بحث تفصيلي


 القائمة البريدية
الرئيسة | من نحن | خريطة الموقع | اتصل بنا


محاولات تهويد المدينة المقدسة

 الأحد 7 تشرين الأول 2007 9:55 مساءً
Bookmark and Share          

المصدر: ليث عرار- باحث


المقدمة:
تهويد القدس أولاً وآخراً، هو ذلك الحلم الصهيوني الذي لا تراجع عنه، مهما تكنْ الأسباب والظروف في القدس, بدأ المشروع الاستيطاني اليهودي وبالقدس يستكمل حلقاته الأهمّ والقدس هي كما يقولون قلب الصهيونية أو هي جوهر المشروع الصهيوني ومآله الأخير.

 

أهمية البحث:
تُعالِج هذه الدراسة موضوع تهويد القدس فيما بعد حرب 1967م، وذلك بسبب خطورة الغزوة الاستيطانية الصهيونية على أرض فلسطين، واستهداف الغزوة الاستيطانية  لمدينة القدس وخصوصاً بعد احتلال الأراضي العربية إثْر حرب 1967م، حيث اندفع الاستيطان اليهودي للمدينة المقدسة بشراسةٍ لا نظير لها في التاريخ، مستهدفاً الأرض والإنسان العربيين في محاولةٍ لتغيير الطابع العربي والإسلامي للمدينة بطابع غربيّ، خالقاً أوضاعاً ديموغرافية وسياسية واجتماعية جديدة على أرض الواقع.

 

وهكذا فقد شهدت الفترة من 1967م وحتى بعد معاهدة السلام عام 1993م أقصى درجات التسارع على صعيد الاستيطان اليهودي في القدس. ومن المهم دراسة هذا الاستيطان والتهويد ومدى تأثيره في الحاضر والمستقبل على وضع القدس، ومدى التغيرات التي أحدثها هذا الاستيطان على أرض الواقع.

 

أسلوب وعرض البحث:
اعتمد الباحث في هذا المبحث على منهج التحليل التاريخيّ وذلك من خلال تتبّع الاستيطان اليهودي في القدس ومراحل التهويد وأهم خطواته الاستعمارية.

 

قسّمت الدراسة إلى ثلاثة فصول على النحو التالي:
الفصل الأول:- استراتيجية التهويد العمراني ومصادرة الأراضي.
وتمّ تقسيمه إلى ثلاثة مباحث الأول عن الأساليب التي استعملتها "إسرائيل" لمصادرة الأراضي، وتناول المبحث الثاني مراحل ومصادرات الأراضي أما المبحث الثالث عن خطة القدس الكبرى.


الفصل الثاني والذي تناول السياسة "الإسرائيلية" المتّبعة ضدّ السكان العرب فتمّ تقسيمه إلى ثلاثة مباحث تم دراسة سياسة التهجير الصهيونية للسكان العرب في المبحث الأول ودراسة سياسة هدم البيوت وسحب الهويات من السكان المقدسيين في المبحث الثاني. أمّا المبحث الثالث فتمّ فيه الحديث عن جدار الفصل العنصري في الجزء الجنوبي من القدس.

الفصل الثالث تمّ دراسة القدس من الناحية السياسية في ثلاثة مباحث تناول أوّلها موقف معاهدة السلام عام 1993م من القدس، وتحدّث المبحث الثاني عما حصل في القدس من خطوات للتهويد بعد عام 1993م، أمّا المبحث الثالث فقد تناول السيناريوهات المقترحة للحل النهائي لقضية القدس.

 

تمهيد

أتمّت القوات "الإسرائيلية" –ضمن عدوانها الشامل– في السابع من حزيران عام 1967 احتلال القدس الشرقية، بما فيها من مقدّسات إسلامية ومسيحية، وفي 28/5/1967 أعلن حاييم موشي شابيره وزير الداخلية "الإسرائيلي" آنذاك ضمّ أحياء القدس الشرقية قسْراً تحت شعار القدس الموحدة.


ومع إتمام المخطط الاحتلاليّ "الإسرائيلي" واستصدار القوانين الملزمة كقانون توحيد القدس وعاصمة "إسرئيل" الأبدية، شرعت الإدارة المذكورة بتنفيذ مشاريع إضفاء الشرعية "الإسرائيلية" على الأرض من خلال البرامج الاستيطانية التي سبقتها إجراءات مصادرة أرض عرب القدس.


ومنذ الساعات الأولى للاحتلال بدأت السياسة "الإسرائيلية" والجرّافات برسم المعالم لتهويد القدس، من أجل فرض الأمر الواقع وإيجاد أوضاع جيوسياسية يصعب على السياسي أو الجغرافي إعادة تقسيمها مرة أخرى، وشرع في وضع أساسات الأحياء اليهودية في القدس الشرقية لتُقام عليها سلسلةٌ من المستوطنات تحيط بالقدس من جميع الجهات، وإسكان مستوطنين فيها لإقامة واقعٍ جغرافيّ وديمغرافي وإحداث خلخلة سكانية في القدس العربية، وبعد أنْ كان سكان القدس يشكلّون أغلبية في سنة 1967م، أصبحوا بعد عمليات المصادرة وبعد إقامة المشاريع الاستيطانية وفتح الطرق والبناء ضمن الأحياء العربية يقيمون فقط على 20% من الأراضي.


حيث كان ولا زال الاستيطان اليهودي في فلسطين الخط الرئيسي الذي تترسّمه الحركة الصهيونية في تحقيق أطماعها وتكريس وجودها في فلسطين، وقد تمكّنت الحركة الصهيونية على مدى ما يربو على نصف قرنٍ من الزمان من صقل خبراتها الاستيطانية وصوغ مخططاتها لتنفيذ أهدافها التوسعية. حيث شرعت "إسرائيل" بعد حرب 1967م ببدء ممارسة سياستها الاستيطانية التوسعية لتدعيم سيطرتها على مدينة القدس ومحيطها تمهيداً لتهوديها وطمس طابعها العربي للأبد.


