) خرجت فلسطين كسائر بلاد الشام من حوزة الرومان ودخلت في نطاق الدولة العربية الإسلامية. وقد طلب أهل إيليا الأمان والصلح. وأعطى عمر بن الخطاب لأهلها عهداً وأماناً لأنفسهم وأموالهم وكنائسهم. ومنذ ذلك الحين أسميت القدس أو المقدس أي البيت المقدس (المطهر الذي يتطهر به من الذنوب)، تأكيداً على مكانتها في الإسلام باعتبارها أولى القبلتين.
وقد صان العرب المسلمون الأماكن المقدسة المسيحية التي ظلت في حوزة المسيحيين، إلا أنه قد أسند إلى أسرتين مسلمتين في القدس حراسة كنيسة القيامة برضى المسيحيين أنفسهم، وبيديهما مفتاح الكنيسة. كما حافظ العرب المسلمون على ما بقي من الآثار اليهودية التي درس معظمها. بل وسمح لبعض اليهود بالعودة للمدينة من أجل السكن والعبادة في ظل التسامح، والحرية الدينية، بعد أن حرموا ذلك في العهود السابقة (لم يتجاوز عددهم في مطلع القرن السادس عشر 1500 نسمة).
ولم يحدث في تاريخ هذه الرقعة من الأرض ما يشكك في عروبتها، رغم ما قاسته/ مع أجزاء أخرى من فلسطين، في فترة الحروب الصليبية (القرن الحادي عشر حتى الثالث عشر) من الاحتلال. وخلال القرون الأربعة من الحكم العثماني ظلت القدس (وسائر فلسطين) عربية صميمة سواء من ناحية  اللغة أو السكان أو الأرض، تشارك في صنع أحداث التاريخ العربي.

 

3- الإدعاءات الصهيونية في القدس:
إن أطماع الصهيونية بالقدس، هي جزء من المخططات الصهيونية العامة التي جرى تنفيذها في فلسطين على مراحل منذ نهاية القرن التاسع عشر، إلا أن الأطماع بالقدس تتميز بطابع خاص تظهر لكل من يتتبع تصريحات الزعماء السياسيين للصهيونية ، وضمن أقوال هرتزل في المؤتمر الصهيوني الأول 1897 (إذا حصلنا يوماً على القدس وكنت لا أزال حياً وقادر على القيام بأي شيء فسوف أزيل كل شيء ليس مقدساً لدى اليهود فيها وسوف أدمر الآثار التي مرت عليها القرون). وقال بن غوريون (...لا معنى لفلسطين بدون القدس ولا معنى للقدس بدون الهيكل).
والحجة الظاهرة التي تعتمد عليها الصهيونية هي جزء من الإدعاء بالحقوق التاريخية والروابط الدينية التي تربط اليهود بالبلاد، وجاء تصريح بلفور بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ومن بعده صك الانتداب على فلسطين 1923، استناداً إلى هذا الإدعاء، كما استوحت حكومة الانتداب سياستها منه، واتجهت اللجنة الخاصة التي أوفدتها الأمم المتحدة في أعقاب عرض القضية عليها 1947 نحو بحث الحق التاريخي الذي ينادي به اليهود لإثبات صلتهم بفلسطين، وفي 14 أيار 1948 أصدرت (إسرائيل) إثر إعلان إنشائها تصريحاً أبلغته إلى مجلس الأمن أشارت فيه إلى (الحق التاريخي لليهود بالرجوع إلى وطنهم وبناء دولتهم).
إن أهداف الصهيونيين الحقيقية في القدس حافزها مادي صرف، والوقائع تثبت أن هدفهم فلسطين كلها وليس المدينة المقدسة، يضاف إلى ذلك الرغبة في قهر الإرادة العربية بانتزاع القدس من العرب، ثم إن القدس هي المفتاح الاستراتيجي للوطن الفلسطيني الصغير، وتعود بأهميتها في المنطقة منذ القدم إلى مناعتها الحربية لوقوعها على التلال المرتفعة وإحاطتها بالأسوار العالية ولسيطرتها على طرق المواصلات الرئيسية، بالإضافة إلى كون القدس من أغنى الموارد الاقتصادية في البلاد نظراًَ لأنها قبلة الحجاج والسياح إلى الأراضي المقدسة.

 

4- مراحل الاحتلال الصهيوني للقدس:
سارت خطة الاستيلاء على المدينة ضمن المخطط العام  لاحتلال فلسطين وإعلان قيام الكيان الصهيوني: فبدأت بصدور تصريح بلفور ودخول الجيوش البريطانية إلى القدس أواخر 1917، ومعها اليهود الصهيونيين متسترين بحماية المحتل الجديد، وقد حاولت السلطة البريطانية مراراً خلال فترة الانتداب فصل منطقة ووضعها تحت الإدارة البريطانية في مشروع بيل 1937 للتقسيم ومشروع موريسون 1946 للقيام بدور الحَكم في الصراع بين العرب والصهيونيين. وفي قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة بتقسيم فلسطين 29/11/1947، وتحت شعار رعاية المصالح المشتركة وصيانة الأماكن المقدسة، اعتبرت مدينة القدس والمنطقة المحيطة بها (بما فيها بيت لحم) وحدة قائمة بذاتها، تخضع لنظام دولي خاص، إلا أنها قد أدخلتها مع بقية أجزاء البلاد ضمن اتحاد اقتصادي.
ولم يتحقق نظام التدويل، الذي تبنته الأمم المتحدة، لأن الحرب نشبت حتى قبل خروج القوات البريطانية، وكانت القدس الهدف الأول في المخطط الصهيوني لاحتلال فلسطين، وكانت مذابح دير ياسين إحدى الخطوات نحو احتلال القدس. ورغم الكميات الكبيرة من الأسلحة التي خلفها الانتداب البريطاني للمنظمات الصهيونية وتسهيل رجال الانتداب لرجالها باحتلال معظم قطاعات المدينة خارج الأسوار، فقد استطاع أهل القدس المدنيون وبالتعاون مع فئات من الجهاد المقدس وقوات جيش الإنقاذ والقوات الأردنية الصمود في وجه القوات المعتدية وكادوا يسجلون نصراً لولا إعلان الهدنة الأولى التي مكنت الجانب الصهيوني من تعديل موقفه وتوجيه هجوم جديد، وجاءت الهدنة الثانية فأوقفت القتال وأعقبها قرار مجلس الأمن في 4/11/1948 الذي قضى بسحب القوات وإقامة خطوط هدنة. وقد كرست اتفاقية وقف إطلاق النار بتاريخ 30/11/1948 واتفاقية الهدنة في 3/4/1949 تقسيماً واقعياً للمدينة، إذ بعد أن باءت جهود وسيط الأمم المتحدة لجنة التوفيق بالوضع الراهن في المدينة من حيث العهد للسلطات الأردنية و (الإسرائيلية) فيها بإدارة المناطق التابعة لكل منهما، ولم يكن بيد السلطات الأردنية سوى القسم القديم (داخل السور) من القدس حيث كانت تقع الأماكن المقدسة، وأجزاء محدودة من المدينة الجديدة خارج السور.

وهكذا باحتلالها القدس الجديدة، وقسم كبير منها عربي، والقرى المحيطة بها، حققت (إسرائيل) مكاسب تفوق ما منحتها الأمم المتحدة، دون حق، قبل سنتين. وقد بادرت (إسرائيل) إلى مفاجأة العالم في 11/12/1949 بإعلانها القدس عاصمة لها بقرار من البرلمان (الإسرائيلي) (الكنيست) تمشياً منها مع سياسة الأمر الواقع، ونقلت إليها مقر حكومتها من تل أبيب، كما نقلت إليها (الكنيست ) بصفة مؤقتة عام 1952. كجزء من مخطط لنقل جميع الوزارات والمصالح الحكومية لها فيما بعد وتكريساً للمدينة كعاصمة (لإسرائيل) ومواصلة لتحدي قرار الأمم المتحدة بالتدويل. وقد شهدت الفترة ما بين 1948 وحتى 1967 عدداً من الإجراءات ضد المدينة المقدسة، سكاناً وأرضاً استندت فيها سلطة الاحتلال إلى:

 

أ‌- إصدار قانون أموال الغائبين في 31/3/1950 خولت بموجبه لنفسها سلطة وضع اليد على جميع الأموال المنقولة وغير المنقولة التي كان يملكها العرب (فلسطينيين أو من البلاد العربية) في المناطق المحتلة وغادروها بعد التقسيم (بالنسبة لمواطني البلاد العربية بعد 29/11/1947 وبالنسبة للفلسطينيين بعد 1/9/1948) وتقدر الأراضي الخاصة بالعرب في القدس الجديدة 80%. كما أن ثلثي المساحة المبينة في القدس الجديدة .

ب‌- منع اللاجئين من حق العودة رغم قرار الجمعية العامة في الأمم المتحدة (رقم 194 فقرة 3 بتاريخ 11/12/1948) الذي يتضمن ثلاثة مبادئ هي إعادة اللاجئين إلى بلادهم ورد ممتلكاتهم إليهم أو تعويضهم. وقد بلغ عدد اللاجئين من عرب القدس خارج بلدهم وخارج فلسطين حوالي سبعون ألفاً (يقدر الكتاب السنوي الإنجليزي لفلسطين 1947- 1948 عدد السكان في القدس في نهاية 1946 ڊ 150،590 من العرب و 102،520 من اليهود. كما أن تقرير لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين 1947 تؤكد أن عدد اليهود في القدس لا يتجاوز 40% من عدد السكان الإجمالي)

ت‌- فتح باب الهجرة اليهودية، الأمر الذي رفع عدد السكان اليهود في القدس من حوالي مائة ألف عام 1948 إلى حوالي مائة وتسعين ألفاً في يونيو/ حزيران 1967 .

وفي الخامس من يونيو / حزيران 1967 شنت (إسرائيل) هجوماً واسعاً على الجبهات العربية المجاورة، كان من نتائجه احتلالها للضفة الغربية من الأردن ومنطقة غزة وسيناء والمرتفعات السورية، وباشرت السلطات (الإسرائيلية) إلى تثبيت أقدامها في الأراضي المحتلة للاحتفاظ بكامل المكاسب الإقليمية والسياسية التي أحرزتها في حربها، وعمدت إلى التملص من الالتزام بقرارات هيئة الأمم المتحدة أو الأعراف الدولية التي شجبت العدوان والتغيير الذي تقوم به (إسرائيل) بالانسحاب منها وبالاعتراف بحقوق أهلها الشرعية.
ودخلت القدس في دائرة (التغييرات (الإسرائيلية)) بعد أن تم احتلال الجزء الثاني منها. ونظراً للأهمية التي تشغلها القدس في التفكير الصهيوني سار العمل بخطوات أسرع، فسعت إلى خلق حقائق جديدة لجعل التحول في المدينة المقدسة أمراً واقعاً.


الفصل الثاني

 

إجراءات تهويد القدس

 

أ‌- ضم القدس (لإسرائيل) :


1- القرارات الإدارية.
2- القضاء
3- التعليم
4- قانون التنظيمات القانونية والإدارية.
5- الانتخابات (البلدية)
6- المرافق والخدمات العامة
ب‌- إخلاء القدس من سكانها:
1- الإرهاب
2- الهدم والنسف
3- الضغط الاقتصادي
4- مصادرة الأملاك والأراضي
5- إجلاء السكان
6- الاستيطان.

 

عمدت السلطات (الإسرائيلية) في القدس بعد الاحتلال إلى تنفيذ المخطط الذي رسم من قبل لتعزيز الكيان (الإسرائيلي) في المدينة المقدسة وجعلها عاصمة (لإسرائيل)، فأوكلت إلى لجنة خاصة بالوزارة شؤون القدس. وبحجة (توحيد القدس) عمدت إلى هدم السور الجديد الذي كان يفصل بين شطري القدس ( أقيم السور بعد 1948 لوقف عمليات القنص) وأوكلت إلى تيدي كوليك رئاسة بلدية الاحتلال في القدس، واستمرت في استكمال نقل الوزارات العاملة في تل أبيب مع موظفيها. كما تابعت سلسلة الإجراءات التي تستهدف تصفية السكان تدريجياً ومصادرة أراضيهم وعقاراتهم وطمس حضارة أجدادهم والاعتداء على مقدساتهم وإذابة اقتصادهم وتغيير البناء الذي اشتهرت به مدينتهم، واستبدال كل ذلك بالإنسان (الإسرائيلي) والملكية والحضارة والمقدسات والتنظيم (الإسرائيلية) وبالاختصار (تهويد) المدينة بأقصى ما يمكن من السرعة.متحدية بذلك جميع المواثيق الإنسانية، غير عابئة بالشكاوى العربية أو بالقرارات الدولية. وكان الدافع وراء هذا الموقف سياسياً في الدرجة الأولى، ولم يكن الادعاء الديني إلا حجة تمسكت بها (إسرائيل) بعد أن أدركت أن العالم كله – وليس العرب فقط – يعارض إدعاء (إسرائيل) بالسيادة على المدينة.

 

ويمكن رصد التحول الذي أحدثته السلطات في القدس في النواحي التالية :


أ-  ضم القدس إلى (إسرائيل):

 

1- القرارات الإدارية:
أصدرت سلطات الاحتلال سلسلة من القرارات هدفها ضم "القدس العربية" إلى الحكم (الإسرائيلي) المباشر، علماً بأن هذه القرارات تتعارض مع المواثيق الدولية التي تحظر على السلطة المحتلة تغيير القوانين أو فرض قوانين جديدة. ففي 27/6/1967 أصدر البرلمان (الإسرائيلي) (الكنيست) قراراً على شكل إضافة فقرة إلى قانون "إسرائيلي" اسمه (قانون الإدارة والنظام 1948) وقد خولت تلك الفترة حكومة (إسرائيل) تطبيق ذلك القانون على أية مساحة من الأرض ترى حكومة (إسرائيل) ضمها إلى (أرض إسرائيل).
وبتاريخ 28/6/1967 أصدر سكرتير حكومة (إسرائيل) أمراً، أطلق عليه (أمر القانون والنظام رقم واحد لسنة 1967) أعلن فيه أن مساحة (أرض إسرائيل) المشمولة في الجدول الملحق بالأمر، هي خاضعة لقانون قضاء وإدارة (الدولة (الإسرائيلية)) ويضم هذا الجدول منطقة تنظيم أمانة مدينة القدس (البلدية) التي تقع تحت الحكم الأردني (ما بين المطار وقرية قلنديا شمالاً، وبين حنينا غرباً، وقرى صور باهر وبيت صفافا جنوباً، وقرى الطور والعيزرية وعناتا والرام شرقاً) ويقطنها حوالي مائة ألف من العرب، أضحوا بموجب هذا الأمر خاضعين للسيادة (الإسرائيلية) مباشرة. وأصبحت جميع الأملاك والأراضي التي تقع ضمن حدود القدس الموسعة جزءاً من أراضي (دولة إسرائيل).
وبتاريخ 29/6/1967، أصدر جيش (الدفاع الإسرائيلي) أمراً يقضي بحل مجلس أمانة القدس (البلدية) العربي المنتخب، وبطرد أمين القدس (السيد روحي الخطيب) من عمله وإلحاق موظفي وعمال الأمانة ببلدية القسم المحتل من المدينة (ويرأسها تيدي كوليك)، وألحقت جميع ممتلكات وسجلات الأمانة بالدوائر (الإسرائيلية).
ولإحكام عملية الضم لإداري والسياسي أقامت سلطات الاحتلال منذ الأيام الأولى للاحتلال عدداً من مراكز الحدود العسكرية والبوليسية والجمركية على الطرق والمنافذ التي تربط بين القدس والمدن والقرى العربية الملاصقة لها، وألزمت الداخلين والخارجين الحصول على تصريح عسكري، وكان يعني هذا عزل القدس عن ما جاورها مما ألحق الضرر بالمدينة والضواحي.
وتتابعت عملية إلغاء القوانين والأنظمة في "القدس العربية" واستبدالها بالقوانين والأنظمة (الإسرائيلية) في محاولة لفصل القدس عن المنطقة العربية المحيطة وإذابة الوجود العربي فيها، وتكريس ضمها لسلطات الاحتلال في جميع الشؤون الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

 

2- في مجال القضاء: اتخذت الإجراءات التالية:
أغلقت جميع المحاكم النظامية في المدينة وفصل القضاء النظامي القائم بالقدس عن شؤون الضفة الغربية وألحق كلياً بالقضاء (الإسرائيلي).
وتم نقل مقر محكمة الاستئناف من القدس إلى مدينة رام الله. وأدمجت محاكم البداية والصلح في القدس بالمحاكم (الإسرائيلية) المماثلة، ونقلت إليها جميع سجلاتها وأثاثها، وطلب من القضاة والموظفين العرب تقديم طلبات للالتحاق بوزارة العدل (الإسرائيلية) وإلا اعتبروا مفصولين.
أما المحاكم الشرعية الإسلامية فقد تغاضت سلطات الاحتلال في بادئ الأمر عن إغلاقها، ولما لم تنجح في استمالة جهازها، عمدت إلى نفي رئيس المحكمة الشرعية وأوعزت بعدم تنفيذ أي حكم أو قرار للمحاكم الإسلامية.وقد شمل هذا، التجاهل لقرارات وأعمال المحاكم الإسلامية وعدم الاعتراف بكل ما له علاقة يومية بالأحوال  الشخصية للسكان (من زواج وأرث ووصاية ووقف..ألخ). الأمر الذي خلق التعقيدات المتتالية للقضاة الشرعيين وللأوقاف وللسكان. وفي أواخر عام 1975 قررت لجنة تعيين القضاة الشرعيين في (إسرائيل) تشكيل محكمة استئناف شرعية في القدس غير محكمتها الموجودة تكون تابعة للحكومة (الإسرائيلية) (ولجنة تعيين القضاة تتكون من وزير الأديان الإسرائيلي ووزير الشرطة وعربيين وجودهما يتمم صورة شكلية للجنة المذكورة) وقد جاء هذا التعيين لخدمة هدف سياسي (إسرائيلي) ضمن مخطط ترسيخ ضم "القدس العربية" وتجاوز مؤسساتها الدينية التي لا تعترف بهذا الضم.