وعلى مدى ما يُقارب 40 عاماً من الاحتلال قامت بلدية القدس ومن خلفها الحكومة "الإسرائيلية" بإجراءات عديدة من أجل فرض الأمر الواقع وتغيير الواقع الديمغرافي والجغرافي للمدينة المقدسة ضاربة بالمواثيق والأعراف الدولية عرض الحائط متجاهلة جميع قرارات مجلس الأمن. حيث لم تتوانَ "إسرائيل" في تجميد نمو المناطق العربية في مدينة القدس وما حولها وسدّ الطريق أمام أيّ تواصلٍ جغرافي وسكاني بين المدينة والمناطق الفلسطينية المحاذية لها.


وقد ساعدها على ذلك العديد من العوامل منها:
1. وجود تركّز يهودي كبير محاذي في القسم الغربي من المدينة.
2. الشروع في عملية التهويد منذ اللحظة الأولى لاحتلال المدينة عام 1967.
3. إقامة مستوطنات حكومية ولجانٍ وزارية هدفها تغيير معالم المدينة وطمس طابعها العربي، حيث تم تخصيص موارد ضخمة لهذا الغرض.
4. إصدار قوانين ومراسيم خاصة على اعتبار أنّ القدس مدينة "إسرائيلية" يسري عليها ما يسري على غيرها من المدن الفلسطينية الواقعة تحت السيطرة "الإسرائيلية".
5. الاعتماد على حركات دينية متطرفة في مجال الاستيطان.
6. إرهاب السكان المقدسيين في محاولة طردهم وتفريغ مدينتهم من خلال فرض قيودٍ مجحفة عليهم.
7. زيادة الاتصال بالمستوطنات والمراكز والمدن "الإسرائيلية" من خلال التوسّع في إنشاء شبكات الطرق.
8. إيجاد مراكز صناعية في القدس لربط تلك المراكز بالمؤسسات "الإسرائيلية".


عند الإمعان في سياسة التهويد التي انتهجتها إسرائيل حيال مدينة القدس نستطيع القول إنّ سلطات الاحتلال اعتمدت على محوريْن أساسيين لتهويد المدينة وتوطيد السيطرة عليهما وهما: مصادرات الأراضي وإقامة المستوطنات.


الفصل الأول: استراتيجية التهويد العمراني ومصادرة الأراضي

 

المبحث الأول: أساليب مصادرة الأراضي

تنوعت الأساليب التي اتّبعتها "إسرائيل" في مصادرتها للأراضي وإنْ كانت قد تجنّبت في البداية المساس بأملاك المؤسسات الدينية للتخفيف من وطأة ردود الفعل العالمية.
ونلخص أهم أساليب المصادرة فيما يلي:


(1) أراضي الغائبين:
حيث أصدرت سلطات الاحتلال على إثر احتلالها للشطر الشرقي من مدينة القدس مجموعةً من الأوامر العسكرية تزعم أنّ هدفها هو حماية الأراضي ومصالح الغائبين من خلال إدارتها وحراستها ولكن الحقيقة عكس ذلك حيث إنّ هدفها هو المحافظة على حقّها المطلق بالتصرّف بأموال وأراضي الغائبين.


نذكر من هذه القوانين والأوامر العسكرية التي أصدرتها السلطات الإسرائيلية:
قانون أملاك الغائبين لعام 1967م، حيث اعتبر كلّ من كان موجوداً في خارج الضفة بغضّ النظر عن مكان وجوده في تاريخ صدور القرار يعتبر غائباً، وهو يتناول أملاك الغائبين عامة سواء كانت منقولة أم غير منقولة، وقد أوجد هذا القانون ما يسمّى ((بالحارس)) الذي أوكلت إليه مهمة المحافظة على أملاك الغائبين حتى عودتهم.
وبعد يومين من إعلان هذا القانون وبتاريخ 25/7/1967 تم بموجبه تسجيل أسماء سكان القدس الباقين فيها، واعتبر كلّ فرد لم يتمْ تسجيله في عداد الغائبين، وحوّلت جميع ممتلكاته إلى حارس الأملاك الذي يحقّ له أن يتصرف فيها كما شاء.


(2) مصادرة الأراضي لأغراض عسكرية وأمنية:
حيث تقوم سلطات الاحتلال بإغلاق العديد من المناطق لأغراض التدريب والرماية واعتبارها مناطق أمنٍ للجيش ومن ثم تقوم باستغلالها لإقامة المستوطنات المدنية، وقد كانت المصادرات لأغراض أمنية وعسكرية هي الأسلوب المتّبع في أغلب الأحيان.


(3) الخرائط الهيكلية:
يُعَد هذا الأسلوب حضارياً لتطوير المدن والقرى على حدّ سواء وهدف سلطات الاحتلال من هذه الخرائط هو خنق البناء العربي والحدّ من النمو العمراني والسكني للأحياء العربية في الوقت الذي تتاح فيه الفرصة للأحياء اليهودية بالتوسع والإحاطة بالإحياء العربية في المدينة والقرى المجاورة لها، وأنْ تبقى جزءاً من الأراضي بمثابة احتياطيّ مستقبلي لعمل مستوطنات عليها بحجّة أنها مناطق خضراء لا يسمح بالبناء عليها وبهذه الطريقة الجديدة لمصادرة الأرض وحيازتها من قِبل السلطات "الإسرائيلية"، قُدِّرت مساحة الأرض التي تم الاستيلاء عليها من القدس بحوالي 44%.


(4) شراء الأراضي:
كان شراء الأراضي يتمّ عن طريق الصندوق القومي اليهودي حتى عام 1961م  وبعد ذلك أصبحت مؤسسة ((هيمنوتا)) التابعة للصندوق القومي اليهودي المسؤولة عن عمليات الشراء هذه، وقد قام اليهود بعمليات الشراء للأراضي بأساليب الغش والتزييف، واعتبرت مثل هذه الإجراءات "الإسرائيلية" مناهضة لروح اتفاقيتيْ (لاهاي) و(جنيف) اللتيْن تحرّمان على دولة الاحتلال السيطرة وحيازة ملكية الأراضي إلا في حدود ضيّقة لا تشمل هذه الحالة.

 

المبحث الثاني: مراحل مصادرة الأراضي:

 

يمكن القول إن حملة مصادرات الأراضي التي تشنها "إسرائيل" على مدينة القدس قد حدثت على مدى أربع مراحل رئيسية منذ عام 1967 نفصّلها في ما يلي:


المرحلة الأولى:
بدأت بإعلان مصادرة 116 دونماً من القسم الجنوبي من أحياء البلدة القديمة بحجّة المصلحة العامة لإقامة الحي اليهودي الجديد، وبأمرٍ من وزير المالية "الإسرائيلي" حينها "سابير" هُدِمت منازل معظم الحي اليهودي (حارة الشوفة والمغاربة) وصودرت منازل قدرت بـ(700) مبنى حجريّ لم يمتلكْ اليهود منها إلا (105) قبل عام 1948. وشمل الهدم أيضاً بعض المساجد والأدْيِرة والمحلات، رافقها فوق كلّ ذلك تهجير سكان الحيّ من الغرب الذين وصل عددهم قرابة 6500 نسمة.


ونتيجةً لعملية الاستيلاء على المنطقة المذكورة وُسّعت رقعة الحي اليهودي من (5) إلى (150) دونماً وشمل ذلك المنطقة الواقعة بين الحائط الغربي للمسجد الأقصى ودير اللاتين في القدس، حيث أقدمت الحكومة على إنشاء مشروعٍ إسكانيّ في الحي وصل عدد سكانه إلى 2300 نسمة.


المرحلة الثانية:
بدأت هذه المرحلة عام 1968م وتمّ خلالها مصادرة 3345 دونماً من أراضي منطقة الشيخ جرّاح وودادي الجوز وأرض السمار وقرى شعفاط ولفتا والعيسوية لتُقام عليها أحياء استيطانية يهودية أخذت بإغلاق الأفقيْن الشمالي والغربي واستمرّ ذلك حتى أواخر السبعينات يوم استملك  اليهود الممتلكات الشخصية والوقفية للسكان العرب بين حارة الأرمن وحي المغاربة وحلّ المستوطنون اليهود مكان الفلسطينيين المحليين.


المرحلة الثالثة:
كانت في أوائل الثمانينات حين أقرّت الكنيست "الإسرائيلي" في 10/7/1980م قانوناً جديداً أدرج في قائمة القرانين الأساسية.


ينصّ على أنّ القدس عاصمة "إسرائيل" وهدف القانون منع أيّ حكومة "إسرائيلية" من التوصّل لأيّ اتفاقٍ يمسّ السيادة "الإسرائيلية" على القدس, ورافق ذلك أنْ أقدمت الحكومة على مصادرة مساحاتٍ من قريتيْ بيت حنينا وشعفاط تبلغ مساحتها 4400 دونم لإقامة مستوطنات بسغات زئيف وبسغات عومر.


المرحلة الرابعة:
مهندس هذه المرحلة التي بدأت عام 1987م ولا تزال جارية حتى الآن هو آرئيل شارون، رئيس الوزراء "الإسرائيلي" الحالي.


ويعود ذلك لإقدامه على احتلال بيتٍ يملكه عربيّ في أحد الأحياء الإسلامية في المدينة وما تبعها من خطواتٍ مشابهة في القرى والمدن المحيطة بالقدس من طرف الجماعات اليهودية المتطرفة وعمل اليهود على تغيير أسماء بوابات القدس التاريخية بقصد تهويدها، وذلك مُوضَّح في الجدول التالي:

 

أسماء بوابات القدس التاريخية والاسم العبري بعد التهويد

الاسم العربي التاريخيّ
الاسم العبري بعد التهويد
1. باب الخليل
شاغر يانو (يافا).
2. باب الحديد
شاغر هحداش.
3. باب العمود (دمشق)
شاغر شكيم.
4. باب الزاهرة (الساهرة)
شاغر هورودوس.
5. باب ستنا مريم
شاغر هاريون (الأسود).
6. باب المغاربة
شاغر هأشفا (النفايات).
7. باب الرحمة
شاغر هرحميم.
8. باب النبي داود
شاغر تنسيون (صهيون).

 

 

المبحث الثالث: الاستيطان "الإسرائيلي" ومحاصرة المدينة المقدسة:

يمثّل الاستيطان "الإسرائيلي" في مدينة القدس أهمّ المحاور الرئيسية التي ترتكز عليها سياسة التهويد "الإسرائيلية" حيث أخذ "الإسرائيليون" منذ احتلاهم الشطر الشرقي لمدينة القدس عام 1967م  بالعمل وفْق خططٍ مدروسة لتهويد المدينة عملياً وذلك من خلال مصادرة الأراضي أولاً وبناء المستوطنات ثانياً.. ولهذا أقدمت السلطات "الإسرائيلية" على وضع خطةٍ عُرِفت بخطة الأحزمة لمحاصرة القدس من جميع الجهات وسدّ منافذ تواصلها جغرافياً وسكانياً وديمغرافياً مع الضفة الغربية، ولعزلها ووضع الفلسطينيين داخلها وخارجها تحت الأمر الواقع.