 

3- جابهت قضية التعليم في "القدس العربية" أزمة بدأت إثر قرار ضم "القدس العربية" حيث بادرت بوضع يدها على جميع المدارس الحكومية (يبلغ عدد المدارس الحكومية في القدس العربية 30 مدرسة، 2 ثانوي، 14 إعدادي، 14 ابتدائي، وتضم المدرستان الثانويتان حوالي سبعمائة طالب وطالبة، أما المدارس الابتدائية حوالي عشرة آلاف طالب وطالبة، ويقوم بالتدريس في هذه المدارس حوالي ستمائة معلم ومعلمة). وأعلنت عن إلغاء برامج التعليم الأردنية وجميع الكتب المدرسية الخاصة بها واستبدالها ببرامج التعليم المطبقة على المدارس العربية في المناطق المحتلة منذ 1948 . وألغت مكتب التفتيش العربي، وطلبت من جميع أفراد الجهاز التعليمي الالتحاق بأجهزة التعليم (الإسرائيلية) الخاضعة لوزارة التربية والتعليم ولبلدية الاحتلال في القدس سابقاً في المدينة.
وقد أدى ذلك إلى كوارث أصابت التعليم  فانخفضت النسبة المئوية للناجحين والناجحات في امتحان الإعدادية والتوجيهية، ووصل عدد طلاب الرشيدية وكانت من أكبر المدارس الثانوية، إلى أربعة عشر طالباً من أصل ثمانمائة طالب وأصبح المعلمون أربعة من أصل أربعين، كما انخفض مستوى التعليم. وقد أصبحت قضية التعليم في "القدس العربية" الشغل الشاغل لعرب القدس والضفة الغربية . وتشكلت لجنة عربية ضمت بعض الصحفيين ومدراء المدارس وناقشت الموضوع مع وزير التربية والتعليم (الإسرائيلي). وكان  المطلب الرئيسي للجنة ضرورة العودة إلى البرامج العربية وتطبيق المنهاج المتبع في الضفة الغربية بحذافيره. أو على الأقل منح الطلاب حق الاختيار بين المنهاجين، وقد عمدت السلطات بعد ذلك إلى أسلوب الترقيع فسمحت بتدريس حصص إضافية حسب المنهاج العربي للمدارس الثانوية والإعدادية مع إبقاء المدارس الابتدائية خاضعة للمناهج "(الإسرائيلية)".هذه الخطوة زادت التعقيد والتشويش بسبب الزج بين منهاجين انعكس ذلك على النسبة الكبيرة للسقوط في الامتحانات لطلاب المدارس الإعدادية، كما أنها أبقت طلاب المرحلة الابتدائية خاضعين للمناهج (الإسرائيلية). واعتباراً من العام الدراسي 76/77 أصبح التعليم في المدارس الإعدادية والثانوية حسب المناهج الأردنية (المعدلة) وبقي المنهاج "الإسرائيلي" مطبقاً على المدارس الابتدائية... (ومن هنا تبرز أهمية المدارس والمؤسسات الأهلية التي لا تلتزم بتطبيق المناهج "(الإسرائيلية)").
وتضع السلطات العراقيل أمام تطبيق المناهج العربية في المدارس وتعمد في نفس الوقت إلى منع طلبة "القدس العربية" من الالتحاق بمعاهد ومدارس الضفة الغربية (التي لا تزال تدرس المناهج العربية) وهذا ما يدفع الشباب إلى الهجرة خارج البلاد أو تضطرهم ظروف الحياة إلى العمل في الميادين الاقتصادية (الإسرائيلية).

 

4- دعت سلطات الاحتلال عرب القدس إلى الاشتراك في انتخابات بلدية الاحتلال التي جرت في 28/10/1969 بعد أن أقر البرلمان (الإسرائيلي) (الكنيست) مشروع قرار يقضي بضم السكان العرب لسجل الناخبين (الإسرائيليين) وكان هدف (إسرائيل) من وراء نجاح الانتخابات في القدس الاعتراف الشرعي بضم "القدس العربية" أمام الرأي العام العالمي، وانتزاع هذا الاعتراف من أهالي القدس عن طريق مشاركتهم في انتخابات السلطة "(الإسرائيلية)". ورغم كل الجهود والإغراءات والتهديدات التي لوحت بها سلطات الاحتلال لم تستطع استمالة أي عربي في المدينة لترشيح نفسه لعضوية بلدية الاحتلال، ولم يتجاوز عدد المشتركين في التصويت 4000 من أصل 35000 عدد الناخبين المسجلين حسب القوانين "(الإسرائيلية)".
ولم تحظ الانتخابات أواخر 1973 بنجاحٍ أبعد رغم أن السلطات حاولت تلافي أخطاء الانتخابات السابقة وذلك بإجراء الاتصالات السرية مع بعض المرشحين العرب للمجلس البلدي بإعلامهم أن تمثيلهم للناخبين العرب سيكون ضمن ميادين التربية والتعليم والصحة والشؤون الاجتماعية.
وقد تقرر تأجيل الانتخابات لبلدية الاحتلال إلى ما بعد انتخابات الكنيست (مايو/أيار 1977)، ولم تلعب أصوات العرب في الانتخابات دوراً ما في ترجيح فئة ما يسمون (بالمعتدلين) أو (المتطرفين)  للوصول إلى المجلس البلدي. ويعتبر العرب عموماً التقدم إلى صناديق الاقتراع أمراً مرفوضاً من حيث المبدأ لأنه يعني الاعتراف بضم القدس.

 

5- الإجراءات التي تناولت المرافق والخدمات العامة:
لم تسلم محطات مياه عرب القدس من اعتداءات سلطات الاحتلال التي قامت بفك ونقل جميع موتورات ومضخات المياه التابعة لأمانة القدس في خمس من محطاتها وربطت عرب القدس بشبكة المياه الخاصة ببلدية الاحتلال.
وتعرضت شركة كهرباء محافظة القدس إلى إحلال بلدية الاحتلال مكان أمانة القدس العربية في الشركة مساهمة وتمثيلاً في مجلس مدراء الشركة، بموجب مراسيم تشريعية غير قانونية (1/9/1970 و 15/9/1971)، وهذه الاعتداءات إنما تعزز عملية ضم القدس، وعمليتي حل مجلس أمانة القدس ودمجها في بلدية الاحتلال في القدس، حيث سيتاح لها التدخل فيما بعد في شؤون مدن وقرى محافظة القدس.
وفي 16/5/1973 أغلقت السلطات المحتلة دائرة الشؤون الاجتماعية في القدس ووزعت اختصاصها بين ثلاثة مكاتب: مكتب (إسرائيلي) مقره القدس للإشراف على جميع الجمعيات الخيرية العربية القائمة في مدينة القدس، ومكتب عربي فرعي في رام الله للإشراف على الجمعيات الخيرية في رام الله والبيرة وقضائها ومكتب عربي فرعي آخر مقره أريحا للإشراف على الجمعيات العربية في قضائي بيت لحم وأريحا. وهذه الإجراءات يقصد بها تمزيق هذه الدوائر العربية وفصلها عن الدائرة العربية الأم بالقدس، وقد شمل التغيير أكثر من ثلاثين جمعية خيرية، أصبحت هي وجميع معاهدها العلمية والطبية والخيرية خاضعة للإشراف الإسرائيلي مما ألحق الضرر بأعمالها، وعلى رأس هذه المعاهد مستشفى المقاصد الخيرية الإسلامية ومستشفى وملجأ الأرثوذكسي ومستشفى الهلال الأحمر ودار الطفل العربي، والمعهد المهني للجنة اليتيم العربي والمعهد العربي العلمي.
وقامت مؤسسة التأمين الوطني (الإسرائيلية) في شهر أكتوبر / تشرين أول 1975 بالحجز على الأموال التي تخص بعض هذه المؤسسات العاملة في "القدس العربية" (التي تقوم بإعالة عدد كبير من المحتاجين ويعتمد دخلها على التبرعات وعلى نشاط الأفراد الذين يقومون بخدمتها) في وقت تقوم به المؤسسات بالبحث عن مصادر لدفع رواتب العاملين فيها.

 

ب- إخلاء القدس من سكانها العرب:
استهدف المخطط الصهيوني منذ بداية الاستيطان إلى اقتلاع السكان العرب واستبدالهم بأفواج المهاجرين وتعتبر القدس مثلاً صارخاً لهذه العملية، كان من نتيجتها أن ارتفع عدد السكان اليهود في القدس من حوالي 100 ألف إلى 190 ألفاً عام 1967 وبلغ حوالي 250 ألفاً عام 1976 ويخطط إلى زيادات أخرى في المستقبل. في حين تشير الأرقام إلى أن تزايد السكان اليهود في القدس صحبه هجرة العرب منها (بلغ عدد  العرب في القدس عام 1948 (بعد النكبة) حوالي 70 ألفاً ووصل عددهم عام 1976 إلى ما يقارب 90 ألفاً. وهي نسبة ضئيلة في الزيادة لسكان يبلغ تكاثرهم معدلاً من أكبر المعدلات في العالم (معدل الزيادة 4.2%). وفي تقرير غير معد للنشر وزع على الوزراء "الإسرائيليين" لدراسته (نقلت ذلك هاآرتس 22/11/1975) ذكر وزير الدفاع أن عدد السكان في "القدس العربية" قد ازداد منذ 1967 أربعة وعشرين ألف نسمة، وبرأي مدير دائرة الاستيطان أنه لو استمر الحال على ما هو عليه فإن الأكثرية اليهودية في المدينة ستفقد أثرها في تكوين (الصبغة اليهودية). وللمحافظة على التوازن الداخلي يقترح زيادة عدد السكان اليهود بمعدل 4.7% سنوياً منها 1.9% عن طريق التكاثر الطبيعي و 2.5% عن طريق الهجرة. لذا فقد أصبحت مهمة المسؤولين في (إسرائيل) الحد من تزايد السكان العرب واتخاذ المزيد من الإجراءات لإسكان مهاجرين جدد، الأمر الذي سيؤدي إلى تناقص الفارق بين عدد العرب و (الإسرائيليين). وقد صرح الحاخام مئير كاهان (مؤسس رابطة الدفاع اليهودية المتطرفة) في مايو/ أيار 1976 بأنه يتوجب ترحيل كافة العرب من المناطق المحتلة من أجل إيجاد حل لأزمة الشرق الأوسط وقال أن لديه خطة لإبعاد العرب جميعهم، وبرأيه أن إبقاء حوالي 90 ألف عربي في القدس قد يحول المدينة إلى إيرلندا شمالية أخرى.
اتبعت السلطات المحتلة سلسلة من الإجراءات المنظمة لإخلاء القدس:

 

1- كان الإرهاب أول الوسائل المباشرة التي استعملتها السلطات العسكرية حين احتلال القدس 1967، وهي نفس الأساليب التي لجأت إليها المنظمات الإرهابية في دير ياسين وكفر قاسم والمناطق المحتلة سابقاً. وقد لجأت القوات "(الإسرائيلية)" في اليوم الأول من الحرب والأيام التي تلته، ورغم انسحاب القوات العربية إلى قصف المدينة خارج السور وداخله، مما أدى إلى استشهاد ما يقرب ثلاثمائة مدني وتدمير العقارات السكنية والتجارية، وإلحاق الأضرار بعدد من الكنائس والمساجد والمستشفيات واستولى الجيش "الإسرائيلي" على معظم الأبنية الكبيرة في المدينة من مدارس وفنادق ونهب محتوياتها، كما تم نهب العديد من دور السكن والسيارات بعد أن توقف القتال.

 

2- كان الإجراء الثاني المباشر لإخلاء القدس من سكانها هو سلسلة من أعمال الهدم والنسف لأملاك عربية داخل السور وخارجه، بدأت في 11/6/1967، وفي أقل من أسبوع أزيل من الوجود العربي في المدينة: 135 داراً في حي المغاربة (الملاصق للمسجد الأقصى) يسكنها 650 شخصاً، ومسجدان في حي المغاربة (أحدهما مسجد البراق الشريف)، ومصنع للبلاستيك قرب حي الأرمن داخل السور، وما يقارب من مائتي منزل ومخزن في المناطق الحرام، وجرت عملية إزالة قرى كاملة في منطقة اللطرون هي قرى (بيت نويا، وعمواس ويالو) ومنع أهلها من العودة إليها.
وقد تتالت أعمال الهدم والنسف، بحجة الانتقام من أعمال المقاومة، لمنازل أشخاص مشتبه بهم أو مدانون بتهمة القيام بأعمال تعتبرها السلطات مخلة بالأمن. أو بحجة أن البناء قد تم بدون رخصة (وغالباً ما كان يرافق ذلك فرض غرامة على صاحب البيت والحكم بسجنه). وبحجة مد شبكة لمياه المجاري، بدلاً من الشبكة الحالية القديمة، جرى المزيد من هدم البيوت العربية والمزيد من التشريد لسكانها، وساهمت الحفريات في تصديع أبنية كثيرة تم هدمها بعد تعرضها لخطر الانهيار.

 

3- وكان أسلوب الضغط الاقتصادي، أحد الأساليب غير المباشرة التي اتبعتها السلطات (الإسرائيلية) لترحيل السكان، فقد اتخذت عدداً من الإجراءات التي تستهدف تصفية الاقتصاد العربي وإذابته تدريجياً في بوتقة الاقتصاد "الإسرائيلي". فأغلقت البنوك العربية القائمة (العربي، القاهرة- عمان، العقاري، الأردني، الأهلي، انترا) وصادرت أموالها، واستبدلت العملة الأردنية بالعملة (الإسرائيلية).
ومما كان يحكم القبضة (الإسرائيلية) على أمور الاقتصاد تطبيق أحكام قانون التجارة (الإسرائيلي) على التجار العرب، حيث يفرض عليهم الحصول على رخصة تجارية (إسرائيلية) وتسجيلها في السجل التجاري (الإسرائيلي)،حصر الاستيراد بالموانئ والمطارات (الإسرائيلية)، وفتح سوق (القدس العربية) لتشغيل رؤوس الأموال (الإسرائيلية) ومزاحمتها لرؤوس الأموال العربية البسيطة، وإقامة المراكز التجارية (الإسرائيلية) في (القدس العربية).
(تم فعلاً بناء مركز تجاري كبير بين باب العمود وباب الخليل وأجرت مخازنه لتجار يهود).
يضاف إلى ذلك الضرائب المرتفعة التي تفرض على العرب، وتحملهم تبعة الاحتلال واقتصاده المتدهور، والتي لا تتبع أبسط قواعد العدالة في تقديراتها وإجراءاتها، ولا تأخذ بعين الاعتبار الظروف المعيشية الصعبة التي يواجهها السكان العرب في المدينة، وركود الحركة التجارية والتزايد المستمر في ارتفاع أسعار الحاجيات.
وتلجأ السلطات (الإسرائيلية) لاستيفاء الضرائب إلى أساليب متعسفة: من مصادرة محتويات بعض المتاجر والكماليات في المنازل إلى ختم بعض المتاجر الأخرى بالشمع الأحمر، وأي اعتراض تعتبره السلطة تحد للأمن، يعني الحجز أو الإبعاد.
ويحدث هذا التضييق في وقت تعمد فيه السلطات إلى تشجيع الاقتصاد (الإسرائيلي) على حساب الاقتصاد العربي في منافسة غير متكافئة. وقد جرى التخطيط (الإسرائيلي) لإنشاء مناطق صناعية جديدة حول القدس على الأراضي العربية، وقد تم تسليم أكثر من 400 دونم من الأراضي الواقعة قرب قلنديا إلى 38 مصنعاً مختلفة الأنواع من أجل مباني مستقلة لها، وتبلغ مساحة هذه المنطقة الصناعية 1300 دونم يجري تطويرها بسرعة ومد إليها الماء من النبي يعقوب، وبدأ الإنتاج الصناعي فيها بالفعل وستنقل إليها قريباُ المصانع "(الإسرائيلية)" المجاورة (في وادي الجوز) وعند مدخل القدس العربي صادرت السلطات المحتلة حوالي 2000 دونم من أراضي ( عناتا) لإقامة المراكز الصناعية (منطقة للكراجات والحرف والخدمات التابعة لها).
وأمام ضغط الحياة وتدهور الاقتصاد العربي أكرهت الأيدي العاملة العربية على التماس الرزق من مصادر (إسرائيلية) في المؤسسات وأماكن العمل وخاصة في قطاع البناء، ويتعرض هؤلاء بين حين وآخر إلى الفصل، وخاصة بعد أن كثرت شكاوى المسؤولين (الإسرائيليين) من تناقص عدد العاملين اليهود وخاصة في قطاع الصناعة (بلغ عدد عمال الصناعة في القدس 22% من العرب). وأصبح الخيار الوحيد أمام العاطلين عن العمل البحث عن موارد أخرى للكسب في الخارج، وازدادت طوابير الشبان أمام القنصليات الأجنبية (وخاصة الأمريكية) بالقدس للموافقة على الهجرة للعمل، ويعني ذلك قطع العلاقة العضوية والمعنوية والتاريخية بين الإنسان والأرض.

 

4- ولجأت سلطات الاحتلال إلى أسلوب مصادرة الأملاك والأراضي في محاولة لإجبار السكان على إخلاء القدس.
إذ أن من السمات المميزة للسياسة الصهيونية ومن بعدها السياسة (الإسرائيلية) الرسمية الاستيلاء على الأراضي العربية بطريقة تدريجية تتناسب وعمليات الهضم للأراضي المصادرة أولاً، وما يتبع ذلك من إقامة للمستوطنات والمشاريع وجلب المهاجرين الجدد.
وفي المناطق العربية المحتلة، ومنذ الساعات الأولى للاحتلال 1967، بدأت السلطات بمصادرة الأراضي تدريجياً، وأعطى حق الأولوية للأراضي غير المسكونة أو القليلة السكان وذلك تجنباً لمصادرة السكان وضمهم (لإسرائيل) وهو الأمر الذي لا تريده القيادة (الإسرائيلية)، وما تكاد الأرض تصادر حتى يبدأ العمل لخلق أمر واقع، في القدس بدأت العملية إثر ضم المدينة 27/6/1967 وبعد إجراء الإحصاء السكاني، وذلك بتطبيق قوانين أموال الغائبين على جميع الغائبين العرب عن القسم المحتل الجديد ( كما فعلت عام 1948) وفتحت مكاتب حكومية بالقدس لتسجيل جميع الأموال المنقولة التي تخص أولئك الغائبين. وبذلك وضعت السلطات المحتلة أيديها على مساحات واسعة مما تبقى لعرب القدس من أراضي، وعلى قسم كبير مما تبقى من عقارات، كما حجزت ما وصل إلى علمها من أموال منقولة وأسهم شركات تخص أولئك الغائبين. وتشكل أراضي وعقارات الغائبين عام 1948 وما تلاها بعد حرب 1967 حوالي 84% من أملاك عرب القدس. وإضافة إلى ذلك سمحت (للإسرائيليين) الذين يملكون أرضاً في (القدس العربية) حق اللجوء للمحاكم لاسترداد عقارهم (منها قضية تتعلق بالبيوت التي أقامتها وكالة غوث اللاجئين في حي الشيخ جراح بعد 1948 على أرض يدعي ملكيتها بعض اليهود) في حين أن العربي الذي يملك عقاراً في القدس الجديدة ممنوع من محاولة استردادها أو حتى زيارتها لاستطلاع معالمها.