 

تمّ تقسيم المستوطنات "الإسرائيلية" في مدينة القدس ومحيطها إلى ثلاثة أطواق رئيسية تمّ استكمالها طوقاً تلو الآخر منذ عام 1967 م وحتى الآن:

 

الطوق الأول:
شرعت "إسرائيل" بإقامة هذا الطوق من المستوطنات حول مدينة القدس إثر احتلالها للجزء الشرقي من المدينة مباشرة هادفةً من ذلك محاصرة البلدة القديمة داخل الأسوار والأحياء العربية المجاورة لها تمهيداً لتفتيتها وإخلائها من سكانها المقدسيين. ويضمّ هذا الطوق كلاً من:
1. الحي اليهودي داخل البلدة القديمة جنوباً الذي قامت سلطات الاحتلال ببنائه على أنقاض أحياء المغاربة والباشورة والشرف العربية قرب قرية دير اللاتين في القدس القديمة.
2. الحديقة الوطنية المحيطة بسور البلدة من الشرق والجنوب والتي تضمّ مساحاتٍ خضراء واسعة يمنع البناء عليها لتبقى كاحتياطيّ طبيعيّ تلجأ إليها قوات الاحتلال في توسعاتها الاستيطانية المستقبلية.
3. المركز التجاري الرئيسي للمدينة القديمة الذي يكمل هذا الطوق من الناحية الشمالية ويخلق التحاماً بين القدس الشرقية والغربية بمشروعٍ مكمّل له وهو ما يسمى بمشروع قطاع ماميلا.


الطوق الثاني:
يمتدّ هذا الطوق على طول الأراضي الواقعة ضمن حدود أمانة القدس ويشمل العديد من الأحياء السكنية على شكل قوسٍ يحيط بمدينة القدس العربية من الجهات الجنوبية والشمالية والشرقية. ويهدف هذا الطوق إلى عزل المدينة العربية عن التجمّعات السكانية العربية إلى الشمال والجنوب والحيلولة دون حدوث تواصل بينها الأمر الذي يؤدّي إلى تشديد الخناق عليها وتقليص نموها في خطوةٍ لإخلائها من سكانها وإيجاد حلقةٍ من الوجود اليهودي تحاصر المدينة، وقد أقامت السلطات "الإسرائيلية" العديد من المستوطنات في إطار هذا الطوق منذ عام 1970 وحتى عام 1985 نذكر منها: رامات أشكول، سانهدريا، النبي يعقوب، نحلات دفنا.


الطوق الثالث:
شرعت "إسرائيل" في إقامة هذا الطوق تحقيقاً لمشروعها (مشروع القدس الكبرى) الذي وضعت مخططاته لجنة هندسية "إسرائيلية" منذ عام 1968، ويهدف هذا المشروع إلى ضمّ مساحات جديدة من الأراضي تتراوح مساحتها بين 400-500 كم2 ويقطنها نحو 250 ألف عربي من سكان المدن والقرى التي تدخل في نطاق هذا المشروع، وهي: مدينتي البيرة ورام الله شمالاً، بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور وحتى أطراف مدينة الخليل جنوباً، هذا بالإضافة إلى 60 قرية عربية، وبالانتهاء من هذا المشروع تكون سلطات الاحتلال قد شطرت الضفة الغربية إلى شطرين: شمالي مركزه نابلس، وجنوبي مركزه الخليل. وفي إطار هذا الطوق أقامت "إسرائيل" العديد من المستوطنات نذكر منها: ألكانا ، كندا بارك، كفار عتسيون، ألون شيفون، روش تسوريم، أليعيزر، أفرات، تكواع، غفات حداشا.


الطرق الالتفافية:
تقوم "إسرائيل" بمصادرة آلاف الدونمات من الأراضي لشقّ الشوارع والطرق الالتفافية وهو الأمر الذي يخدم هدفين في آن واحد، أولهما: السيطرة على المزيد من الأراضي العربية وترسيخ التواصل بين المستوطنات على حساب التواصل بين المدن والمناطق العربية. وثانيهما: ضمان السيطرة على المناطق الفلسطينية وترسيخ مفهوم الفصل الذي طالما نادت به "إسرائيل".


هذا وأضافت سلطات الاحتلال حلقة جديدة إلى حلقات مخطط التهويد الذي يستهدف المدينة المقدسة فقامت بتغيير أسماء الشوارع والطرق العربية والتاريخية واستبدلتها بأخرى يهودية في سبيل إزالة معالم الحضارة العربية والإسلامية ولا سيما وأنّ لكلّ اسمٍ من هذه الأسماء دلالاته التاريخية التي ترتبط بتاريخ العرب والإسلام.

 

المبحث الرابع: خطة القدس الكبرى ((متربوليتان القدس))


وبعد الانتهاء من مراحل الاستيطان والتهويد السابق أتتْ مراحل أخرى من مراحل التهويد والاستيطان ورسم الحدود وهي رسم ما يسمّى حدود القدس الكبرى (المتروبوليتان)، التي تلتهم جزءاً كبيراً من الضفة الغربية، حيث تبدأ حلقة أخرى في إقامة مستوطنات خارج حدود بلدية القدس وهدفها هو التواصل  الإقليمي والجغرافيّ بين المستوطنات الواقعة في الضفة الغربية وخارج حدود البلدية بالإضافة إلى إقامة شبكةٍ من الطرق بين هذه المستوطنات.


وكخطوةٍ باتجاه القدس الكبرى تم في 12/8/1992م الإعلان عن تأسيس ملتقى القدس الكبرى من مستوطنات معالية أدوميم، وآدم، وجفعات زئيف، وغوش عتصيون، وبيتار، وكفار أدوميم، ويجري فيها البناء بطاقة كاملة وقد تم إضافة مخطط لضمّ جبل أبو غنيم حيث شرع ببناء مستوطنة باسم (هار حوفا) وهو جبل يلتهم جزءاً من أراضي بيت ساحور الواقعة ضمن محافظة بيت لحم.


الخطوة الرئيسية للمتروبولتيان القدس 2010 جرى إعدادها في شباط عام 1993 بالاشتراك بين وزارة الداخلية ووزارة البناء والإسكان وبلدية القدس ودائرة أراضي "إسرائيل" حيث كان من أهمّ أهدافها:
• الحفاظ على طريق حرة للسكان والمستخدمين والتجارة.
• تعزيز وإسناد مكانة القدس الخاصة كعاصمةٍ لـ"إسرائيل" وكمدينة عالمية.
• خلق تواصلٍ واضح للسكان من اليهود ومنع وجود جيوب سكانية متداخلة وتقليص التقارب والاحتكاك مع العرب.
• وصل معاليه أدوميم وجفعات زئيف وغوش عتصيون وبيتار وكفار أدوميم بالقدس من خلال إيجاد تواصلٍ مع السكان اليهود في لواء القدس.


حيث تقوم تلك الخطة المذكورة على عددٍ من الخطوات نذكر منها ما يلي:
1- تعزيز الوجود "الإسرائيلي" الأمني والاستيطاني خارج حدود بلدية القدس، بإقامة ثلاثة أحزمة استيطانية وفي مقدّمتها حزام مستعمرتيْ جبل أبو غنيم وجيلو.
2- إنشاء لواء عسكري خاص يكون مسؤولاُ عن إغلاق القدس وفصل مناطق كثيرة بواسطة حواجز عسكرية عن مركز المدينة.
3- إغلاق جميع المؤسسات الفلسطينية الموجودة في القدس وإبعاد الشخصيات الوطنية أو التحقيق معها وإبلاغها بأنها شخصيات غير مرغوب فيها.
4- سحب الهويات "الإسرائيلية" من المواطنين المقدسيين الساكنين في المناطق التي سيتمّ تهويدها إلى مناطق فلسطينية مثل (بيت حنينا)  وتسليمهم هويات فلسطينية مع أبنائهم تحت السيطرة "الإسرائيلية" (منطقة ج).
5- ربط حزام القدس الشرقية بالقدس الغربية عن طريق الأنفاق التي تشقّ الآن (جبل الشارف وجبل الزيتون).


ومن اتجاهات العمل باتجاه توسيع القدس الكبرى مخطط أعلن عنه في 11/11/1993م ويقضي بربط مستوطنات معاليه أدوميم مع مستوطنة متسبيه يريحو عبر خلق تواصلٍ إقليمي وسكنيّ بينهما، وكذلك مخططات لبناء 12 ألف وحدة سكنية على أراضي قرية الولجة قرب بيت جالا، يُضاف لها 3 إلى 4 آلاف وحدة سكنية بين القدس وبيت جالا أعلن عن المخطط لإنشائها عام 1994م.


وفي الختام لا بدّ لنا أنْ نشير إلى أنّ كلّ هذه المستوطنات "الإسرائيلية" والتي ساهمت في عزل مدينة القدس وتهوديها كانت تحقيقاً لمشروع "إسرائيل" (القدس الكبرى) الذي طُرِح في أعقاب حرب حزيران 1967م والذي نشرت تفاصيله في جريدة معاريف "الإسرائيلية" من خلال تقريرٍ عن القدس الكبرى عاصمة "إسرائيل" يكشف النقاب عن هذا المشروع الذي قامت بوضع مخطط له لجنة هندسية "إسرائيلية" عام 1968م بهدف توسيع حدود مدينة القدس لتمتدّ من قرية سنجل بلواء رام الله شمالاً إلى قرية بيت فجار جنوباً إلى قريتيْ كفر عقب والرام شرقاً، وتبلغ المساحة الكاملة لهذا المشروع 446,279، وهو الأمر الذي يترتّب عليه ضمّ جزءٍ كبيرٍ من أراضي الضفة الغربية حواليْ (400 إلى 500) كم2 وإخضاعها للسيادة "الإسرائيلية" بهدف تجزئة الضفة الغربية جغرافياً وتفتيت التجمعات السكانية العربية وتجميد الامتداد العمراني العربي مما يؤدّي إلى اكتظاظ العرب داخل الأحياء العربية في الشطر الشرقي لمدينة القدس، فيتّجهوا إلى البناء خارج حدود البلدية وبالتالي تتقلّص أعدادهم في مدينة القدس.


ويتأكّد لنا سعي "إسرائيل" الحثيث لتنفيذ مشروعها (القدس الكبرى) وإخراجه إلى حيّز الواقع إذا علمنا أنّ مجلس الوزراء "الإسرائيلي" كان قد قام في يوم 21/6/1998 باتخاذ قرارٍ بتوسيع حدود البلدية في مدينة القدس لتشمل جميع المستوطنات المحيطة بمدينة القدس ومساحات شاسعة من أراضي الضفة الغربية وذلك في إطار خطةٍ أطلق عليها اسم (تعزيز مدينة القدس) وتقتضي هذه الخطة بتوسيع المدينة من ناحية الغرب لتصبح مساحتها 600 كم2 ولتمتدّ بين مدينتيْ رام الله وبيت لحم.


يمكننا القول إنّ السلطات "الإسرائيلية" قد قطعت شوطاً لا يُستهان به في تنفيذ خطتها لتهويد المدينة المقدسة وإخراج مشروعها إلى حيّز التنفيذ.

 


الفصل الثاني: السياسة "الإسرائيلية" المتّبعة ضدّ السكان العرب

المبحث الأول: سياسة هدم البيوت وسحب الهويات


ضمّت "إسرائيل" القدس الشرقية ولكنْ هذا الضم لم يصحبْه ضمٌّ للسكان بمعنى اعتبارهم مواطنين في الدولة التي ضمّت مدينتهم إليها. وأبقت الحكومة "الإسرائيلية" على الجوازات الأردنية التي حملها السكان مع منحهم الهوية "الإسرائيلية"، مما أدّى إلى نشوء وضع غريب، أصبح فيه السّكان مواطنين أردنيين ومقيمين في "إسرائيل" في الوقت نفسه بمعنى أنّ المقدسيّين أصحبوا مقيمين وليسوا مواطنين وكأنّ المقدسيين دخلوا إلى "إسرائيل" وليس العكس، مما أثّر على الحقوق والواجبات المترتبة على المواطن وعلى الإقامة بـ"إسرائيل".