واستناداً إلى مجموعة من القرارات الصادرة عن وزارة المالية قامت السلطات بعمليات متتابعة من الاستملاك والمصادرة داخل السور وخارجه بحجة أنها إجراءات تقتضيها ظروف الأمن .
وفي 20/6/1969 أعلن الحاكم العسكري (الإسرائيلي) عن مصادرة 17 عقاراً عربياً قسم منها ملاصق لسور الحرم الشريف وقسم آخر يقع في جوانب وطرق أخرى داخل السور. وتضم هذه الأبنية المصادرة عمارة أثرية تاريخية اسمها المدرسة (التنكزية) كانت مركزاً للمحكمة الشرعية الإسلامية ويشغلها حالياً المعهد الإسلامي لإعداد الوعاظ والمدرسين الإسلاميين وتقع على المدخل الرئيسي للحرم الشريف، ولا تزال عملية المصادرة في البلدة القديمة مستمرة ( كما صرح بذلك مدير شركة ترميم وتطوير الحي اليهودي بالبلدة القديمة، فبراير / شباط 1977).
وقد دأبت السلطات (الإسرائيلية) على إتباع أسلوب معين عند مصادرتها للأراضي العربية فهي أولاً تمنع البناء في المنطقة المراد مصادرتها، ومن ثم تقوم بإغلاق المنطقة وذلك بتطويقها بالأسلاك الشائكة بدعوى الحاجات الأمنية وتنذر الأهالي بعدم الاقتراب منها ولا تلبث الأمور أن تنكشف عند البدء بعمليات الاستيطان في نفس المنطقة.

وحدث هذا حين تمت مصادرة خمسة آلاف دونم من أراضي قرى قرى عناتا والعيزرية شرق القدس (عام 1972). كذلك حين أغلق الحاكم العسكري عام 1974 نحو سبعين ألف دونم لمشروع الخان الأحمر بين القدس وأريحا لإنشاء المدينة الصناعية. وفي إبريل / نيسان 1975 أبلغ الحاكم العسكري للواء رام الله مخاتير عناتا قرار السلطات بمصادرة مساحات تقدر ڊ 1500 دونم للأغراض العسكرية وطلب من سكانها عدم دخولها أو حصد محاصيلها. وفي تشرين الثاني 1975 أنذر الحاكم العسكري لمنطقة بيت لحم أهالي بيت أسكاريا بضرورة وضع أسلاك شائكة على أراضيهم ووجوب تخليتها خلال سنتين بعد أن منعوا من زراعتها. كما وضعت السلطات أيديها عنوة على الأراضي بين قرية جبع والرام أحدى ضواحي القدس ومنعت أكمال البناء فيها وهدمت الأبنية الموجودة وتقرر مصادرة أراضي على الطرق التي تشق لربط القدس بالضواحي والأحياء الجديدة (ضاحية النبي صموئيل وضاحية جيلا)، وأغلقت السلطات 2000 دونم من أراضي أبو ديس تمهيداً لمصادرتها واستملاكها في منطقة مؤدية إلى البحر الميت على طريق أريحا.

وفي شباط 1977 تعرض سكان قرية كوم القبر في رأس العامود لتهديدات (إسرائيلية) لإخلاء منازلهم بالأساليب المعتادة. والسلطات (الإسرائيلية) في كل عملية مصادرة تختار المواقع التي تخدم الإستراتيجية (الإسرائيلية) بحيث جاءت مواقع الأراضي المصادرة مطوقة لمن تبقى من عرب القدس وقراها غرباً وشمالاً وشرقاً وجنوباً، وجعلهم محصورين ضمن رقعة صغيرة تحيط بها ثلاثة أطواق الأول يطوق القرى العربية المحيطة بالقدس، الأمر يهدد الوجود العربي بالتقلص والتصفية.

 

5- رافق قرارات المصادرة واستملاك الأراضي والعقارات محاولات مباشرة لإجلاء السكان عن مساكنهم تمهيداً لإجلائهم عن مدينتهم، وهي الخطة التي رسمت أيضاً لإجلاء العرب عن سائر الأراضي المحتلة.
وقد اتبعت في عمليات الإجلاء أساليب عديدة وذلك بإصدار إنذارات لسكان العقارات أو العاملين فيها أو الذين يستغلونها تدعوهم للتفاوض على الإخلاء خلال مدة معينة بعد أخذ التعويض (الذي لا يكفي لشراء بيت) وكانت تنذر المتخلفين باتخاذ الإجراءات القانونية. ورافق ذلك القيام بحملة إعلامية مضللة عن عدم لياقة الأحياء العربية السكنية والصحية وخاصة المجاورة لمنطقة الحرم الشريف في الجهتين الغربية والشمالية ونتيجة هذه العمليات تم إجلاء ما يزيد عن خمسة آلاف عربي من داخل السور( تولت ذلك شركة إعمار الحي اليهودي بالقدس العربية) وما يزيد عن ألف خارج السور وحرمت أكثر من ألف آخر من العمل في عمليات الزراعة في الأراضي المصادرة خارج السور.
إن النتائج المترتبة على الاستمرار في مشاريع الاستيطان والتخطيط (الإسرائيلية) خطيرة: فهي تعني توقف النمو العربي في المدينة والضواحي. واستكمال الطوق حول المدينة المقدسة بحيث تصبح جميع منافذها ومداخلها محاطة بتحصينات من المستوطنات (الإسرائيلية)، وتقطع القدس بذلك عن ضواحيها بمئات الأمتار من المساكن اليهودية الشاهقة. وفي حين تشهد المدينة نشاطاً متزايداً في الإنشاءات (الإسرائيلية) وما يتبعها من خدمات وتسهيلات للاستيطان تتراجع حركة الإسكان العربي أمام الضغوط والعراقيل التي تضعها السلطات المحتلة لإكراه السكان على الجلاء.

 

 

الفصل الثالث

 

العبث بالممتلكات الثقافية

تعرضت الأراضي العربية المحتلة إلى إجراءات التعدي (الإسرائيلي) على التراث الثقافي وممارسات التنقيب الأثري والبحث غير المشروع في المواقع الأثرية، لنهبها أو طمس معالمها أو تشويه مدلولات آثارها أو انتحال تلك الآثار. وهذا ما دفع منظمة اليونسكو المهتمة بالمحافظة على التراث الثقافي الإنساني أن تولي هذا الموضوع قدراً كبيراً من اهتمامها.

وقد تمثل  العبث (الإسرائيلي) بالممتلكات الثقافية في القدس في جوانب عديدة تبغي طمس آثار الحضارة العربية وإضفاء الصفة (الإسرائيلية) على كل التراث الحضاري.

 

1- الحفريات:
تحاول سلطات الاحتلال أن تستعين بالحفريات الأثرية لتتخذ منها وسيلة تدعم بها ما تدعيه من حق تاريخي في فلسطين عامة وفي القدس خاصة. وحدد علماء الآثار ورجال الدين في (إسرائيل) أهداف الحفريات بما يلي:

أ- الكشف الأثري على الحائطين الجنوبي والغربي للحرم الشريف وعلى امتداد طوله 485 متراً توطئة لكشف ما يسمونه بحائط المبكى.

ب- هدم وإزالة جميع المباني الإسلامية الملاصقة من معاهد ومساجد وأسواق ومساكن قائمة فوق منطقة الحفريات وملاصقة أو مجاورة لهذا الحائط وعلى طول امتداده.

ج- الاستيلاء بعدها على الحرم الشريف وإنشاء الهيكل الكبير .وكانت الحفريات الأثرية منذ أكثر من قرن 1864- 1868، قد فشلت في العثور على إثباتات قاطعة مقنعة من آثار الهيكل أو آثار مدينة داود أو عهد سليمان.

وقد قامت مديرية الآثار (الإسرائيلية) بعد حرب 1967 مباشرة باعتبار القسم العربي من القدس مندمجاً بالقسم الغربي (الإسرائيلي) وأنه يشكل وحدة أثرية تخضع لقانون الآثار (الإسرائيلي). وفي 8/8/1967 نشرت الجروساليم بوست خبراً عنوانه (الحاجة إلى تخلية 82 متراً من حائط المبكى)، أي حائط البراق الشريف.
وفي 15/7/1968 أشارت الجريدة نفسها إلى قيام فرق عديدة من مهندسي الآثار في (إسرائيل) ومن الخارج بإجراء حفريات في أكثر من أربعين محلاً تحت إشراف دائرة الآثار (الإسرائيلية)، وأبرز هذه الحفريات هي التي أجراها بنيامين مازار (الجامعة العبرية) عند  الحائط الجنوبي لما يسمى جبل الهيكل (المسجد الأقصى في البلدة القديمة) باسم جمعية الاستكشاف (الإسرائيلي).
وقد أصدر مازار رئيس بعثة الحفريات نتائج الفصل الأول من عمل البعثة لعام 1968 في كتاب عنوانه (الحفريات في القدس القديمة) .
وهذه الحفريات يعتبرها المرحلة الأولى في الخطة الرئيسية التي وضعتها (إسرائيل) بشأن القدس. وينوه الكاتب بالمساعدات المادية التي تلقتها البعثة من الهيئات والمؤسسات (الإسرائيلية) الخارجية. كما يستعرض أسماء الذين ساهموا بالعمل من أساتذة وطلبة وعمال. وقد تركزت الحفريات الأولى في المنطقة المفتوحة المعروفة بأرض الخاتونية، وكان العامل الأساسي وراء اختيار هذه المنطقة للحفر (كما يذكر الكتاب) هو الرغبة في حل مشاكل الطوبوغرافيا الأساسية
في القدس القديمة، وتتبع النمو التاريخي للاستقرار في هذا الجزء الهام من المدينة، ويتوسع الكتاب في ذكر تفاصيل أعماق الحوائط التي جرت الحفريات حولها. وقد أمكن بفضل الحفريات – كما يقول الكاتب- تحديد إستراتيجية أربع حقب – الفترة العربية، الفترة البيزنطية والفترة الرومانية، والفترة من هيرودوس إلى أن تم تدمير المعبد الثاني. وحفل الكتاب بالعديد من الصور التي تبين مواقع الحفريات والأعمال التي وصلت إليها والعملات والقوارير التي عثر عليها وكذلك بعدد من الرسوم البيانية والتوضيحية لأعمال الحفريات.
والملاحظ أن هذا النوع من الحفريات – حتى إذا التزم، جدلاً، بأساليب تقنية أو منهج أثري – هو تنقيب، موجه لخدمة أغراض التعصب الصهيوني والاحتلال (الإسرائيلي)، وليس لمعرفة الحقيقة الموضوعية. لذا فإنه لا يمكن لعلماء الآثار والمؤرخين أن يقتنعوا بأية معلومات أثرية أو عملية أو تاريخية تنتج عن الحفريات لعدم النزاهة العلمية للقائمين عليها، كما ثبت في كثير من حفرياتهم، لأن ما يريده هؤلاء هو إثبات حقهم في العودة إلى الأراضي المقدسة والتجاهل المتعمد للحضارات الأخرى. ويظهر هذا واضحاً في الكتاب الذي وضعه مازار إذ أنه من الناحية الأثرية الصرفة يمكن إيراد الملاحظات التالية.

أ‌- أنه يحاول أن يثبت الطبوغرافية التاريخية بالنصوص التي وردت في ما كتبه المؤرخ اليهودي (يوسفوس) وفي غير ذلك من الأسفار والمصادر اليهودية، والمفروض أن التنقيب الأثري هو الذي يحقق صحة هذه المصادر.

ب‌- المنقب يرجع الجدار الجنوبي للحرم القدسي. والبلاط الذي يسايره، وبعض المعالم إلى عهد (هيرود) الهيكل الثاني اعتماداً على الأقاويل دون أي مستند أثري والعثور على كسرات مبعثرة أوهى من أن تحدد تاريخ البناء.

ت‌- وقد عثر مازار – كما يقول – على حجارة متساقطة زعم أنها من تهديم المباني الهيرودية، دون أي دليل، ويمكن أن ترد إلى منشآت العهد الروماني في القدس.

ث‌- يستنتج كاتب البحث أن اكتشاف حوضين في السوية الأموية أنهما جزء من مصبغة ثم يزعم أنه طالما كان اليهود معروفين بالعمل في هذا المجال فإن هذا القسم هو الحي اليهودي في ذلك العهد.
وقد شملت الحفريات (الإسرائيلية) في القدس بعد 1967 على الأقسام التالية :

 

1- الحفريات في الأقسام الملاصقة لأسوار الحرم الشريف في الجهتين الجنوبية والغربية مبتدئة من نقطة تقع في أسفل الحائط للمسجد الأقصى، وتسير ملاصقة حتى الزاوية الجنوبية الغربية للحرم الشريف من الخارج، ومنها تتجه شمالاً على محاذاة الحائط حتى تصل إلى مدخل الحرم الشريف في باب المغاربة، وتنقطع عند مدخل البراق الشريف، لتعود إلى الاستئناف من بقعة في محاذاة الحائط الغربي للحرم تقع أسفل عمارة المحكمة الشرعية القديمة. ثم تمر شمالاً بأسفل مدخل الحرم الثاني عند باب السلسلة، وتسير تحت مئات من الأبنية الوقفية مارة بخمسة مداخل أخرى للحرم الشريف هي أبواب السلسلة. المطهرة، القطانين، الحديد، وأخيراً باب علاء الدين البصيري المعروف بباب الناظر أو بباب الحبس. وقد امتدت هذه الحفريات مسافة 230 متراً وبعمق 9 أمتار.

 

2- حفريات في أراضي الوقف الإسلامي الواقعة ما بين الزاوية الفخرية ومدخل الحرم الشريف المسمى بباب المغاربة.


3- حفريات في المنطقة الواقعة جنوب غربي حائط الحرم الشريف وصلت إلى عمق 35 متراً واشتملت على الدهاليز والأقبية الواقعة تحت عمارة المحكمة الشرعية.

4- حفريات في بستان الأرمن بالقدس القديمة بالإضافة إلى حفريات جبل صهيون من قبل دائرة الآثار (الإسرائيلية) (بإشراف بروشي) منذ مطلع تموز عام 1970 .


5- الحفريات التي قامت بها في يونيو/حزيران 1973 جماعة المتدينين اليهود بحثاً عن قبور يهودية قديمة أسفل جبل  الزيتون على طريق القدس – رأس العامود، وعلى حافة الطريق المؤدي إلى زادي سلوان، ونتج عنها إغلاق هذا الطريق.

قامت معظم هذه الحفريات في البلدة القديمة وفي منطقة الحرم الشريف بوجه خاص وهي منطقة تعتبر ذروة في التقاليد الإسلامية والمسيحية واليهودية بالنسبة لأي موقع آخر في العالم، وجرت معظمها تحت ستار البحث عن ممرات سهلة الوصول إلى حائط  المبكى لتأكيد المزاعم بوجود هيكل سليمان في تلك المنطقة . وتشغل منطقة الحرم الشريف (التي تشمل المسجد الأقصى وقبة الصخرة) سدس مساحة القدس المسورة. وتعتبر بما فيها من مساجد وقباب وما يحيط بها من مآذن وأسوار، حرماً إسلامياً مقدساً ( جاء ذلك في قرار لجنة (شو) في زمن الانتداب 1930 التي أقرت بأن السور وما في داخل الحرم ملك إسلامي).
وما تزال هذه الحفريات مستمرة متحدية جميع قرارات منظمة اليونسكو والأمم المتحدة التي أدانتها لما تشكله من خطر على آثار القدس وتغيير معالمها التاريخية. وادعت الحكومة (الإسرائيلية) أنها (احتراماً منها للحريات الجامعية ليست مؤهلة للأمر بإيقاف الحفائر الأثرية الجارية )، مع أنه لم يكن في الإمكان إجراء هذه الحفريات الأثرية إلا بعد موافقة وترخيص الحكومة التي اتخذت لهذا الغرض تدابير تشريعية وتنظيمية وإجراءات نزع الملكية، وقد أدانتها الأمم المتحدة كلها وطالبت بإلغائها مختلف أجهزتها. ومن الملاحظ أن الحفريات تستهدف الاستكشافات ظاهراً، ولكنها فعلاً، قد اتخذت وسيلة لتصديع ما فوقها من أبنية سكنية وتجارية ودينية وحضارية، والتسبب في انهيارها ثم هدمها وإجلاء سكانها وهو الجزء الأساسي من أطماع (إسرائيل). وقد أثبت للهيئة الإسلامية والمسؤولين في الأوقاف الإسلامية في القدس أن الحفريات على امتداد الجدار الغربي للحرم الشريف هي المسبب للانهيارات والتشققات التي تحدث في البنايات التاريخية كما حدث في رباط الكرد والمدرسة الجوهرية سنة 1972 وكلاهما في منتصف الحائط الغربي للحرم، كما أصبحت تنذر بخطر انهيار المدرسة العثمانية (وهي بناية مملوكية) بعد أن حدث هبوط في المدخل الداخلي للبناء في 19/12/1975 نتيجة النفق الذي تقوم به وزارة الأديان تحت العمارة. الخطر ما زال يتهدد بانهيار 300 عقار ملاصق ومجاور وتشريد أهلها. كما دلت التقارير أن الحفريات خلف الحائط الجنوبي للحرم الشريف قد اخترقت أساسات المسجد الأقصى في أربعة مواقع وتوغلت في الأروقة السفلية منه وفي أروقة الأبنية والآبار الملاصقة داخل الحرم. وكشف الأمر حين كان عمال الأوقاف يقومون بتدعيم وإسناد أساسات المسجد لتقويته بعد أن تضعضع من جراء الحريق في 21/8/1969، وقد وجد العمال فراغاً واسعاً وأعمال حفريات، ونفقاً طويلاً، وأدى مسارهم إلى فتحة خارج حائط الأقصى الجنوبي وخارج السور المؤدي إلى الأرض الوقفية المعروفة بأرض الإمام وهي ملاصقة للأقصى وللحرم من الجهة الجنوبية المطلة على سلوان، وقد عانت البلدة القديمة كثيراً نتيجة الحفريات، فقد تركت الفتحات الكبيرة في الطرقات، وتطايرت الأتربة وتعذر المرور.

 

2- الاستيلاء على الممتلكات الثقافية :

أ- المتحف الفلسطيني الأثري:


اعتبرت السلطات (الإسرائيلية) المحتلة المتحف الفلسطيني ملكاً لحكومة (إسرائيل) فأعلنت تبعيته لدائرة الآثار (الإسرائيلية) بجميع محتوياته ووضعت لوحة بذلك عند المدخل الشمالي الرئيسي. وقد بدأت المخالفات (الإسرائيلية) منذ الأيام الأولى للاحتلال باقتحام القوات العسكرية للمتحف وإتلاف بعض أجزائه. وقد نقلت جريدة الجروساليم بوست (3/7/1967) عن ابراطام بيران مدير دائرة الآثار (الإسرائيلية) أخبار القتال العنيف الذي جرى حوله قبل أن تتمكن القوات (الإسرائيلية) من التقدم نحو البلدة القديمة، ومعنى هذا أن ممتلكات المتحف الثقافية قد تعرضت لخطر التخريب، وبعد شهر أعادت السلطات (الإسرائيلية) موظفي المتحف إلى عملهم كموظفين في الحكومة (الإسرائيلية) أي أنهم أصبحوا خاضعين لعدد كبير من موظفي دائرة الآثار والمتاحف (الإسرائيلية)، كما حلت محل اللوحات التي كانت تحمل التوضيحات باللغتين العربية والإنجليزية، لوحات باللغة العبرية وحدها، واحتوى المدخل المخصص لبيع على مجموعة كبيرة من الموضوعات ذات المحتوى السياسي والدعائي ومنها ميداليات ذكرى حرب 1967. وبمناسبة ذكرى مرور 20 سنة تخليداً لذكرى فرقة سقطت أثناء الحرب (1948). وقد اتخذ المتحف الفلسطيني مركزاً لعرض بعض الأشياء الأثرية التي تدعم الادعاءات اليهودية، كالمعرض الخاص بالمستوطنين الأقدمين في وادي الأردن بين الألف الثامن والألف الخامس قبل الميلاد .
وقد ادعت دائرة الآثار (الإسرائيلية) أن مقتنيات المتحف الفلسطيني قد عوملت بصورة سيئة في الفترة التي سبقت 1967  ولذا عمدت إلى اتخاذ خطوات تمهيدية نحو نقل محتويات المتحف إلى (إسرائيل)، كما جرى للمخطوطات الأثرية النادرة (مخطوطات لاشيش) حيث نقلت إلى المتحف (الإسرائيلي) بحجة تنظيم معرض للمخطوطات. وهو ما يخشى أن يحدث لمخطوطات البحر الميت.