كما أنّ هذه الأنظمة تخوّل السلطات المعنية بإلغاء هذه الإقامة الدائمة لكلّ مواطن ثبتت إقامته خارج "إسرائيل" حيث إنّ الفقرة (أ) من المادة (11/ ج) من أنظمة الدخول إلى "إسرائيل" تبيح ذلك إذا توافرت الشروط التالية:
1- البقاء خارج "إسرائيل" مدة سبع سنوات على الأقل.
2- الحصول على إذن إقامة دائمة في دولة أخرى.
3- الحصول على جنسية دولة أخرى.

 

وبناءً هذه الشروط بدأت "إسرائيل" بمصادرة بطاقات الهوية "الإسرائيلية" بدايةً بأعدادٍ قليلة من مقدسيات متزوّجات بمواطنين أردنيين، وبعدها بدأت وزارة الداخلية بسحب الهويات من أبناء القدس ذكوراً وإناثاً بحجّة انتقال مركز حياتهم إلى خارج "إسرائيل"، على الرغم من أنّ خروجهم من القدس كان ضمن سياسة (الجسور المفتوحة) التي تبنّتها حكومة "إسرائيل" منذ سنة 1967م وبموجب تصريحٍ ساري المفعول لمدة ثلاث سنوات وكانت عودتهم قبل انتهاء المدة المذكورة وقد تم احتجاز الكثير من بطاقات الهوية من قِبَل موظّفي مكتب وزارة الداخلية في القدس الشرقية عندما أراد أصحابها تجديدها بناءً على توجيهٍ من الموظفين "الإسرائيليين" على الجسور، كما أنّ قانون مركز الحياة الذي تمّ تكريسه والعمل به اعتباراً من 1/1/1997م اعتمد صيغة قانونية فحواها بأنّ من يسكن داخل حدود القدس فقط له الحقّ في الإقامة الدائمة والفعلية، على ضوء ذلك فإنّ أكثر من (120) ألف مواطنٍ مقدسيّ مُهدّدون بفقدان حقّهم في الإقامة الدائمة في القدس على اعتبار أنّهم زائرون غير مقيمين إقامةً دائمة بعد صدور هذا القرار.


هدم المنازل:
بدأت  قوات الاحتلال عقب الاحتلال مباشرةً بسلسلةٍ من أعمال الهدم والنسف لأملاكٍ عربية لتسهيل عملية التهويد، وقامت بإخلاء العقارات المصادرة بالقوّة من أهلها فتمكّنت من إخلاء 1000 مواطنٍ من مسكنهم وأماكن عملهم داخل الأسوار وخارجها. وفي يوم 11/6/1967م؛ أي بعد أربعة أيامٍ من عملية الضمّ، كانت قوات الاحتلال قد هدمت حي المغاربة الذي كان يضمّ 135 منزلاً يسكنها 650 شخصاً، وقد قامت سلطات الاحتلال آنذاك بهذه المؤامرة مستهدفةً بشكلٍ أساسيّ إخلاء الأحياء العربية داخل سور المدينة وخاصةً تلك المجاورة لمنطقة الحرم القدسي الشريف من الجهتين الغربية والشمالية تمهيداً لهدمها بحجّة عدم لياقتها السكنية والصحية.


وقد ثابرت "إسرائيل" على سياستها تلك في سبيل تقليص مساحة الأراضي المخصصة للبناء العربي وللحيلولة دون تطوّر المناطق الفلسطينية مقابل تشجيع البناء الاستيطاني اليهودي. ففي الوقت الذي تتهاون فيه السلطات "الإسرائيلية" في وزارة الداخلية قسم مراقبة البناء في إصدار أوامر الهدم للمنازل فإنها تضع قيوداً عديدة لمنح المواطن المقدسي الرخصة اللازمة لتمكينه من بناء السكن حيث إنها تفرض رسوماً باهظة لمنح الرخصة تبلغ حوالي 20 ألف دولار، وكذلك فإنّها تشترط الحصول على موافقة عددٍ كبيرٍ من الدوائر الحكومية وإعداد مخطّطات تفصيلية مُكلِفة قبل منح الرخصة.


هذا علاوةً على أنّ عدم وجود مخطّطات هيكلية للمناطق العربية أدّى لاتّباع نظام مرفقٍ للبناء بحيث لا تتعدّى نسبة البناء 50% من مساحة الأراضي، في الوقت الذي تصل فيه إلى 300% أو ما يزيد على 8 طوابق في حالة البناء في المستوطنات "الإسرائيلية". وقد بلغ معدّل هدم المنازل سنوياً حوالي 50 منزلاً في حين أنّ سلطات الاحتلال لم تقُمْ بمنح الفلسطينيين سوى 10 آلاف رخصة بناء منذ عام 1967م مقابل 70,000 رخصة مُنِحَت للمستوطنين في الشطر الشرقيّ من المدينة. كذلك فإنّه لم تتمْ أيّة مشاريع بناء فلسطينية في المدينة إلا بمعدلات متواضعة بلغت 10% مقابل 90% لصالح المستوطنين اليهود.


أثارت عمليات الهدم المستمرّة التي تنفّذها سلطات الاحتلال العديد من المشكلات الاجتماعية حيث نجم عنها بقاء 21 ألف أسرةٍ بدون مأوى يعيشون فيه. ارتفعت الكثافة في الوحدات السكنية نتيجة لإقامة أكثر من عائلة في منزلٍ واحد حيث بلغ متوسط عدد الأفراد في الوحدة السكنية نحو 5,8 في حين أنّه يبلغ نحو 3,5 في حالة الوحدات السكنية الخاصة باليهود. وقد أدّت عمليات الهدم هذه أيضاً إلى هجرة بعض الأسر إلى خارج حدود البلدية حيث البناء الأرْخص والأسهل خاصةً إذا علمنا أنّ إعادة بناء منزلٍ في القدس تكلّف الفرد مبالغ طائلة حيث يبلغ سعر بناء المتر المربع حوالي 450 دولاراً.

 

المبحث الثاني: سياسة التهجير الصهيونية


قال الجنرال رحبعام زئيفي، زعيم حركة موليدت، من على شاشة التلفزيون "الإسرائيلي" أثناء الحملة الانتخابية للكنيست الثانية عشرة في تشرين الثاني عام 1988م: (علينا ألا نخجل من تحقيق الفكرة (الترانسفير) الترحيل لسائر السكان غير اليهود (الفلسطينيين)... وهذا شعارٌ رفعناه قبل أكثر من مائة عام أي في (1881) منذ بداية الهجرة اليهودية الأولى، واليوم أنا جئت أحثّكم على تطبيق ما أوصَتْ به المؤتمرات الصهيونية المتعاقبة منذ المؤتمر الصهيوني الأول في بازل في سويسرا عام 1897م، لقد سبقني دافيد بن غوريون في تنفيذ المهمة التي أوكلت له فأمر رجاله بعدم التردّد بإنجازها، فشرعوا بها في اللد والرملة النقب وفي الجليل).


أمّا مئير كهانا زعيم حركة كاخ السابق، فقد أكّد هو الآخر ما قاله هذا المسؤول الصهيوني الكبير بقوله: (وهكذا يبدو أنّ نزوح الفلسطينيين العارم الذي تمّ بالقوة والإكراه هو نتيجة حتمية لتنفيذ الهدف الصهيوني الذي صاغ "حاييم وايزمن" شعاره تحت عنوان الاستيلاء على البلاد).


 لم تكنْ القدس بمنأى عن هذه المؤامرة الصهيونية، فما إنْ بدأ الاحتلال البريطاني يثبت أقدامه  فوق أرض فلسطين بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى ويرسّخ قواعد الاغتصاب الصهيوني في أرض فلسطين من خلال وعد بلفور لعام 1917م ومعاهدة مؤتمر (سان ريمو) وحصوله على براءة الانتداب وتوظيفه لصالح الصهيونية منذ عام 1920م، حتى بدأت الصهيونية تدفع بالموجات الاستيطانية إلى قلب مدينة القدس.


شرع الصهاينة باحتلال الشطر الغربي من مدينة القدس في اللحظة التي بدأت فيها قوات الانتداب البريطاني إخلاء مواقعها في قلب المدينة وتسليمها لليهود يوم 14/5/1948م، وبعد أنْ توقّفت المعارك في ضوء اتفاقيات الهدنة لوقف إطلاق النار ركّزت الصهيونية جهودها لنقل عاصمتها من تل أبيب إلى القدس, وبعد عامٍ ونصف تقريباً، أي بتاريخ 13/12/1949م، أعلنت سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" (القدس) عاصمة لها، وفي هذه الأثناء بدأت عملية استيطانٍ يهودية محمومة لتهويد المدينة وطرد سكانها، حيث قامت عصابات الهاجاناة الصهيونية باحتلال الجزء العربي من القدس، وشرّدت 84000 فلسطينيّ واستولت على كامل ممتلكاتهم وعقاراتهم، وقامت ببيع حوالي 100000 منزلٍ فلسطينيّ مؤثث ومجهزٍ للمستوطنين اليهود الجدد في المدينة، وحُرِم الفلسطينيون من سكان الجزء الغربيّ من العودة إلى أراضيهم وبيوتهم وممتلكاتهم؛ حتى إمكانية إعادة الشراء حُرِموا منها ليصبح الجزء الغربيّ مفرغاً تماماً من الفلسطينيين حيث لم يتبقَّ من العرب في الشطر الغربي سوى 1100 مواطنٍ عربي من مجموع (84000) نسمة.. ثم قفز عدد المستوطنين عام 1950م إلى (123000) مقابل ثلاثة آلاف عربي.


وعقب احتلال ما تبقّى من فلسطين عام 1967م، تعرّض الشطر الشرقيّ من القدس الذي كان يخضع للإدارة الأردنيّة قبل الاحتلال إلى عملية اقتلاع مباشرةٍ للفلسطينيين المقدسيّين، حيث هدم حي المغاربة بالكامل وأعطت قوات الاحتلال للأهالي ثلاث ساعات فقط لإخلاء الحي وفي الوقت نفسه تم إخلاء 6500 فلسطيني ممن كانوا يقطنون الحي اليهودي القديم، وتم إبعادهم إلى خارج حدود مدينة القدس.


وعمدت سلطات الاحتلال إلى تبنّي سياسة ديموغرافية هادفة إلى إبقاء نسبة فلسطينيّي القدس تحت سقف نسبة عددية محددة، بناءً على قرار اللجنة الوزارية "الإسرائيلية" لرعاية شؤون القدس التي تم تأسيسها في عام 1967م حيث حدّدت تلك اللجنة نسبة 24% للفلسطينيين و76% لليهود وبقيت هذه النسبة تراوح حول هذا المعدل، وأشارت إحصائية عام 1992م إلى نسبة الفلسطينيين التي وصلت إلى 27,2%.

 

ولكيْ تحافظ على معدل هذه النسبة لجأت السلطات المحتلة إلى طرقٍ ووسائل مختلفة بدءاً بمصادرة الأراضي الفلسطينية مروراً بالإهمال العام للخدمات الأساسية المقدّمة للسكان الفلسطينيين في القدس، ومصادرة الأراضي وصولاً إلى اقتلاع الإنسان من أرضه وإضافة بُعدٍ جديد للاقتلاع، وذلك  بالإغلاق الدائم على القدس، وعزلها جغرافياً وبشرياً عن باقي أجزاء الوطن المحتل عام 1967م.