ب- مخطوطات البحر الميت:


وكانت هذه المخطوطات اكتشفت صدفة، منذ عشرين سنة في كهوف قرية وادي قمران على شواطئ البحر الميت جنوب أريحا، وهي على شكل وثائق من البردى ملفوفة ومغلفة بخرق من القماش ومحفوظة في جرار. وقد بيعت المجموعة الأولى منها في الولايات المتحدة الأمريكية وتم نشرها، وأسفر التنقيب في الكهوف المجاورة عن كشف قطع جديدة عهد بدراستها إلى فريق من الاختصاصيين الدوليين رئاسة الأب دوفو وهو عالم آثار من رهبانية الدومنكيين في مدرسة القدس الفرنسية. والمخطوطات هي نصوص من العهد القديم وكذلك كتابات من العهد الجديد لم تكن معروفة سابقاً مكتوبة بالعبرية والآرامية، إذ لم يكن في السابق سوى نصوص مكتوبة بين العهدين أي القديم والجديد، ثم الكتابات الحاخامية اللاحقة بقرن أو بقرنين لأعمال المسيح والرسل، ولذا فإن أهمية المخطوطات تعمد إلى أنها تلقي أضواء جديدة على التاريخ المسيحي والتاريخ اليهودي.
وكانت هذه المخطوطات أهم كنوز المتحف الفلسطيني  ، وقد قامت السلطات (الإسرائيلية) في أيام الاحتلال الأولى بسحب مجموعة هامة من هذه المخطوطات بدعوى المحافظ عليها، وتشكل هذه المخطوطات قسماً من معرض المخطوطات المسمى سيشونيان، وخاصة الجزء الخاص بالمزامير منها، ورغم ادعاء مدير الآثار (الإسرائيلي) أبراهام بيران أن مخطوطات (الميت) المعروضة في المتحف (الإسرائيلي) موجودة بشكل مؤقت وستعاد في وقت قريب إلى متحف (روكفلر) في (القدس العربية)، إلا أنه لم تتم إعادة هذه المخطوطات، وقد تكررت تصريحات المسؤولين (الإسرائيليين) بأن المخطوطات تعرضت للتلف في المتحف الفلسطيني وتآكلت بسبب الحشرات، لذا فإن نقلها كان من أجل المحافظة عليها وإجراء بعض المعالجات لها  ، ويعد هذا مخالفاً للمواثيق الدولية التي تحظر نقل الممتلكات الثقافية من منطقة محتلة إلى منطقة أجنبية.
وقامت (إسرائيل) بمخالفة الالتزامات الدولية المتعلقة بهذه المخطوطات: من قبيل ذلك أن المجلس الدولي كان قد أمضى عقداً مع السيدة (إليزابيث هاي باختل) بأنه في مقابل تقديمها دفعة مالية لحقوق نشر مخطوطة المزامير، فإن هذه المخطوطة ستبقى معروضة بصورة دائمة في المتحف الفلسطيني ولا تنقل من مكانها إلا لغرض عرضها بعض الأحيان في معارض أجنبية، وأنه من حق السيدة باختل المطالبة بإعادة مخطوطات المزامير إلى المتحف الفلسطيني وعرضها فيه، وهناك أمر آخر وهو أن معظم قطع المخطوطات التي اكتشفت في الكهف رقم (4) كانت قيد الدراسة منذ 1955 من قبل فريق دولي في المتحف الفلسطيني (وكان الأب دوفو الدومنيكاني الفرنسي يرأس هذا الفريق وتبعه الأب بنوا) . وبعد 1967 رفض العلماء النشر تحت الرعاية (الإسرائيلية)، بعد أن أعلن (الإسرائيليون) حرصهم على ادعاء الوصاية على مشروع النشر. وقد تم الاتفاق بين إبراهام بيران مدير دائرة الآثار (الإسرائيلية)، وايغال يادين (الجامعة العبرية حينذاك ورئيس الأركان السابق) مع الأب بنوا لاستئناف نشر المخطوطات دون ذكر (إسرائيل) على المجلدات التي طبعت تحت عنوان (اكتشافات في صحراء يهودا) .
وقد قام ايغال يادين خلال حرب 1967 بالاستيلاء على مخطوط الهيكل، وهو أطول تسع مخطوطات كاملة وجدت حتى الآن من مخطوطات الميت، ويلقي ضوءاً كبيراً على جذور المسيحية (وعلاقتها باليهودية). وقد تولى يادين (مصادرة المخطوط بالقوة) من تاجر عاديات عربي في بيت لحم اسمه اسكندر شاهين معروف لعلماء الآثار باسم كاندو. وادعى يادين بأنه قد أنقذه من التلف لخدمة العلم. وهذا الشراء باطل لأنه يخص الأردن وملكية (إسرائيل) له تتناقض مع الاتفاقيات الدولية لحماية الممتلكات الثقافية في المناطق المحتلة (وهذا ما أوضحته مذكرة البروفسور لاب العالم الأمريكي الأثري).

ج- سرقات أثرية أخرى:
جرت منذ حرب 1967 بيع مكتشفات أثرية في الخفاء بواسطة تجار العاديات كما سمحت السلطات لغير المختصين بعمليات هي أقرب إلى عمليات النهب منها إلى عمليات علمية سليمة بقصد الحصول على الآثار والاتجار فيها، مما يضر ضرراً بليغاً من وجهة النظر العلمية بالناحية التاريخية، كما أن هذه المكتشفات هي ملك ثقافي عربي يحظر نقلها من المنطقة المحتلة.

3- انتهاك المقدسات الإسلامية والمسيحية:
تعرضت المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس لاعتداءات بدأت منذ احتلال القسم الأول في القدس 1948 وكان أبلغها ما جرى لمقبرة مأمن الله في القدس الجديدة، تدنيسها مع ما حولها من مقابر، واستغلالها لأغراض البناء. كما جرى الأمر نفسه لبعض المقابر المسيحية، وقد تعرضت قبة الصخرة وكنيسة القيامة وكنيسة نوتردام إلى أعمال القصف خلال أحداث حرب 1948.
وبعد عدوان 1967 أصبحت جميع الأماكن الإسلامية والمسيحية تحت الاحتلال (الإسرائيلي). ومما يعني بالتالي تعريض هذه المقدسات إلى مزيد من الاعتداءات وكذلك من الانتهاكات  ، مع كل ما تدعيه السلطات من حرية العبادة التامة وحرية الوصول إلى الأماكن المقدسة.

أ- المقدسات الإسلامية:
استملاك ومصادرة وهدم ونسف العقارات الوقفية الملاصقة للمسجد في الغرب والجنوب.
احتلال باب المغاربة، أحد أبواب الحرم الشريف الملاصق للمسجد الأقصى من الغرب وإقامة مركز عسكري (إسرائيلي) فيه وإباحة الدخول إليه من قبل جميع الزوار (الإسرائيليين) دون رقابة موظفي الوقف الإسلامي.
إجراء حفريات عميقة خلف المسجد الأقصى.
محاولة شراء ساحة الحرم الشريف من قبل أمريكيين يدعون أنهم ينتمون إلى أحد المحافل الماسونية.
يمثل حريق المسجد الأقصى 21/8/1969 الذي يعد جزءاً ثميناً من التراث الإنساني، أصرح مثال على عدوان (إسرائيل) على المقدسات الدينية وعلى الممتلكات الثقافية في الأرض المحتلة، وهو يعتبر عملاً سياسياً بالدرجة الأولى وإن اتخذ شكلاً دينياً، ولم يكن ضد مشاعر المسلمين والعرب فقط، بل ضد مشاعر أي إنسان يحترم مقدساته وتراثه، وهو موقف عنصري يعكس فهم (إسرائيل) والصهيونية للحضارة .
وقد نشب الحريق في الصباح الباكر، إلا أن السلطات (الإسرائيلية) لم تسمح بإذاعة خبر الحريق إلى بعد ساعة وثلث من نشوبه، وقد تباطأت السلطات (الإسرائيلية) في إطفاء الحريق وحاولت تبرير هذا التباطؤ بوجود حشود كثيرة من المواطنين العرب مما عطل رجال المطافئ، وقد انهار جانب من سطح المسجد الأقصى، وقد أتت النار على الجناح الجنوبي والشرقي بما في ذلك المنبر المطعم بالعاج الذي أقيم في عهد صلاح الدين، كما أصاب الحريق سقف المسجد بأضرار جسيمة، وقد لاحظ المراقبون في القدس (وخاصة المهندسون العرب الذين انتدبتهم الهيئة الإسلامية في القدس) أن الدمار في المسجد يكاد يكون كاملاً، كما لاحظوا أن النيران قد اندلعت من نقطة معينة وبشكل كبير جداً، الأمر الذي يؤكد أن الحريق نتج عن إشعال النار فعلاً. وقد استمر الحريق أكثر من أربع ساعات كاملة، وشاركت الأيدي العربية في إخماد النيران القوية، وكانت مياه البلدية لدى سلطات الاحتلال قد قطعت من منطقة الحرم الشريف فور ظهور الحريق، كما تأخر وصول سيارات الإطفاء التابعة لبلدية الاحتلال ومباشرتها عملية الإطفاء. وساعد على إخماد الحريق إطفائيات بلديتي رام الله والخليل  ، وقد حاولت السلطات في بادئ الأمر إلصاق تهمة الحريق بشركة كهرباء القدس، إلا أن مبادرة الشركة بإرسال مهندسيها وبقطع التيار الكهربائي عن الموقع فور كشف الحريق، والإعلان عن سلامة الشبكة الكهربائية الموزعة والموصلة، ونفي وجود أي علاقة بين  الكهرباء والحريق، فوتت على تلك السلطات محاولة إلصاق تهمة الحريق بها، مما دفعها إلى إلصاق التهمة بشاب استرالي، ألفت له محكمة صورية، ولفقت أدلة جنونه ثم وضعته في مستشفى للأمراض العقلية لفترة وبعد ذلك أخلت سبيله وأعلنت عن عودته لاستراليا. ولا يزال الخوف قائماً على المسجد الأقصى من أي اعتداء (إسرائيلي) آخر، خاصة، وأن السلطات تضع العراقيل أمام القيام بالترميم وطالبت البلدية لجنة إعمار المسجد الأقصى استصدار رخصة قبل أي إعمار .
استمرار الاستيلاء على المدرسة (التنكزية ) وبهذا لا يتسنى للهيئة الإسلامية السيطرة على الحرم الشريف في هذا الاتجاه بعد أن تكررت المحاولات في الناحية الغربية.
الاستيلاء بالقوة على جانب من الزاوية الفخرية واستعمالها من قبل الجيش (الإسرائيلي) كمركز عسكري.
استمرار إقامة مظاهرات وصلوات دينية يهودية في ساحات الحرم الشريف وأمام مداخل المسجدين الأقصى والصخرة المشرفة، والتحريض على إزالتهما وطمس معالمهما. والتي تقوم بها الجماعات المتطرفة الدينية (أعضاء حركة بينار)، وقد تكررت حوادث اعتداء هؤلاء على الحرم بطريقة أو بأخرى دون أن تقوم السلطات بمسؤوليتها تجاه سلامة الحرم. ويؤكد زعيم هذه الدوائر المتطرفة (سلومون) أن السلطات (الإسرائيلية) ستضطر في المستقبل إلى إيجاد وسيلة تسمح بصلاة اليهود في الحرم القدسي وخاصة بعد أن قرر كبير حاخامي اليهود الغربيين في (إسرائيل) السماح لليهود بمقتضى الشريعة اليهودية أداء الصلاة في ساحة الحرم الشريف.

ب- تناولت الاعتداءات (الإسرائيلية) المقدسات المسيحية أيضاً بما لا يقل عما لقيته المقدسات الإسلامية من استهداف لإذابتها وطمس معالمها ومساس قدسيتها:
فقد تعرضت كنيسة القيامة، وهي أكبر وأقدم كنيسة مسيحية في القدس وفي العالم، خلال سنوات الاحتلال، إلى عدة انتهاكات فقد سرقت تاج السيدة العذراء في أواخر 1967 من قبل بعض (الإسرائيليين) وأعيد بعد سرقة جواهره الثمينة. وقام (إسرائيلي) أمريكي بتحطيم قناديل الزيت والشموع التي فوق القبر المقدس في مدخل الكنيسة 24/3/1971.
تعرض دير الأقباط ليلة عيد الميلاد 25/12/1970 إلى اعتداء على ممتلكاته ورهبانه من قبل عدد من رجال البوليس (الإسرائيلي)، كما أحرق بعض (الإسرائيليون) المتعصبون في 6/2/1973 المركز الدولي للكتاب المقدس على جبل الزيتون، وأحرقت أربع مراكز مسيحية في القدس في 11/2/1974. وفي مايو 1974 أدين شاب وشابة بحرق مؤسسات مسيحية في القدس وخفضت الأحكام من قبل محكمة العدل.
ومن الأماكن المسيحية الأخرى التي عبثت بها السلطات:
دير القديس جاورجيوس الأرثوذكسي في جبل صهيون، كنيسة نوتردام دي فرانس، دير الراهبات، دير الآباء البندكيين، قصر القاصد الرسولي الذي يحميه علم البابوية، المدرسة الاكليركية، كما استولت سلطات الاحتلال على مقابر المسيحيين الأثرية القديمة، والواقعة في جبل صهيون وهدموا الكثير من قبور الموزاييك والرخام.
تعرض رجال الدين المسيحي إلى حملة ضغوط لإجبارهم على التنازل عن مساحات من أراضي وعقارات الأماكن المقدسة. وخسرت الكنيسة المسيحية في القدس، وهي التي كانت طيلة الأجيال السابقة، تسعى لضم المزيد لأملاكها في المدينة المقدسة، المواقع التالية:
أراضي أحياء المصلبة والقطمون، وكرم الرهبان الواقع بين محطة سكة الحديد وفندق الملك داود بالقدس، وتضم مساحات واسعة في أراضي غرب القدس وكلها أجرتها بطريركية الروم الأرثوذكس للسلطات (الإسرائيلية) لمدة 99 سنة، وقد أقيمت على هذه الأراضي أحياء يهودية متعددة.
مدرسة شنلر الألمانية والمعروفة باسم مدرسة الأيتام السورية، ومعها مساحة واسعة من الأرض، وعدد كبير من الأبنية، وتقع شمال القدس، كانت تملكها جمعية خيرية ألمانية، اضطرت لبيعها إلى سلطات الاحتلال (الإسرائيلي) تحت التهديد.
أراضي وأبنية الكنيسة الروسية البيضاء، والمعروفة (بالمسكوبية) وتقع في وسط القدس، وتضم مساحة واسعة من الأرض، وعدداً من العمارات الضخمة والتي منها المستشفى الحكومي وعمارات المحاكم النظامية وقيادة البوليس والسجن المركزي، وجميعها تنازلت عنها الكنيسة الروسية البيضاء تحت التهديد.
تعرض الكثيرون من رجال الدين المسيحي لحملة إرهاب داخل الكنائس والأديرة وفي فترات متعددة منها ما جرى لرهبان دير الأقباط، ليلة عيد الميلاد 25/12/1970 من اعتداء رجال الشرطة (الإسرائيليين)، وكذلك الاعتداء بالضرب على المطران فاسيليوس، الرجل الثاني في البطريركية الأرثوذكسية، وفي أغسطس/آب 1974 اعتقل المطران ايلاريون كبوشي بتهمة التعاون مع المنظمات الفدائية وصدر الحكم في كانون الثاني 1974 باعتقاله لاثني عشر عاماً، وهو حكم يعبر عن منطق الاحتلال وانتهاكه للقيم الأخلاقية والروحية.

 

4- تغيير معالم القدس:
إن القدس هي جزء ثمين من تراث الإنسانية. تحمل معالمها قروناً من التاريخ، تتحول الآن تحت الاحتلال (الإسرائيلي) وبسبب الاستمرار في مشاريع الاستيطان والتخطيط (الإسرائيليين) إلى مدينة عصرية تشبه نيويورك ولوس انجلوس مما يسلب القدس روحانيتها وعروبتها، ويتجاهل طبيعة المنطقة التاريخية والدينية، ويهمل الناحية الجمالية التي حرصت جميع العهود على المحافظة عليها. وكان للاعتبارات السياسية الإستراتيجية المكانة الأولى في تخطيط عملية الاستيطان لإحكام السيادة (الإسرائيلية) على المدينة،يضاف إلى ذلك اعتبارات مادية بحتة لإرضاء المستثمرين والسواح (ومعظمهم من الولايات المتحدة) بإقامة مشاريع ضخمة في الفنادق والمباني الضخمة، ومنح رخص البناء لوحدات سكنية شاهقة تساهم في تشويه معالم المدينة التاريخية.
وقد أثار هذا التغيير موجة من الانتقادات العالمية تدين هذا العمل وتطالب بوقف تنفيذه، والحفاظ على طابع المدينة الديني والحضاري وهدم جميع ما بني من عمارات متعددة الطبقات على الهضاب المحيطة بالقدس. وقد لاحظ  مراسل جريدة التايمز اللندنية 15حزيران 1973 بأن برنامج البناء الذي مارسته (إسرائيل) منذ 1967 قد غير طبيعة المدينة نحو الأسوأ وبشكل خطير. وبرأيه لو استمر تنفيذ مشاريع الوحدات الضخمة (فإن هذه المدينة المقدسة التي وقفت شامخة عبر آلاف السنين من الحرب والصراع، محكوم عليها بالفناء في أقل من عشر سنوات دون أن يمتشق حسام أو تطلق رصاصة واحدة).
واستكمالاً لطمس معالم المدينة التاريخية عمدت السلطات إلى تغيير أسماء الشوارع والساحات العربية واستبدالها بأخرى علمية، مع أن لكل من الأسماء المستدلة دلالة ترتبط كلها بتراث العرب في المدينة.

5-  تعمد السلطة إلى نشر الفساد الأخلاقي في المدينة المقدسة بتشجيع انتشار الملاهي الليلية، وإغراق المدينة بالأفلام الخليعة. وينتهك (الإسرائيليون) قدسية المدينة بالسلوك والمظهر غير اللائقين، وبنشر المخدرات. كما تشجع شرطة المدينة حرب العصابات والجريمة داخل المدينة بسماحها لكثير من (الإسرائيليين) المعروفين بسوء السلوك بحمل الأسلحة النارية بحجة الدفاع عن النفس ضد السكان العرب.


الفصل الرابع

 

المواجهة العربية للعدوان (الإسرائيلي) على القدس

 

أ- المواجهة المحلية (داخل القدس)
اتخذت المواجهة المحلية أسلوبين: المقاومة المسلحة التي واجه فيها عرب القدس – كإخوانهم عرب الأرض المحتلة – العدو (الإسرائيلي) بوضع المتفجرات السلبية التي اتخذت في أغلب الأحيان صيغة عدم التعاون مع السلطات المحتلة، والمظاهرات وإغلاق المتاجر ومذكرات الاحتجاج ومحاولات وقف البيع، ومنع الهجرة لدعم الصمود. ومع أن هذه الجهود كانت متفرقة وبوسائل محدودة، إلا أنها كانت كافية حتى تسقط نظرية (التعايش) وكل النظريات والحسابات التي وضعتها سلطات الاحتلال لتهويد المدينة أرضاً وسكاناً وحضارة. وأقر تيدي كوليك رئيس بلدية الاحتلال ( بأن العرب في القدس لا يريدون التعايش مع اليهود ولم تفلح كل الوسائل لإذابة عنادهم وصمودهم) .

1- عبرت المقاومة العربية ضد الاحتلال (الإسرائيلي) عن نفسها بأعمال فدائية قامت بها مجموعات صغيرة على أهداف (إسرائيلية) مدنية وعسكرية، وكانت هذه العمليات تتصاعد مع تقادم الاحتلال وتتجاوب مع سائر حركات المقاومة داخل الأرض المحتلة والأمثلة عليها كثيرة :
تفجيرات في سوق القدس (سوبر ماركت) تشرين ثاني 1968، تشرين ثاني 1974، وتفجيرات أخرى في أجزاء متفرقة من القطاع (الإسرائيلي) في المدينة والمستوطنات المحيطة بها. عبوات ناسفة في المنطقة الصناعية في تل بيوت نيسان 1975. حادث تفجير سيارة بيجو قرب فندق أيال في القدس تشرين أول 1975. انفجار في المجمع التجاري في رامات أشكول كانون ثاني 1976. انفجار عبوة ناسفة في دراجة في شارع بني يهودا أيار 1976.
ونشرت هذه الأعمال جواً من عدم الأمن بين سكان القدس (الإسرائيليين)، وضاعفت السلطة إجراءاتها الأمنية تجنباً لأي طارئ. وعززت قوات الأمن في العاصمة، حتى أنها لجأت إلى استخدام محطة متحركة في ساحة صهيون داخل ناقلة مزودة بأجهزة اتصال مختلفة بهدف التقليل من الأضرار التي قد تقع نتيجة تلك الأعمال. وقد تكررت تحذيرات أجهزة الأمن إلى السكان بتفتيش أبنيتهم وضرورة الانتباه إلى الأجسام المشبوهة وعدم لمسها واستدعاء الشرطة (كيس في سلة قمامة مثلاً، يثير الشبهة).
وقد تبع كل عملية فدائية تطبيق أقسى العقوبات بالمواطنين العرب فنسفت بيوت المتهمين (نسف بيت آل الملاعبي في حي شعفاط حزيران 1974 بعد أن اتهم أفراده بوضع متفجرات في سيارة أجرة في جبل المكبر، ونسفت في أرطاس قرب بيت لحم منازل الشبان الخمسة المتهمين بتفجير سيارة البيجو قرب فندق أيال). كما جرت اعتقالات واسعة في مناطق مختلفة بين سكان القدس ومعظمهم من الطلاب، بتهمة القيام بأعمال تخريبية أو الانتساب إلى منظمات فدائية أو الاشتراك بالمظاهرات أو حمل المتفجرات أو إعدادها. حتى أصبحت الاعتقالات أمراً عادياً بعد كل موجة من أعمال المقاومة، ولجأت  السلطات إلى إبعاد المشتبه بأنهم وراء أعمال المقاومة، أو محرضين عليها، بحملهم قسراً إلى الحدود الأردنية أو اللبنانية.

2- وكانت المعارضة السلبية هي الوسيلة الأخرى التي عبر بها عرب القدس عن رفضهم للإجراءات (الإسرائيلية) في المدينة وتجلت في أمثلة عديدة:
منذ الأيام الأولى للاحتلال لم يبد المواطنون أي تعاون مع السلطات المحتلة فقد رفض أصحاب الأملاك وسكانها التنازل عن أملاكهم وأراضيهم وتخليتها، وقاوموا الضغوط والاستفزازات والإغراءات المالية التي تعرضوا لها. ولم يتقدم أحد من أصحاب الأملاك العربية الذين صودرت عقاراتهم للتفاوض بشأن تعويضهم عن أملاكهم وأراضيهم المصادرة، وأوضحوا للسلطات أن أراضيهم هي جزء من أرض فلسطين وأنهم لن يتخلوا عنها بأي شكل، وقد أقرت السلطات (الإسرائيلية) بفشلها في كسب عرب القدس الذين لا يبدون أي اكتراث بالمكتب الذي أعد خصيصاً عن القدس لمعالجة قضية الأملاك.
ولم يستجب عرب القدس إلى الحملة الانتخابية لبلدية الاحتلال في القدس 28/10/1969 وأصروا على عدم ترشيح أحد منهم وعلى مقاطعة الانتخابات كلياً، مما ألجأ السلطة إلى إتباع أساليب كثيرة من التهديد والوعيد وحمل الناس بالسيارات إلى مراكز الاقتراع، مع ذلك لم يشترك في الانتخابات سوى أربعة آلاف من أصل 37 ألفاً لهم حق التصويت، وكان ذلك دليلاً على فشل السياسة التي تطمح لها (إسرائيل) في اتخاذ هذه المساهمة كمادة دعائية عن موافقة العرب على ضمهم إلى (إسرائيل).
وامتنع أصحاب الحرف والعمل والشركات والجمعيات التعاونية الحصول على ترخيص جديد بموجب القوانين والأنظمة (الإسرائيلية) (طبقاً لقانون التنظيمات القانونية والإدارية)، مما اضطر السلطات (الإسرائيلية) لإصدار ملاحق للقانون، تمنح أصحاب الاختصاص من وزرائهم التفويض الكامل بتجديد رخص جميع أصحاب المهن والحرف العرب الموجودين في المدينة تجديداً تلقائياً، وكذلك اعتبار جميع الشركات والجمعيات التعاونية وأصحاب العلامات التجارية مسجلين بموجب الأنظمة والقوانين (الإسرائيلية).
عبر أهل القدس كغيرهم من سكان الأراضي المحتلة عن رفضهم سياسة الاحتلال بالمظاهرات التي كانت تجتاح شوارع القدس بين فترة على الانتهاكات المتكررة لحرمة الأماكن المقدسة، أو تأييداً لمنظمة التحرير والقرارات الدولية المؤيدة لها، ومعلنين بذلك تجاوبهم مع كل الأحداث العربية في الخارج. وكانت هذه المظاهرات مصدر قلق للسلطات فلجأت إلى العنف، وإلى اقتحام المدارس والحوانيت، مما أدى إلى سقوط أعداد من المتظاهرين.
ولجأ أهل القدس إلى مذكرات الاحتجاج ورفعها إلى السلطات المسؤولة في الداخل مستنكرين الإجراءات (الإسرائيلية) ومطالبين بوقفها. كما توجه عرب القدس إلى الرأي العام العربي والعالمي بالمناشدة من أجل التدخل، ووضع المواثيق الدولية موضع التنفيذ (حقوق الإنسان، ميثاق جنيف، قرارات الأمم المتحدة) وقد قام بهذا العمل عدد من الهيئات في الداخل كالهيئة الإسلامية ودائرة الأوقاف وغرفة التجارة العربية في القدس وغيرها من هيئات وأفراد .
وتعددت شكاوى سكان القدس العرب بسبب ارتفاع الأسعار والزيادات المستمرة في الضرائب والتي تخالف من حيث المبدأ جميع الأنظمة والقوانين الدولية ولا تراعي مستوى المعيشة لدى السكان العرب، مما يحمل المكلفين العرب ذوي الدخل المحدود التزامات مالية كبرى.
واستنكر عرب القدس التعدي (الإسرائيلي) على القيم الثقافية في المدينة المقدسة، مستندين في موقفهم على الاتفاقات والمواثيق الدولية المتعلقة بحفظ الآثار والمواقع التاريخية لإثارة الرأي العام العالمي تجاه الجرائم الثقافية ووضع حد لها.وقد أثارت الحفريات التي جرت في الأقسام الجنوبية والغربية لحائط الحرم الشريف ردود فعل قوية، نظراً لمكانة المنطقة الدينية والتاريخية، لذا فقد بادرت الهيئة الإسلامية، منذ أن كشفت عن نية السلطات المباشرة بالحفريات إثر الخبر الذي نشرته الجروساليم بوست 8/8/1967 تحت عنوان (الحاجة إلى تخلية جدار الحرم) بادرت إلى تقديم مذكرة إلى السلطات المحلية طالبت فيها بإيقاف أي إجراء توسعي جديد. ولم تستجب السلطات (الإسرائيلية) لهذه المطالب وسمحت لهيئاتها المباشرة بالعمل.

ورفعت مذكرات احتجاج على المحاولات المتكررة للتعدي على الحرم الشريف وتحمل السلطات (الإسرائيلية) مسؤولية سلامة الحرم وتطالب بعودة الأوقاف لاستلام عقارها في المدرسة التنكزية وباب المغاربة، حتى يتسنى السيطرة على الحرم من ذلك الاتجاه. ولا يزال المسلمون في قلق دائم على مصير الحرم الشريف وعلى مصير سائر المقدسات، فتعمد إدارة الأوقاف إلى تعيين حراس ليليين في الحرم القدسي، وإلى تشكيل لجنة لحماية وصيانة هذه الأماكن وخاصة الأثرية ذات التاريخ العريق، كما تنظم حملات للتبرع ووضع برنامج للإعمار، إلا أن المحاولات (الإسرائيلية) تحول دون هذه الجهود.

وبعكس ما خططت له السلطات (الإسرائيلية) في فرض الأمر الواقع كان الوضع داخل القدس يسير نحو مزيد من الصمود للحفاظ على عروبة المدينة واعتمد السكان على وسائلهم الذاتية المحدودة:
فحاولوا الوقوف في وجه الإغراء المادي الذي عرضته السلطات المحلية لإتمام بعض الصفقات الفردية لبيع الأراضي- إذا تعذرت المصادرة – واعترفت (هاآرتس 5/9/1974) (أن بائعي الأراضي مهددون بالموت) وتحطمت محاولات متفرقة لبيع الأراضي بفضل الوعي الذي أبداه الأهالي. ونظمت حملة لوقف سيل هجرة الشباب والحيلولة دون رحيلهم بتوفير أقل متطلبات الحياة شعوراً منهم بوجوب بقائهم وصمودهم.
كما وجهت النداءات إلى المسؤولين في البلاد العربية  والأثرياء العرب لبحث كل المجالات التي يمكن فيها تأمين بقاء المواطنين فوق أرضهم وذلك بإقامة المشاريع لاستيعاب الأيدي العاملة العربية وتقديم القروض للموظفين والمزارعين وأصحاب المؤسسات الوطنية وبناء المساكن وإقامة المستشفيات والمدارس وتشجيع الكليات العربية الموجودة.

 

المواجهة العربية (خارج القدس):
اعتبر العرب عملية ضم القدس وسياسة الاحتلال (الإسرائيلي) في الأراضي العربية دليلاً على نوايا التوسع (الإسرائيلي)، وخاصة أن الزعماء السياسيين (الإسرائيليين) ما انفكوا في كل مناسبة يعلنون عن أن توسيع الأراضي (الإسرائيلية) هو هدف قومي. ولا شك أن مساندة العرب خارج الأراضي المحتلة لإخوانهم في الداخل هي مسؤولية قومية لدعم صمودهم والوقوف في وجه التحديات (الإسرائيلية) التي تبغي تفريغ الأرض واقتلاع الوجود العربي من فوق الأرض العربية، ولا يخرج اهتمام العرب بالقدس عن الاهتمام بسائر الأراضي المحتلة، إلا أن نمط الاحتلال الذي اتبع في المدينة المقدسة، قد أنذرت العرب وصلبت موقفهم تجاه (إسرائيل). وقد عبر المسؤولون العرب وبدرجات متفاوتة عن اهتمامهم بقضية القدس، حتى منذ أن اقتطع الجزء الأول منها عام 1948 وأثير موضوع التدويل وعدم التدويل، وبعد عدوان 1967 أخذ الاهتمام بعداً آخر نظراً لاستيلاء (الإسرائيليين) على كل رقعة في المدينة، وأكد المسؤولون العرب جميعاً رفضهم التفريط في المدينة وعزمهم على استعادة السيادة العربية على بيت المقدس وإعادة الوضع كما كان قبل العدوان.
واستنكرت الأوساط العربية الرسمية والمنظمات الشعبية والهيئات الدينية، التدابير التعسفية التي لجأت إليها السلطات المحتلة ضد عرب القدس وإخوانهم في الأرض المحتلة كما أظهروا تضامنهم مع نضال العرب في الداخل. ولا تزال هذه الجهود قاصرة عن حل جميع مشاكل السكان في الأراضي المحتلة وخاصة مشكلة الأيدي العاملة وهي تنتظر دعماً أوسع وعملاً أكثر تنظيماً.
ووضعت خطة إعلامية عربية تعتمد على الوثائق لطرح مشكلة الاعتداء (الإسرائيلي) على القيم الثقافية العربية (ومن ضمنها القدس) على الرأي العام العربي ومن ثم نقله بجميع الوسائل الإعلامية إلى الرأي العام العالمي:

شغلت المؤتمرات العربية للآثار بموضوع مواجهة العبث (الإسرائيلي) بالممتلكات العربية الإسلامية والمسيحية- في الأراضي المحتلة والمحافظة على تلك الممتلكات من الضياع والنهب والتشويه. فأوصى المؤتمر الخامس الذي عقد في القاهرة (بدعوة من الإدارة الثقافية في الأمانة العامة للجامعة العربية) في نيسان 1969، بأن تدعو الأمانة العامة لجنة من مندوبي الدول العربية المواجهة، ومنظمة التحرير، مهمتها جمع المعلومات حول الاعتداءات (الإسرائيلية) على الممتلكات الثقافية، مدعمة بالوثائق، ووضع تقارير عنها وتزويد أجهزة الإعلام العربي والأجنبي بها. كذلك وضع خطة موحدة لفضح الاعتداءات أمام الرأي العام العالمي وتبيان خرقها للاتفاقيات الدولية- وركز المؤتمر على بحث قضية الحفريات في الأراضي المحتلة التي تقوم بها سلطات الاحتلال وأوصى اللجنة المزمع عقدها العمل بكل الوسائل الممكنة لوقف الحفريات وعمليات الهدم في المواقع الأثرية والتاريخية. كما أنه حظر التعامل مع أية هيئة تقوم بإجراء مثل هذه الحفريات في الأراضي المحتلة، ودعا المؤتمر إلى تخصيص يوم عالمي تشترك فيه الدول العربية والمؤسسات والهيئات العلمية لإطلاع الرأي العام العالمي على ما يحدث من عبث وتدمير للممتلكات الثقافية والمقدسات الدينية والتراث الإنساني.
وانتهى المؤتمر بتوجيه نداء إلى الجهات الدولية المعنية عدد فيه الانتهاكات (الإسرائيلية) للممتلكات الثقافية العربية، والمورثات الإسلامية والمسيحية في الأراضي المحتلة، والاعتداء على المواقع الأثرية والتاريخية وتغيير معالمها مما يشكل خرقاً للاتفاقيات والتوصيات الدولية التي تقضي بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاع المسلح (وبصفة خاصة في مدينة القدس). وناشد النداء المنظمات الثقافية والمؤسسات العلمية الأثرية الدولية التعاون على إيقاف هذه الأعمال الموجهة ضد التراث العالمي والحضاري للإنسانية وضد المقدسات الدينية بقدر ما هي موجهة إلى التراث العربي. وأهاب كذلك بجميع العلماء والجامعات والأوساط العلمية بالامتناع  عن الاشتراك مع سلطات الاحتلال (الإسرائيلي) في إجراء الحفريات والقيام بأعمال التنقيب في المناطق العربية.
عقدت (اللجنة الخاصة بمواجهة عبث العدو الإسرائيلي) بالممتلكات الثقافية في الأراضي العربية المحتلة  أول اجتماع لها في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية (الإدارة الثقافية) في حزيران 1969. ووضعت توصياتها على أساس الخطوط التي رسمت في المؤتمر الخامس للآثار – وأعربت اللجنة عن ضرورة متابعة التوصيات ووضعها موضع التنفيذ من أجل استمرارها بالقيام بمهامها، كما طلبت إلى الدول المعنية إعداد دراسة عن نتائج الاعتداءات ونشرها بكل وسائل الإعلام وإعداد كتيب إعلامي عن هذا العبث وحصر البعثات والمؤسسات والمعاهد العلمية الأجنبية التي تقوم بالحفريات في الأراضي المحتلة، تمهيداً لمقاطعتها وإيقاف التعاون العلمي معها.
واستعرض الاجتماع الثاني للجنة جريمة إحراق المسجد الأقصى (ليس فقط لأن المسجد الأقصى من المعالم الدينية الإسلامية وإنما باعتباره من منائر الإشعاع العلمي والثقافي كما يعد ذا قيمة عظمى كتراث معماري وفني فريد). وكان من بين توصيات اللجنة توصية بشأن تنظيم يوم عالمي لإطلاع الرأي العام العالمي على عبث (إسرائيل) بالممتلكات الثقافية في الأراضي العربية المحتلة واقترحت أن يكون يوم الذكرى الأولى لإحراق المسجد الأقصى 21/8/1970 موعداً لتنظيم اليوم العالمي وعقد مؤتمر دولي لتدارس الموقف العدواني ضد الممتلكات الثقافية باعتبارها ملكاً للإنسانية كلها. وقد اتفق فيما بعد على أن يكتفى بتنظيم الأسبوع العالمي لفلسطين الذي أقره مجلس الجامعة في مارس/آذار 1970، وذلك رغبة في توحيد جميع المؤتمرات المتصلة بفلسطين... وفي الاجتماع الثالث للجنة 20/6/1970لم تكن اللجنة قد تلقت من الدول العربية المعنية معلومات موثقة عن الاعتداءات (الإسرائيلية) تصلح أساساً لاستيفاء البيانات والمعلومات التي تقوم عليها مناقشات اللجنة. لذا فقد تعذر دعوة اللجنة من جديد . وتابعت الإدارة العامة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ملاحقة الجهات المعنية لموافاة المنظمة بالمعلومات الضرورية لمتابعة موضوع العدوان (الإسرائيلي) على الممتلكات الثقافية.
وقد أثير موضوع هذا العدوان في مؤتمرات وزراء الإعلام العرب وفي المؤتمرات الإقليمية للجان الوطنية العربية لليونسكو من أجل رسم خطط إعلامية عربية تعتمد على الوثائق لطرح مشكلة هذا الاعتداء على الرأي العام العالمي بجميع الوسائل الإعلامية، وإيصال الاحتجاجات إلى الأوساط الدولية المهتمة برعاية الممتلكات وحماية حقوق الإنسان للمطالبة باتخاذ الإجراءات الكفيلة بردع المخالفين للاتفاقيات الدولية ووضع حد لأعمالها.
وقد اهتمت إدارة فلسطين في الأمانة العامة لجامعة الدول العربية بموضوع الحفريات (الإسرائيلية) في القدس وأدرج الموضوع في جدول أعمال مؤتمر المشرفين على شؤون الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة في الدورة السابعة (آب 1970)نظراً لما تمثله هذه الحفريات من خطر على المدينة وخرق للقرارات الدولية، وأوصى المؤتمر بإثارة هذا الموضوع في المحافل الدولية وبيان الأخطار المترتبة عليه.
ونتيجة لذلك قامت الأمانة العامة بدعوة عدد من كبار المتخصصين العرب في علم الآثار، بعد أن قدمت إليهم ما تجمع لديها من شواهد تؤكد خطط (إسرائيل) بالنسبة لمدينة القدس والمقدسات الدينية الموجودة فيها، وقد خرجت اللجنة من اجتماعها أيار 1971، بدراسات تتوخى الحقيقة العلمية في البحث والتجرد من أي غرض سياسي أو عنصري في الرد على المزاعم والادعاءات (الإسرائيلية) ذات الأغراض السياسية، وقد اعتمدت اللجنة في هذه الدراسة على تفحص نتائج الأبحاث السابقة وإثبات المتحيزة منها والمغالطة للحقيقة على ضوء البيانات الأثرية الحديثة.
وقد أعادت مؤتمرات الآثار العربية (السادس في طرابلس ليبيا 1971 ، والسابع في القاهرة، والثامن في مراكش المغرب  1977. التي دعت إليها المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم) تأكيد النداء الذي وجهه المؤتمر الخامس باسم علماء الآثار العرب والذي يدين العدوان المستمر على الممتلكات الثقافية، وخاصة ما يجري منه في مدينة القدس، ويؤكد ضرورة احترام الاتفاقيات الدولية وقرارات الهيئات الدولية- كما يهيب النداء بالمنظمات الدولية وبجميع العلماء والأوساط العلمية في العالم العمل على وقف ما يؤدي إلى تخريب وتشويه معالم التراث في الأراضي المحتلة.
وقد خرج مؤتمر الآثار الثامن بتوصية لعقد ندوة دولية عن: الآثار الفلسطينية، وتوصية أخرى لإصدار كتاب الآثار الفلسطينية، وذلك للإسهام في كشف الدعاوى الصهيونية وإظهار الحقائق التاريخية العلمية بشأن الآثار في الأرض العربية المحتلة (بما فيها القدس).
ومع أن الجهود العربية قد قصرت عن متابعة الإجراءات (الإسرائيلية) ولم يكن لها أثر حاسم في إيقاف (إسرائيل) عن التمادي في خططها نحو القدس والأراضي المحتلة عموماً، إلا أنها عملت على تحريك الرأي العام العالمي في تجاه ما يجري داخل الأرض المحتلة، وفي المدينة المقدسة بوجه الخصوص فاكتسبت القضية بذلك بعداً دولياً.


الفصل الخامس

 

القدس والمجتمع الدولي

1- قضية القدس أمام الجمعية العامة ومجلس الأمن منذ 1947 :
ظهرت قضية القدس كنتيجة مباشرة لمشروع تقسيم فلسطين 29/11/1947، فقد كان من توصيات اللجنة الخاصة التي انتدبتها الأمم المتحدة لدراسة القضية، تدويل القدس. وكانت الاعتبارات التي أوحت بالتدويل كحل لقضية القدس نابعة من النظرة الإنسانية العامة والروح العالمية التي نظر بها العالم إلى المدينة المقدسة ووجوب حمايتها من الاعتداء وحفظ المؤسسات الدينية فيها من أن تكون مركزاً أو هدفاً للأعمال العسكرية في الصراع العربي الصهيوني.
وقد عين قرار التقسيم حدود منطقة القدس بحيث تشمل مدينة القدس بكاملها وما فيها من الأحياء القديمة والحديثة، عربية ويهودية، والقرى والمدن المحيطة بمدينة القدس، ووضحت بخريطة ألحقت بالقرار. وقد قضى القرار بربط القدس بالمنطقتين العربية واليهودية المجاورتين في اتحاد اقتصادي واحد.
ورفض العرب قرار التقسيم بما فيه تدويل القدس، وانقسم موقف الصهيونيين تجاه التدويل إلا أنهم قبلوا به للحصول على الأصوات المطلوبة لإقرار التقسيم. ولكن المعارك التي تلت قرار التقسيم قد فرضت على المدينة المقدسة تقسيماً واقعياً: داخل الأسوار بيد العرب، وخارجها في منطقة القدس الجديدة بيد الصهيونيين. وأثناء الاضطرابات انتهى مجلس الوصاية (الذي أقر إنشاءه قرار التدويل) بحث مشروع النظام الخاص بمنطقة القدس الدولية وتقدم به إلى الجمعية العامة 21/4/1948 لإقراره وتعيين حاكم للمدينة.

غير أن الجمعية العامة – أثناء انعقادها في دورة استثنائية لبحث قضية فلسطين- شغلت بمحاولة إقرار هدنة في المدينة المقدسة عن طريق قناصل الدول أعضاء مجلس الأمن فيها، أو حماية جمعية الصليب الأحمر الدولية لها، ولما فشلت هذه الجهود أوصت الجمعية العامة في 6/5/1948 حكومة الانتداب بتعيين حاكم محايد لإدارة الأمور في القدس لحماية الأماكن المقدسة فيها، واختير الأمريكي هارولد ايفانز من جماعة الكويكرز، ولكنه طلب إعفاءه من منصبه لفشله في التوفيق بين الطرفين المتنازعين.

وقد عهدت الجمعية العامة بقرارها رقم 186 (14/5/1948) إلى وسيط الأمم المتحدة الكونت فولك برنادوت العمل على ضمان حماية الأماكن المقدسة، والسعي لإيجاد تسوية سلمية للموقف في فلسطين مستقبلاً. وقد قام بدراسة الوضع في فلسطين وقابل خبراء من الجانبين في رودس (حزيران 1948)، ثم قدم مقترحاته بشأن القدس وكانت جزءاً من مقترحات عامة لتسوية القضية الفلسطينية، وتولى شرحها فيما بعد في مجلس الأمن في 8/7/1948. وتلخصت مقترحاته في ضم القدس للإقليم العربي، مع حكم ذاتي بلدي للطوائف اليهودية، وترتيبات خاصة لحماية الأماكن المقدسة، وكانت وجهة نظره (كما أوضحها في رسالة إلى شرتوك وزير خارجية (إسرائيل)) (.. إن مدينة القدس تقع في وسط الإقليم العربي، وإن أي محاولة لعزلها سياسياً أو غير ذلك عن الإقليم العربي المحيط بها، تنطوي على صعاب جمة، ولا يعني إدخال القدس ضمن الإقليم العربي مجال سيطرة  العرب على اليهود وغيرهم من الشعوب غير العربية أصحاب المصالح في تلك المدينة). وقد عاد الوسيط الدولي فيما بعد – وخاصة مع انقلاب موازين القوى في فلسطين بعد الهدنة الأولى – إلى مشروع التدويل بجعل القدس تحت إشراف وإدارة مباشرة للأمم المتحدة، مع إعطاء كل من سكانها العرب واليهود حق الاستقلال بشؤونهم المحلية، إلا أن موقفه الأول بشأن القدس قد أدى إلى مقتله على يد الصهيونيين في 17/9/1948 وسعى خلفه (رالف بانش) إلى عقد هدنة على أساس مواقع الطرفين في المدينة المقدسة.
ولما شعرت الدول العربية بخطر تجميد الموقف على هذا الأساس وافقت وفودها لدى اجتماعاتها بلجنة التوفيق ، على فكرة التدويل التام لمنطقة القدس، على أساس وحدتها ودون تقسيم الأماكن المقدسة فيها. أما الجانب (لإسرائيلي) قامت اقتراحاته على أساس الأخذ بالوضع الراهن في المدينة بعد أن احتلت القوات (الإسرائيلية) القسم الأكبر منها (الأحياء الجديدة)، مع قصر التدويل على الأماكن المقدسة في البلدة القديمة (وكانت بيد الجيش الأردني).
وانتهت لجنة التوفيق إلى مشروع أقرب إلى وجهة النظر (الإسرائيلية) من حيث الاعتراف بالوضع الراهن في المدينة، بحيث يعهد إلى السلطات العربية و(الإسرائيلية) فيها بإدارة المناطق التابعة لكل منهما، وإن كان يقرر أنه لا يحق لأي من الطرفين أن يجعل من مدينة القدس عاصمة له. ورفضت الدول العربية – عدا الأردن – هذا المشروع كما رفضه الجانب (الإسرائيلي) ورفضته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 9/12/1949 لخروجه عن فكرة التدويل الأصلي. إلا أن الجمعية العامة ونتيجة للاعتبارات التي أملتها رغبة الرأي العام ولا سيما الكنيستين الكاثوليكية والأرثوذكسية، اتخذت في نفس التاريخ قراراً أكدت فيه عزمها على وضع منطقة القدس تحت نظام دولي يضمن حماية الأماكن المقدسة داخل مدينة القدس وخارجها. وعهدت الجمعية العامة في هذا القرار إلى مجلس الوصاية من جديد لوضع (دستور القدس).
وقد انتهى مجلس الوصاية من صياغة وإقرار النظام (43 مادة) ولكنه أثناء مناقشة وضع الأسس والمبادئ الخاصة بالتدويل، أعلنت (إسرائيل) رسمياً في 11/12/1949 نقل عاصمتها إلى القدس، وقامت الحكومة الأردنية في اليوم التالي، بإعلان ضمها للأراضي التي احتلتها من فلسطين، بما فيها بعض أراضي منطقة القدس، واحتج مجلس الوصاية على الإجراءات (الإسرائيلية) وأحال الموضوع مع مشروع النظام المعدل في 14/6/1950 إلى الجمعية العامة في دورتها الخاصة، لعدم تعاون كل من الدولتين المعنيتين بشأن تنفيذ هذا النظام. ولم تبت الجمعية العامة في تقرير مجلس الوصاية، نظراً لانشغالها بالمسائل الدولية العاجلة الأخرى كقضية كوريا وغيرها.
وقد حاولت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا تعديل قرار الجمعية العامة الخاص بتدويل منطقة القدس، عن طريق مشروعين تقدم بهما الوفد السويدي ثم الوفد البلجيكي لجعل التدويل قاصراً على الأماكن المقدسة من غير مساس بالسلطة القائمة على قسمي المدينة العربي و (الإسرائيلي)، ولم يظفر بأغلبية الثلثين المطلوبة في الجمعية العامة، وتجمد موضوع تدويل القدس أثر ذلك في الأمم المتحدة، فلم يبحث نهائياً في الدورات التالية.
ومضت (إسرائيل) في فرض العدوان بالأمر الواقع وبدا وكأن ستاراً قد أسدل على الموضوع   حتى عام 1967 حين تفجرت قضية القدس من جديد بعد أن انتهى عدوان 5 حزيران بتوسع إقليمي (إسرائيلي) جديد. وفي 6 يونيو / حزيران اتخذ مجلس الأمن قراره الأول 233 بشأن العدوان طلب فيه وقف إطلاق النار، وأكد ذلك بالقرار 234 في 7 حزيران، وأصدر مجلس الأمن ثلاثة قرارات (235 و 236 و 237) بشأن العدوان، قبل أن تعقد الجمعية العامة الدورة الاستثنائية الخامسة التي بدأت في 17 حزيران لبحث القضية أو ما أطلق عليه فيما بعد (قضية الشرق الأوسط). وقامت (إسرائيل) تمشياً مع سياستها في استخدام القوة والتمسك بالأمر الواقع، وفي وقت ما زالت قضية العدوان مطروحة أمام الجمعية العامة قامت بضم (القدس العربية) والمنطقة المحيطة به إلى المنطقة (الإسرائيلية) وبتطبيق الأنظمة الإدارية والقضائية (الإسرائيلية)، ومضت في اتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بتهويد المدينة متحدي المجتمع الدولي بأسره.
ولقد لقي هذا التحدي (الإسرائيلي) احتجاج جميع الأوساط الدولية، وكان يبدو واضحاً أن هناك شبه إجماع دولي على شجب ما خلقته (إسرائيل) في المدينة المقدسة . وقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة (بأغلبية 99 صوتاً من دون اعتراض، وامتناع عشرين دولة عن التصويت) قرارها الأول رقم 2253 وهو ثاني قرار لها في الدورة الاستثنائية في 4 تموز 1967 تبدي فيه قلقها الشديد إزاء الموقف السائد في القدس نتيجة الإجراءات التي اتخذتها (إسرائيل) لتغيير وضع المدينة، وتدعو (إسرائيل) إلى إلغاء جميع الإجراءات التي اتخذت والامتناع عن اتخاذ أي عمل من شأنه تغيير وضع القدس، وتطلب من السكرتير العام أن يقدم تقريراً إلى الجمعية العامة ومجلس الأمن حول الموقف. وقد تضمن تقرير السكرتير العام إلى الجمعية العامة في 12 تموز 1967، رسالة من وزير خارجية (إسرائيل) شرح فيها بعض الإجراءات التي اتخذتها (إسرائيل) بصدد القدس. إلا أن الرسالة لم تشر إلى طبيعة هذه الإجراءات هل هي مؤقتة أم دائمة، كما لم تشر إلى الامتثال لقرار الجمعية العامة السابق. وبعد أن أخذت الجمعية العامة علماً بعدم امتثال (إسرائيل) للقرار 2253 أصدرت في 14 تموز، قرارها رقم 2254 (بأغلبية 100 صوت مع امتناع ثمانية عشر دولة عن التصويت).. تعرب فيه عن أسفها الشديد لفشل (إسرائيل) إلى إلغاء جميع الإجراءات التي اتخذت والامتناع عن اتخاذ أي عمل من شأنه تغيير وضع القدس، وتدعو السكرتير العام مجدداً لتقديم تقرير إلى مجلس الأمن والجمعية العامة حول الموقف.
ورفضت المصادر (الإسرائيلية) القرار وأعلن وزير الخارجية في الأمم المتحدة 16حزيران، أنه حتى لو صوتت جميع الدول الأعضاء ضد إجراءات ضم (القدس العربية) والقرى المحيطة بها إلى (إسرائيل)، فإن (إسرائيل) لن تتزحزح عن قراراتها أو تلغي هذه الإجراءات. ورفع السكرتير العام للأمم المتحدة تقريره إلى الجمعية العامة بشأن تنفيذ القرار 2254 بناءً على ما تلقاه من مبعوثه الشخصي (ارنستو تالمان). وبدا فيه إصرار (إسرائيل) على موقفها المخالف للقانون الدولي وقرارات الجمعية العامة. وقد أكدت التطورات التالية ما ورد في تقرير تالمان فاستمرت (إسرائيل) في تغيير معالم القدس وفي إجراءاتها القانونية والإدارية لإحكام عملية الضم. وبعد أن أعلنت (إسرائيل) عن عزمها على إجراء عرض عسكري في شوارع القدس العربية 2 أيار 1968 لذكرى مرور عشرين عاماً على قيام (إسرائيل)، بحثت قضية القدس في مجلس الأمن وبعث السكرتير العام للأمم المتحدة في 24 نيسان 1968 برسالة إلى الحكومة (الإسرائيلية) يدعوها فيها إلى الامتناع عن إجراء العرض. وكان مصير الرسالة الإهمال والإعادة، وأعرب السكرتير العام في تقريره إلى مجلس الأمن عن مخاوفه من النتائج الخطيرة التي تترتب على العرض العسكري (الإسرائيلي) وتعطيل المهمة السلمية التي يقوم بها (يارنج) المبعوث الشخصي في المنطقة، وكان أن أصدر مجلس الأمن في 27 نيسان 1968 قراره رقم (250) بالإجماع، طالب فيه (إسرائيل) بإلغاء العرض العسكري المزمع إقامته في القدس نظراً لأن ذلك سيزيد من التوتر في المنطقة وسيكون له أثر عكسي على الجهود الرامية للتوصل إلى حل سلمي للمشكلة القائمة في المنطقة.
وقد أعلن مندوب (إسرائيل) في الأمم المتحدة رفضه للقرار وقرر مجلس الوزراء (الإسرائيلي) عدم تعديل برنامج العرض العسكري، بل إن تمرينات العرض في المنطقة استمرت عدة أيام. وأبلغ وزير خارجية (إسرائيل) السكرتير العام للأمم المتحدة رفض (إسرائيل) إلغاء العرض، مشيراً إلى أن الاحتفال ليس من شأنه بالضرورة أن يؤثر على الجهود التي تبذل لإقرار السلام.
وقام السكرتير العام بإبلاغ مجلس الأمن في تقريره (2أيار 1968)، من أن (إسرائيل) أقامت عرضها العسكري، متحدية بذلك قرار مجلس الأمن، في منطقة شرقي خط الهدنة، وقد استمر ساعتين وعشر دقائق، ووصف بأنه مظاهرة عسكرية بحتة، وقد أبدى مجلس الأمن في قراره رقم 251 (2أيار 1968) أسفه العميق لإقامة العرض ولتجاهل (إسرائيل) للقرار الذي اتخذه المجلس يوم 27 نيسان.
وفي 6 أيار استأنف مجلس الأمن بحث الموقف في القدس وبعد مناورات طويلة ومعقدة، تقدمت الدول الإفريقية والآسيوية واللاتينية بمشروع قرار إلى مجلس الأمن يوم 21 أيار 1968 وافق عليه المجلس بأغلبية 13 صوتاً وامتناع دولتين عن التصويت (الولايات المتحدة وكندا). ويشير القرار 252 في حيثياته إلى قراري الجمعية العامة (4 و 14 تموز) وجميع التقارير والبيانات التي ألقيت في المجلس وإصرار (إسرائيل) على مزيد من الإجراءات المنافية للقرارات، وبعد أن يؤكد القرار على أن الاستيلاء على الأراضي بالغزو العسكري أمر غير مقبول يشجب عدم امتثال (إسرائيل) لقراري الجمعية العامة، ويعتبر أن جميع الإجراءات والأعمال التشريعية والإدارية التي قامت بها (إسرائيل)، ومن بينها نزع ملكية الأراضي والممتلكات التي ترمي إلى تغيير الوضع القانوني في القدس، هي إجراءات وأعمال باطلة، ويدعو (إسرائيل) إلى أن تلغي بصورة عاجلة جميع الإجراءات التي اتخذتها فعلاً، عن اتخاذ إي إجراء آخر يهدف إلى تغيير الوضع في القدس.
وقد أعلن أبا أيبان (وزير الخارجية) في مؤتمر صحفي بعد ساعات من القرار أن (إسرائيل) ستتجاهل هذا القرار ووصفه بأنه غير معقول وأنه فصل من أتعس الفصول التي كتبها المجلس في تاريخ المنظمة الدولية.
وعاد مجلس الأمن لبحث قضية القدس في 30 حزيران 1969، واتخذ بالإجماع القرار رقم 267 في 3 تموز 1969 وكان تأكيداً للقرار السابق، إلا أن عباراته كانت أكثر حزماً، فالقرار يشجب (بشدة) جميع الإجراءات المتخذة لتغيير وضع مدينة القدس. ويدعو (إسرائيل) إلى أن تبطل جميع الإجراءات التي تؤدي إلى تغيير وضع مدينة القدس، وأن تمتنع عن اتخاذ أية إجراءات مماثلة في المستقبل، والقرار يطلب من (إسرائيل) أن تخبر مجلس الأمن (دون أي تأخير) بنواياها بشأن تنفيذ بنود هذا القرار. أنه إذا أجابت (إسرائيل) سلباً أو في حالة عدم إجابتها على الإطلاق سيعود مجلس الأمن إلى الاجتماع (دون تأخير) للنظر في الخطوات التي يمكن أن يتخذها في هذا الشأن.
ورفضت (إسرائيل) من جديد إدانة مجلس الأمن، وعبر (إسرائيل غاليلي) وزير الإعلام عن رأي الحكومة بهذا الشأن. فالقرار لم يكن له أي تأثير على الحقائق التي فرضتها (إسرائيل)، عن تصميم، بعد الأخذ بعين الاعتبار كل ما يحيط بها من حظر سياسي، ولم يكن مصير القرار الإهمال فقط بل الإسراع في توسيع الإجراءات التي أدينت فاستمرت في مصادرة الأراضي ومشاريع البناء في محاولة لفرض أمر واقع قبل أن يبدأ البحث في قضية المفاوضات، ولم يكن ذلك ضد رغبات سكان المدينة المقدسة وحدهم بل نافياً لميثاق الأمم المتحدة وإرادة المجتمع الدولي. وسكت مجلس الأمن دون أن يلجأ إلى اتخاذ أي إجراء أشد لتنفيذ القرار.
وبعد حريق المسجد الأقصى 21 أيلول 1969 (وبناءً على الشكوى التي تقدمت بها الدول العربية والإسلامية) اتخذ مجلس الأمن في 15 أيلول قراره رقم 271 (فاز القرار ڊ 11 صوتاً وامتناع 4، كولومبيا، فنلندا، باراغواي، الولايات المتحدة) ويعبر فيه عن حزنه لما لحق المسجد الأقصى في القدس. وبعد أن يجمع قرارات الجمعية العامة ومجلس الأمن السابقة يؤكد من جديد مبدأ عدم قبول الاستيلاء على الأراضي بالغزو العسكري، يقر (بأن أي تدمير أو تدنيس للأماكن المقدسة أو المباني أو المواقع الدينية في القدس، وأن أي تشجيع أو تواطؤ للقيام بعمل كهذا يمكن أن يهدد بحدة الأمن والسلام الدوليين)، لذا فهو يؤكد الحجة الملحة لأن تمتنع (إسرائيل) عن القرارات السابقة، وأن تبطل جميع الإجراءات والأعمال التي اتخذتها لتغيير وضع القدس، ويدعو (إسرائيل) إلى الامتناع عن إعاقة الهيئة الإسلامية في القدس من القيام بمهامها، بما في ذلك أي تعاون نطلبه الهيئة من الشعوب الإسلامية من أجل صيانة وإصلاح الأماكن المقدسة الإسلامية، وقد كرر القرار تأكيد الفقرة التنفيذية السابعة من القرار 267 القائلة (أنه في حالة إجابة إسرائيل سلباً أو في حالة عدم إجابتها على الإطلاق سيعود مجلس الأمن إلى الاجتماع دون عائق للنظر في الخطوات التي يمكن أن يتخذها في هذا الشأن). 
وتضمن تقرير السكرتير العام إلى مجلس الأمن تبرير السلطات (الإسرائيلية) للجريمة واتهامات الحكومات العربية بمحاولة استغلال المشاعر الدينية، مدعية أن التحقيق (الإسرائيلي) قد أدى إلى اعتقال الفاعل المجنون، وأن المسجد قد أعيد إصلاحه وعادت إليه شعائر الصلاة إلا أن السكرتير العام في تقرير تالٍ في 5 كانون أول 1969 نقل رد (إسرائيل) برفض العودة عن (توحيد القدس).
وفي 25 أيلول 1971 اتخذ مجلس الأمن قراره السادس بشأن القدس رقم 298، والذي لا يختلف في مقدماته عن القرارات السابقة، مع مزيد من التأكيد (وبأوضح العبارات الممكنة)، أن جميع الأعمال التشريعية والإدارية التي قامت بها (إسرائيل) لتغيير وضع مدينة القدس، لاغية كلياً، ويدعو (إسرائيل) (بإلحاح) إلى إلغائها وإلى عدم اتخاذ خطوات أخرى في القطاع المحتل من القدس الذي قد يفهم منه تغيير وضع المدينة، أو قد يجحف بحقوق السكان وبمصالح المجموعة الدولية أو بالسلام العادل الدائم).
ومنذ الدورة 27 عام 1972 للجمعية العامة ظهر توجه جديد في الموقف الدولي من العدوان (الإسرائيلي) على الأراضي العربية، ففي 8 ديسمبر كانون أول صدر قرار رقم 2949 بشأن الموقف في الشرق الأوسط تؤكد فيه الجمعية العامة من جديد أن أراضي أي دولة من الدول لا يجب أن تكون موضع احتلال أو استيلاء من جاني أي دولة أخرى نتيجة للتهديد بالقوة، وأن التغييرات التي أجريت على الطابع المادي أو التركيب السكاني للأراضي المحتلة تنافي أهداف ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة كما تخالف أحكام الاتفاقيات الدولية.
وقد أعادت الجمعية العامة مرة أخرى في قرارها 2963 الدورة نفسها (دورة 22) وبتاريخ 13 كانون أول 1972 تأكيد قرارها السابق بقرار جديد  (2963) تبدي فيه قلقها من أعمال (إسرائيل) في أنحاء مختلفة من الأراضي المحتلة وامتناعها عن السماح بعودة اللاجئين. وقد أعيد تأكيد القرار 2949 في أثناء بحث تقرير اللجنة الخاصة بالتحقيق في الممارسات (الإسرائيلية) التي تؤثر في حقوق الإنسان لسكان الأراضي المحتلة وذلك بالقرار رقم (3092) ديسمبر 1973.
وصدر عن الدورة الثلاثين للجمعية العامة للأمم المتحدة (القرار 3525) وفيه تدين الجمعية العامة السياسات والممارسات (الإسرائيلية) التي تستهدف ضم أجزاء معينة من الأراضي المحتلة، وتدمير المنازل العربية وهدمها، ونهب التراث الأثري والثقافي.

 

2- القدس واليونسكو:


في عصرنا الحديث، أولى العالم عناية خاصة لصيانة ولحماية الممتلكات الثقافية، وخاصة أثناء نزاع مسلح، باعتبارها تراثاً إنسانياً للأسرة البشرية كلها. وتتمثل هذه العناية فيما أبرم من اتفاقيات، وما عقد من مؤتمرات واجتماعات، وما صدر من توصيات وقرارات، تدور كلها حول صيانة الممتلكات الثقافية وحمايتها، ويعتبر كل ذلك كسباًَ حقيقياً للحضارة الإنسانية.
وقد هدد الاحتلال (الإسرائيلي) للأراضي العربية منذ 1948 ما تحويه من ممتلكات ثقافية، إلا أنه لم يجر تحرك عالمي بشأن هذا الموضوع إلا بعد عدوان 1967  بسبب غنى الأرض المحتلة الجديدة، بمواقعها الأثرية والتاريخية، وبسبب ما ارتكبته (إسرائيل) في حقها من انتهاكات سواء في التنقيب غير المشروع ونقل الآثار والاتجار بها، أو في انتهاك المقدسات، وفي تغيير المعالم، رغم أن (إسرائيل) كانت من الموقعين على القرارات والتوصيات الدولية وأصبحت بذلك ملزمة باحترامها، واستناداً إلى اتفاقية لاهاي 1954 بشأن حماية الممتلكات الثقافية في حالة الاحتلال المسلح، انتدبت منظمة اليونسكو باعتبارها المسؤولة الأولى عن حماية الممتلكات الثقافية أواخر 1967 لهذه المهمة في الأراضي العربية المحتلة (سوريا، الأردن، مصر) الكولونيل كارل برونر مفوضاً عاماً لحماية الممتلكات الثقافية وقد باشر اتصالاته مع الجهات المختصة لبحث الاعتداءات (الإسرائيلية) على الآثار في المناطق العربية. وكان على اتصال بالمفوض الآخر لليونسكو في (إسرائيل) رابينيك للتحقق من هذه الاعتداءات لدى السلطات (الإسرائيلية).
 وقد أثير موضوع التعديات (الإسرائيلية) على الأراضي العربية في كل من المؤتمر العام والمجلس التنفيذي لمنظمة اليونسكو وصدرت جملة قرارات معظمها عام وبعضها خاص بالقدس، وفي الدورة الخامسة عشر للمؤتمر العام لليونسكو أكتوبر – نوفمبر/تشرين ثاني 1968، صدرت عن المؤتمر ثلاثة قرارات تضمن القرار الأول (341/3) تفويض المدير العام للعمل على مواصلة المحافظة على الممتلكات الثقافية وتطويرها وذلك بالتعاون مع المنظمات الدولية والإقليمية والوطنية المختصة، سواء أكانت حكومية أم غير حكومية. ويوصي القرار الثاني (342/3) الدول الأعضاء باتخاذ كافة الإجراءات الضرورية بمساعدة المفوضين العامين، لتنفيذ مواد الاتفاقية الدولية وكذلك أحكام التوصية  الخاصة بالمبادئ الدولية المطبقة في حالة الحفريات والتنقيبات الأثرية التي أقرها المؤتمر العام لليونسكو في دورته التاسعة 1956.
وكان القرار الثالث (343/3) خاصاً بالقدس نظراً (للممتلكات الثقافية في مدينة القدس القديمة وخاصة الأماكن المقدسة من أهمية غير عادية ليس فقط للدول المعنية مباشرة بل للإنسانية جمعاء، نظراً لما لها من قيمة فنية وتاريخية ودينية). واستناداً إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 4 تموز 1967 (رقم 2253) بخصوص مدينة القدس، وجه المؤتمر العام لليونسكو نداءً دولياً عاجلاً وفقاً لقرار الأمم المتحدة المشار إليه بطلب من (إسرائيل) : المحافظة بعناية ودقة على جميع المواقع والمباني وغيرها من الممتلكات الثقافية وبخاصة مدينة القدس القديمة، وأن تكف عن القيام بأية حفريات أثرية أو تنقل مثل هذه الممتلكات أو تجري أي تغيير في معالمها أو طابعها الثقافي والتاريخي.
وجرياً على سياستها بشأن الاتفاقيات الدولية، لم يكن رد (إسرائيل) سوى تجاهل قرارات اليونسكو والاستمرار في أعمال الحفريات التي كان هدفها النهائي تغيير طابع القدس التاريخي. وعقب الدورة استمرت الوفود العربية لدى اليونسكو في لفت نظر المراجع المسؤولة فيها إلى استمرار المخالفات (الإسرائيلية). وطرح الموضوع على المجلس التنفيذي لليونسكو في الدورة 82 (أيار 1969) وقدم المندوبون العرب تقارير موثقة عن المناطق التي تجري فيها الحفريات في المنطقة المحتلة، وما تعرضت له مدينة القدس بوجه خاص من عدوان على مقدساتها وأبيتها الأثرية. وقد قدم (برونر) المفوض العام لليونسكو في البلاد العربية للمدير العام تقريراً عن أعمال الحفريات (الإسرائيلية) في الأراضي المحتلة (بما فيها القدس) والتي تشكل خرقاً لتوصيات نيودلهي وللمادتين 1،4 من اتفاقية لاهاي. وانتهت المناقشات في المجلس التنفيذي إلى القرار رقم (2/4/4) الذي يطلب فيه من قوات الاحتلال (الإسرائيلي) أن تمتثل بدقة للالتزامات المنصوص عليها باتفاقية لاهاي الدولية، وقرارات المؤتمر العام لليونسكو السابقة ومعنى هذا كسباً لوجهة النظر العربية.
ورغم الطلب والمساعي فقد استمرت سلطات الاحتلال في مخالفاتها وفي تحدياتها للقرارات  السابقة . وتأكد ذلك القرار في العام التالي في دورة المجلس التنفيذي في الدورة (83)، عام 1970 وبعد تدارس الموضوع أصدر المجلس القرار رقم (1/3/4) الذي يعرب فيه عن شديد قلقه لانتهاك (إسرائيل) اتفاقية لاهاي وقراري المؤتمر العام والمجلس التنفيذي والتوصية المتعلقة بالحفريات الأثرية التي تنبثق عن تقارير المفوضين العامين. ويدعو (إسرائيل) إلى المحافظة على المواقع والمباني والأملاك الحضارية الأخرى، وخصوصاً في مدينة القدس القديمة، والامتناع عن أي حفريات أثرية، وعن نقل مثل هذه الممتلكات، وعن أي تغيير في مظاهرها أو في صفتها الحضارية والتاريخية.
وفي الدورة نفسها (83) أدان المجلس التنفيذي في قراره (رقم 1/291/4) العمل الإجرامي بإحراق المسجد الأقصى، وأدان جميع المسؤولين فيه بعد أن أعرب عن حزنه البالغ للضرر الواسع الذي ألحقه الحريق المفتعل (21 آب 1969) بالمسجد الأقصى، وبعد أن استمع إلى جميع البيانات وأشار إلى السخط العالمي الذي أثاره هذا العمل المدنس للمقدسات بسبب الخسارة التي مني بها تراث البشرية الحضاري.
وفي الدورة السادسة عشرة للمؤتمر العام لليونسكو (تشرين ثاني 1970) استفحل الخلاف في الرأي العام حول تعديل المواثيق الدولية أو إيجاد مواثيق إضافية لدعم التدابير الخاصة بصون الممتلكات الثقافية وحماية المواقع التاريخية والأثرية. وكانت المصلحة العربية ترى التمسك بالاتفاقية لأنها ملزمة، وأن أي تغيير فيها لن توافق عليه (إسرائيل) لأنه يخالف وجهة نظرها، كما دلت مواقفها السابقة.
وفي الدورة 88 للمجلس التنفيذي 1971 اتخذ القرار (رقم 1/3/4)، الذي يذكر بكل النصوص والقرارات السابقة وبمذكرات المفوض العام لليونسكو والمدير العام، وبتقارير الدول العربية، ويعيد (تأكيد) قلق اليونسكو بشأن تنفيذ قراراتها السابقة بهذا الشأن ويدعو (إسرائيل) (بإلحاح) إلى (أن ترى أن الإجراءات اللازمة قد اتخذت للحفاظ بدقة على جميع المواقع والأبنية والممتلكات الثقافية الأخرى وخاصة في البلدة القديمة بالقدس، وأن تمتنع عن أي حفريات أثرية، ونقل أي ممتلكات مماثلة، أو إحداث أي تغيير لظاهرها أو خصائصها الحضارية أو التاريخية وخاصة المواقع الدينية المسيحية والإسلامية).
وإزاء إصرار (إسرائيل) على تجاهل الالتزام بالقرارات السابقة، أبدى المجلس التنفيذي (في الدورة 89، 1972) في قراره رقم (1/4/4) استنكاره لموقف (إسرائيل) السلبي من القرارات السابقة وأسفه على استمرار الحفريات. وقد تبين للمؤتمر العام لليونسكو في دورته السابعة عشرة (تشرين ثاني 1972) مضي (إسرائيل) في انتهاك القرارات الصادرة بصدد حفظ التراث الثقافي، بشكل يمنع المنظمة من أداء الرسالة التي يعهد بها إليها ميثاقها التأسيسي. وكان أن أصدر المؤتمر العام قراره رقم 422/3 الذي (يشجب) فيه استمرار (إسرائيل) في القيام بأعمال التنقيب عن الآثار في مدينة القدس ويوجه مرة أخرى نداء (عاجلاً) يدعوها فيه إلى اتخاذ التدابير اللازمة لصون جميع الممتلكات الثقافية – وخاصة الموجودة في القدس، والامتناع عن أي أعمال للتنقيب ونقل الممتلكات الثقافية وتغيير معالمها وخاصة المواقع الدينية المسيحية والإسلامية. والنداء يحظر على (إسرائيل) من جديد إجراء أي تغيير لمعالم مدينة القدس. ويدعو المدير العام إلى مواصلة جهوده ( لتحقيق وجود اليونسكو، وجوداً حقيقياً، في مدينة القدس من أجل ضمان تنفيذ القرارات).
وفي الدورة الثامنة عشر لليونسكو المنعقدة في نوفمبر 1974 قدمت الدول العربية مذكرة إلى لجنة العلوم الاجتماعية والثقافية للمؤتمر العام تدين مواصلة (إسرائيل) انتهاك قرارات اليونسكو، واستمرارها في تغيير معالم مدينة القدس التاريخية وإجراء الحفريات التي تشكل خطراً على آثار القدس وخاصة المسجد الأقصى وقد حوت المذكرة معلومات مفصلة عن عمليات الهدم في المدينة القديمة وإقامة المشاريع السكنية على الأراضي العربية وإجلاء المواطنين العرب عن مساكنهم. والحق بالمذكرة العربية قائمة بكل القرارات التي صدرت عن الجمعية العامة ومجلس الأمن والمؤتمر العام لليونسكو والمجلس التنفيذي  التي دعت (إسرائيل) مراراً الامتناع عن تغيير وضع القدس والحفاظ بدقة على كل المواقع والممتلكات الثقافية (وخاصة) في المدينة المقدسة. وقد انتهت المذكرة بالقول (إن إسرائيل، في استمرارها في انتهاك هذه القرارات إنما تتحدى عمداً وبشكل سافر الضمير العالمي والمجتمع الدولي .
وفي 7 تشرين الثاني 1974، وافقت لجنة العلوم الاجتماعية والثقافية بعد نقاش طويل، على مشروع قرار كانت قد تقدمت به 48 دولة من الكتلة الآسيوية الأفريقية بإدانة (إسرائيل) لاستمرارها في تغيير معالم القدس التاريخية وفي إجراء الحفريات التي تشكل خطراً على آثارها. ويدعو مشروع القرار المدير العام لليونسكو، عدم تقديم أي عون في ميادين التربية والعلم والثقافة إلى (إسرائيل)، وذلك إلى أن تحترم بدقة القرارات السابقة لليونسكو. وقد وافق المؤتمر العام على هذا المشروع (بأغلبية 64 ضد 27 وامتناع 26) وصدر على شكل قرار عن المؤتمر العام (برقم 427/3) بعد أن نوه القرار بأن (إسرائيل بإمعانها في ارتكاب المخالفات لقرارات المؤتمر العام والمجلس التنفيذي الهادفة إلى الحفاظ على التراث الثقافي في مدينة القدس، تتحدى بإصرار وعناد الضمير العالمي والمجتمع الدولي، وأن المؤتمر العام لا يمكن أن يقف موقفاً سلبياً أمام إمعان (إسرائيل)، بصورة دائمة، في انتهاك قراراته ).
وكرد فعل لهذا القرار أعلنت الحكومة (الإسرائيلية) وقف مساهمتها لليونسكو، وظهرت بعض التحركات في الكونغرس الأمريكي لوقف مساهمة أمريكا حتى يسحب قرار المؤتمر . وشن بعض المؤيدين للصهيونية من المثقفين الفرنسيين حملة ضد منظمة اليونسكو بسبب إدانتها للسياسة التي تمارسها السلطات (الإسرائيلية).
وتقدم المدير العام لليونسكو- عملاً بقرارات الدورة الثامنة عشرة للمؤتمر العام، باقتراح إلى وزير خارجية (إسرائيل) في 20 كانون أول 1974 لإيفاد الأستاذ ريموند لومير إلى القدس مرة أخرى كممثل شخصي له لكي يتمكن من إعداد تقرير عن الوقائع المتعلقة بتنفيذ قرارات المؤتمر العام، وقد نقل الممثل الدائم (لإسرائيل) إلى المدير العام في 25 شباط 1975، رد حكومته التي ترى (أنه ليس من الملائم على ضوء القرار (427/3) إيفاد الممثل الشخصي للمدير العام في مهمة جديدة إلى مدينة القدس في الآونة الراهنة).
واستمرت الاتصالات ما بين المدير العام والسلطات (الإسرائيلية) كي تسمح بمنح التسهيلات للأستاذ لومير في زيارة الممتلكات الثقافية في القدس إلى أن وافقت على ذلك في أيار 1976 حيث اضطلع لومبر بمهمتين في المدينة المقدسة الأولى في الفترة من 2 – 7 أيار 1976 والثانية في الفترة من 12-17 أكتوبر 1976، وقدم ملاحظاته عن أعمال الحفريات واستمرارها في مواقع متعددة مع تنفيذ بعض الأشغال داخل المدينة التاريخية (تجديد شبكة المجاري وتدعيم الأبنية التي تصدعت بسبب الحفريات وهي أشغال مؤقتة تنفذ- كما يقول لومير (دون مراعاة كبيرة للقيمة الأثرية لهذه المباني).
ولئن كانت البعثات التي قام بها لومير، تمثل وجوداً متقطعاً ومحدوداً جداً لليونسكو في القدس فإن المدير العام لليونسكو في تقريره إلى المؤتمر العام في الدورة التاسعة عشرة (نيروبي 1976) بشأن تنفيذ القرارين (423/3) و (427/3) لم يسعه إلا أن يقرر (أن هذه البعثات ليس لها في آخر المطاف أي أثر حقيقي على الوضع). كذلك فقد أقر المدير العام التسليم بفشل كل الجهود التي بذلها من أجل التوصل إلى وضع حد للحفائر الأثرية التي تجري في القدس القديمة.
3- القدس وأجهزة أخرى في الأمم المتحدة:
لقد اتخذت الأمم المتحدة بأجهزتها المختلفة ما يزيد عن عشرين قراراً منذ 14 حزيران 1967 تبحث فيه انتهاكات (إسرائيل) لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة ولميثاق جنيف الرابع 1949 فيما يتعلق بحماية المدنيين في أوقات الحرب من أعمال التدمير والترحيل وإلغاء القوانين القائمة وإجراء العقاب الجماعي وسوء معاملة المدنيين...إلخ، وبنود هذه القرارات التي تبحث وضع العرب في الأراضي المحتلة تنطبق على القدس كذلك ، ويلاحظ أن لجنة حقوق الإنسان في قراراها رقم 9 في الدورة 27 بتاريخ 15 مارس/آذار 1971، وهي تدين انتهاك (إسرائيل) لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، ورفضها التقيد بالتزاماتها القانونية طبقاً لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، تمييز القدس في الفقرات التالية من القرار: إن لجنة حقوق الإنسان (إذ تعود فتؤكد أن حقوق الإنسان والحريات الأساسية الواردة في اتفاقية جنيف المتعلقة بحماية المدنيين في وقت الرحب بتاريخ 12 آب 1949، وكذلك في الوثائق الدولية المماثلة الأخرى، تنطبق تماماً على جميع الأراضي التي احتلتها (إسرائيل) نتيجة القتال في الشرق الأوسط بما في ذلك القدس المحتلة).
(... وإذ أزعجها استمرار (إسرائيل) في إقامة المستوطنات في الأراضي المحتلة، بما في ذلك القدس المحتلة، بينما ترفض السماح بعودة اللاجئين والنازحين إلى ديارهم، وهذا حق يعتبر إنكاره من جانب (إسرائيل) إهانة للبشرية وانتهاكاً خطراً للقانون الدولي).
(.... تعود فتؤكد أن جميع الإجراءات التي قامت بها (إسرائيل) لاستعمار المناطق المحتلة، بما في ذلك القدس المحتلة، لاغية وباطلة...)
وقد اعتبرت لجنة حقوق الإنسان (في القرار رقم 3 الدورة 28 بتاريخ 22/3/1972) أن إجراءات (إسرائيل) هي مخالفات خطرة لاتفاقية جنيف وتكون بذلك (جرائم حرب وإهانة للبشرية) والملاحظ أنه منذ محاكم نورمبرغ  والحكم بإعدام زعماء النازية بتهمة جرائم الحرب، لم يحدث أن أدين بارتكاب هذه الجرائم سوى الحكم العنصري في جنوب إفريقيا وروديسيا الجنوبية وإسرائيل ).
وقد صدر عن منظمة الصحة العالمية (جمعية الصحة العالمية والمجلس التنفيذي) منذ العدوان قرارات تدعو لعودة اللاجئين في الشرق الأوسط تحسيناً لأحوالهم الصحية، كما تشجب أفعال (إسرائيل) لطرد السكان وتهديم منازلهم والملاجئ وانتهاك حقوق الإنسان الخاصة باللاجئين وسكان الأراضي المحتلة، وتحث المجتمع الدولي على تقديم المساعدة الصحية للاجئين النازحين، وتندد برفض (إسرائيل) استقبال لجنة للتحقيق في الوضع الصحي لسكان الأراضي المحتلة، وهي قرارات تشمل القدس في كافة بنودها.
كما أصدرت المنظمة الدولية للطيران المدني قرار رقم A21-7 في 15 تشرين أول 1974 تطلب فيه من الدول الأعضاء الامتناع عن تشغيل أية رحلة جوية من أو إلى مطار القدس (قلنديا) ما لم تُعط أذناً مسبقاً بذلك من السلطات الأردنية.
وأوصى المؤتمر الدولي للمستوطنات البشرية (فنكوفر كندا 1976): بأنه لا يحق للسلطات المحتلة أن تغير أو تمارس أي نوع من مصادرة الملكية في الأراضي المحتلة أو أي إجراء من شأنه أن يغير التركيب السكاني والطبيعة الجغرافية لهذه الأراضي.
موقف الرأي العام العالمي – خارج أوساط الأمم المتحدة – من الاحتلال (الإسرائيلي) للقدس:
تابعت جهات عالمية عديدة – خارج الأمم المتحدة – باهتمام شديد ما يجري في القدس على يد الاحتلال (الإسرائيلي)، والذي يعتبر تهديداً لمركز المدينة التي ظلت مفتوحة للجميع في كل العصور. وعبرت عن قلقها ورفضها بشكل أو بآخر، وقد بني هذا الموقف على أسس عديدة بعضها سياسي وبعضها الآخر ديني روحي أو علمي تاريخي فني. وكان مصير هذه الجهود كمصير القرارات الدولية. من حيث عدم فاعليتها في إيقاف (إسرائيل) عن متابعة إجراءاتها كما أن سكوت كثير من الشخصيات الكبرى في الغرب وإحجام الصحافة الغربية عن إصدار أي انتقاد (لإسرائيل) قد عطل إلى حد ما أثر الاحتجاج العالمي على الانتهاكات (الإسرائيلية). إلا أنه يمكن القول أن هناك ما يشبه الإجماع في الرأي العام العالمي بأن القدس تخص العالم كله، فهي منحة التاريخ، تختزن المعالم الدينية المقدسة وتمثل القيم الإنسانية العالمية، وإن الإجراءات (الإسرائيلية) تعرضها لخطر التدمير. والأمثلة على هذا الاحتجاج كثيرة وفي أوساط متعددة الاتجاهات.
اعتبرت قضية القدس مسألة تهم الشعوب الإسلامية، بسبب ما يمثله الاحتلال (الإسرائيلي) من انتهاك للأماكن المقدسة، وعدم المحافظة على طبيعة هذه الأماكن، وشعار المناداة باسترداد المدينة المقدسة الذي رفعته الشعوب الإسلامية، هو شعار واع بمدى تمسك (إسرائيل) بهذا المكان، وهو عمل إنساني يقدمه المسلمون للإنسانية كلها وللأديان كافة.
واحتج الفاتيكان مراراً وتكراراً على عملية التشويه التي تلحق بمدينة القدس، حسب خطة (إسرائيلية) موضوعة، وأبدى قلقه لما تتعرض له الأماكن فيها من انتهاك وما يعانيه أهلها من آلام ومآس وإهمال، وأثار اعتداء السلطات (الإسرائيلية) على رجال الدين ردود فعل شديدة في الفاتيكان، وصدر بيان رسمي من الفاتيكان بعد اعتقال المطران كبوشي ومحاكمته، ذكر فيه البابا أن رؤساء مختلف الطوائف كانوا موضع احترام خلال فترات الاضطراب في الشرق، وأن هذا سيؤدي إلى زيادة حدة التوتر في الوضع الشائك في المنطقة. وأيد موقف الفاتيكان عدد كبير من رجال الدين المسيحيين، لم يقلقهم فقط، ما تتعرض له الأماكن المقدسة من اعتداء، بل ما يمارس على أهل القدس، مسلمين ومسيحيين من ضغوط لإرغامهم على ترك المدينة.
ويبدو موقف الولايات المتحدة تجاه القدس محيراً، إذ أن إصرار (إسرائيل) على تحدي المجتمع الدولي بشأن القدس إنما يعود إلى العلاقة الخاصة التي تربطها بحكومة الولايات المتحدة، ولكن في الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تدعم الاحتلال (الإسرائيلي) تمسكت بشأن قضية القدس بموقف حازم فرفضت الاعتراف بقرار ضم القدس، والقبول بالخطوات التي اتخذتها (إسرائيل) لتغيير وضع القدس، واعتبرتها إجراءات مؤقتة لا يمكن أن تؤثر على الوضع النهائي لمدينة القدس. وقد وافقت الولايات المتحدة الأمريكية على كل القرارات التي اتخذتها الأمم المتحدة بإدانة الاحتلال (الإسرائيلي) للقسم العربي في القدس. وقد أوضح وزير الخارجية (وليم روجرز) كانون أول 1969، أن الولايات المتحدة مع تعاطفها عموماً مع الأهداف (الإسرائيلية)، إلا أنها لا تؤيد بأي حال من الأحوال، ضم القدس (لإسرائيل)، وأنه لن يسمح لأي طرف تقرير الوضع النهائي لمدينة القدس.
ولكن بنفس الوقت تتولى الولايات المتحدة المساهمة بنقل اليهود السوفييت إلى (إسرائيل) وإسكانهم في الوحدات السكنية التي أدانت إنشاءها وزارة الخارجية . ومعنى ذلك أن الولايات المتحدة في تمويلها لهذه العمليات إنما تساعد على انتهاك ميثاق جنيف.
وقد عبرت شخصيات كثيرة في العالم عن احتجاجها على المخططات (الإسرائيلية) وقلقها لما يلحق القدس وسكانها من تهويد، وفي رسالة مشتركة بعث بها أرنولد تونيبي وجيوفري فيرلونج إلى التيمز في 15 آذار 1971، عقب ما نشر عن إدانة مجموعة من كبار المهندسين ومخططي المدن في العالم للمشروع (الإسرائيلي) (لتطوير المدينة)، أبديا قلقهما للتخريب المتعمد الذي يلحق بالمدينة المقدسة، وطالبا أولئك المدعين بالتحدث باسم الشعب اليهودي التفكير ملياً بهذا الشأن، وما يبدو مثيراً للدهشة بنظر الكاتبين إحجام العالم المسيحي عن انتقاد سياسة الانتهاك التي تتبع بتصميم في المدينة، في وقت تشير فيه الأدلة السياسية والإنسانية والجمالية إلى نتيجة محزنة، هي تخريب المدينة.
وأبدى بعض (الإسرائيليين)  عدم موافقتهم على ما يجري في القدس ولفتوا النظر إلى الطريقة التي انتهكت بها (إسرائيل) طبيعة المدينة المقدسة. ولكن معظم أصوات الاحتجاج (الإسرائيلية) كانت توجه إلى أسلوب العمل، بإنشاء كلب سكنية تشوه طبيعة المدينة، ولم تصل في انتقادها إلى حد المطالبة بإلغاء ضم القدس وإعادة السيادة العربية، وكان أقصى ما قدمه حزب الليبراليين المستقلين في بلدية الاحتلال في القدس هو الاقتراح الذي تقدم به المحامي أوري هوبرت للمجلس البلدي، وطالب فيه بأن تقوم بلدية الاحتلال بتقسيم مدينة القدس إلى أحياء ذات إدارات مستقلة لكي يمنح السكان العرب الحق في إدارة شؤونهم بأنفسهم، وإنه بهذا تعمل بلدية الاحتلال على إذابة الجمود في العلاقات الحاصل في الظروف الراهنة بين أبناء الشعب من سكان القدس.


خاتمة

مستقبل القدس

إن مأساة القدس هي جزء من المأساة الفلسطينية، فنحن نواجه في القدس، كما في كل فلسطين غزواً استيطانياً فريداً، ويبدو من الواضح استحالة الوصول إلى تسوية بشأن القدس دون الوصول إلى تسوية لسائر أجزاء فلسطين، ولكن نظراً لمكانة القدس لدى أصحاب الديانات الثلاث فهي تشكل العمود الفقري للسلام في المنطقة.
وفي الآونة الأخيرة كثر الحديث عن القدس ليس لكونها عاصمة روحية، بل عن مصير القدس، وهل يمكن أن تعود عربية، أم عربية (إسرائيلية)، أم سوف تصبح دولية، أم تبقى (إسرائيلية)؟ وهناك تصلب في المواقف وفرضيات كثيرة.ولكن هناك فرضية رئيسية تكمن خلف أي حل للقدس، وهو أنها جزء من فلسطين، وأن أي حل لمستقبل فلسطين لابد أن تثار فيه مسألة القدس وترفض وجهة النظر العربية القبول بأي حل أو تسوية لو لم تتضمن إعادة القدس إلى وضعها السابق (أي قبل 1967)، ويلتقي هذا الرأي مع وجهة نظر كثير من دول العالم التي تتمسك بالقرارات الدولية وتقيم وزناً لها.
وتتمسك الكنيسة الكاثوليكية منذ عام 1948 بالقرار القائل بتدويل القدس وفقاً لنظام التقسيم 1947 ويؤيد هذا الرأي وجهات نظر محايدة على اعتبار أن القدس مدينة مقدسة للديانات الثلاث لا يجب أن يعطى أحد سلطة السيادة عليها، أو كما عبر البابا عن ذلك (بأن القدس هي رمز لما تمثله دوماً مدينة الله، واحدة حرة للسلم والصلاة وأرض السمو والصعود).
وقد طرح اللورد كارادون (صاحب القرار 242) تصوراً لمستقبل القدس ، يقترح فيه تجزئة القدس إلى مدينتين أحداهما تحت الحكم العربي، والأخرى تحت الحكم (الإسرائيلي)، مع حرية الحركة والاتصال بين المدينتين على أساس الحرية والمساواة والاحترام المتبادل والتعايش السلمي (لتكون القدس بوابة السلام تفتح الطريق أما علاقة جديدة من الاحترام والثقة المتبادلين).
مقابل هذه الفرضيات، تعتبر وجهة النظر المؤيدة للاحتلال (الإسرائيلي)، رغم قبولها بالقرارات الدولية التي تدين هذا الاحتلال، أن البقاء (الإسرائيلي) في القدس قد أصبح حقيقة واقعة، وأن الأقلية العربية أصبحت في طريقها إلى النزوح عن طريق التهديد أو الترغيب أو الاختيار، وتلتقي مع ذلك في وجهة النظر (الإسرائيلية) التي تصر على فرض الأمر الواقع بحجة أنه لا يمكن العودة إلى (الأسلاك الشائكة والحواجز) التي كانت موجودة في الفترة ما بين 1948-1967، وأن (إسرائيل) هي أجدر من يتولى حراسة الأماكن المقدسة، ومنذ بداية الاحتلال والمسؤولون يؤكدون أن قضية القدس ليست موضع بحث على الإطلاق . وأنه لا يمكن العودة عن (توحيد القدس) ويعلنون رفضهم وتجاهلهم لكل القرارات الدولية التي تشجب ضم القدس (لإسرائيل) وسائر الإجراءات التي تغير وضع القدس وطابعها.
إن الحق العربي في القدس، والذي أقرته كل الأجهزة الدولية، لا يمكن أن يخضع للمساومة، وقرار الجمعية العامة في 4 تموز 1967 يعتبر احتلال القدس غير شرعي وبالتالي يرفض السيادة (الإسرائيلية) عليها، في حين أنه أكد على سيادة وحقوق العرب، والتي تشمل حق العرب بممتلكاتهم وضمان أرواحهم وسيادتهم وتحريرهم من التهديد (الإسرائيلي) بطردهم من بيوتهم ومصادرتها. وليس محض صدفة أن قرارات مجلس الأمن الستة، التي تشجب الإجراءات (الإسرائيلية) في القدس، لا تشير إلى القرار رقم 242 رغم أنها كانت جميعها تالية له، لأنه طبقاً لبعض تفسيرات القرار 242 تخضع الحقوق والسيادة على الأرض العربية للمساومة، في حين أن القرارات بشأن القدس جعلت المدينة فوق المساومة، وهذه حقيقة يجب أن لا تهمل.
مع هذا الكسب العالمي، تبدو نقطة ضعف أساسية في الموقف الدولي، فالعرب حتى الآن، لم يحصلوا على إجماع دولي لإجبار (إسرائيل) على إلغاء قرارها الذي كانت قد أصدرته بضم القدس العربية ضماً كاملاً إلى (إسرائيل) وجعلها عاصمة دائمة.
وأخبراً، وفي وسط المناقشات والحلول المطروحة، يبدو أن العالم ينسى أمرين: الأمر الأول أن قضية القدس هي جزء من القضية الفلسطينية. والأمر الثاني الحقوق العربية المغتصبة في (القدس الجديدة) منذ 1948، فالقدس التي نتطلع إليها هي القدس بشطريها القديم والجديد.





 القائمة الرئيسية

 

 

 


  الرئيسة | من نحن | خريطة الموقع | اتصل بنا
  حقوق النشر محفوظة © 2014، موقع مدينة القدس.