وبناءً على هذه الاستراتيجية فإنّ فلسطينيّي القدس يبقون عنواناً للطرد والإبعاد المباشر وغير المباشر عن المدينة.

 

المبحث الثالث: جدار الفصل العنصري حول القدس


جدار القدس هذا الذي سيحيط بها سيصل طوله عند إكماله إلى 84كم ويكون ارتفاعه تسعة أمتار أو أكثر، وهو جزءٌ من الجدار الذي تقيمه "إسرائيل" بينها وبين الضفة الغربية ويقطع أوصال القرى والبلدات الفلسطينية ويشتت سكانها عند إتمامه.


والهدف الرئيس من جدار القدس هو إخراج أكبر عددٍ ممكن من الفلسطينيين من حدودها وإدخال مستوطنات "إسرائيلية" بعضها ذات كثافة سكانية عالية مثل معاليه أدوميم التي يبلغ عدد سكانها ثلاثين ألفاً، وعند إتمامه ستكون مناطق مثل كفر عقاب وقلنديا ومخيم شعفاط وغيرها خارج  حدود القدس الشرقية. وتقول (إسرائيل) إنّ عدد نفوس هذه المناطق بلغ خمسة وخمسين ألفاً، بينما يؤكّد الفلسطينيون أن العدد سيكون أكثر من ضعف ذلك.


وسيُحرَم هؤلاء الفلسطينيون من كل الخدمات التربوية والصحية وغيرها التي كانوا يحصلون عليها عندما كانوا ضمن حدود القدس. كما أنّ بعضهم سيفقد عمله أو تجارته على المدى البعيد. بل الخوف من أنْ تعتبر "إسرائيل" هؤلاء من الغائبين وتُصادَر أملاكهم. كما أنّ دخولهم للقدس سيكون مرهوناً بما يقرّره الجنود الذين يقفون على المداخل التي ستضعها (إسرائيل) عند الجدار حيث سيخضعون للتفتيش والتدقيق في وثائقهم والتفرّس في وجوههم وسيكون مصيرهم في هذا مثل مصير إخوتهم في الضفة الغربية الذي يقفون في طوابير لساعات يلقون من العنت والمضايقة مما يجعل حياتهم أشبه بجحيم.


وإذا كان عدد الداخلين والخارجين خمسةً وستّين ألفاً، كما يقول لوبوليانسكي رئيس بلدية القدس،  فمعنى هذا أنّ الانتظار سيستمر لساعات، ورئيس البلدية هذا كان قد وصف الجدار بأنّه: " بركة! أو أنه باب من أبواب الحياة وإنْ كان سيثير غضب الفلسطينيين وحقدهم".


وهذا العذاب لا يصيب الذين سيخرجون من مدينتهم فحسب، بل سيصيب الباقين فيها أيضاً، فبالإضافة إلى ما يلاقيه سكان القدس الشرقية منذ سنين طويلة من مضايقات في السكن حيث تتعرّض بيوتهم للتهديم بحجة البناء غير المرخص، وعدم السماح لهم ببناء بيوت جديدة أو توسعتها؛ فإنّ المساحة الجغرافية ستضيق بهم ذرعاً خاصةً بعد أنْ نزح عددٌ كبير منهم إلى المركز بعد أنْ علموا بأنّ الجدار سيُقام في مناطقهم ويُخرِجهم منها.


كما أنّ محاصرة اليهود لهم ستزداد في المستقبل وخاصةً أنّ الأرثوذكس (الحريديم)  أخذوا يحلّون محل اليهود العلمانيّين الذين بدؤوا بمغادرة المدينة منذ سنوات، وهؤلاء ينجبون أعداداً كبيرة من الأولاد قد يصل عددهم إلى اثنيْ عشر ولداً أو أكثر للعائلة الواحدة. حيث بلغ عدد المواليد في القدس 18 ألفاً في عام 2004م.. وبحسب التقديرات فإنّ أكثر من ثلثيْ هؤلاء من اليهود إذْ بلغ عدد سكان مدينة القدس حتى الآن 700000 نسمة ثلثاهم من اليهود.


وحيث إنّ الهدف الأساسي من بناء جدار القدس هو تهويد المدينة وإخراج الفلسطينيين منها على المدى البعيد بكل الوسائل والسبل كي تواجه "إسرائيل" الفلسطينيين بالأمر الواقع وتقطع الطريق عليهم في أنْ تكون القدس الشرقية عاصمة لدولتهم القادمة. ليس من الصدفة أنْ يأتي قرار مجلس الوزراء "الإسرائيلي" بالعمل على إكمال الجدار الذي يحيط بالمدينة، وتسريع بنائه في الذكرى السنوية الأولى لقرار محكمة العدل الدولية التي أصدرت حكماً بعدم شرعيته واعتبرته مخالفاً للقانون الدولي كما طالبت بهدمه، فقد عوّد شارون العالم على تحدّيه للقرارات الدولية وعدم  الالتزام بها بل ورفضه لها.


وما تقوم به "إسرائيل" اليوم ليس مخالفاً للقانون الدولي فحسب، بل إنّه مخالفٌ لروح العصر الذي يرفض كلّ شكلٍ من أشكال العنصرية وعملها هذا هو تجلٍّ واضح لهذه العنصرية.


أمّا الأهداف السياسية التي يمكن استشفافها من هذه الخطة الشارونية فهي:
1- تحديد حدود القدس الموسعة التي ترغب "إسرائيل" في إخضاعها لسيطرتها من جانبٍ واحد دون مراعاة لأية قواعد أو اتفاقات.
2- عزل المدن والقرى الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة عن مدينة القدس وضواحيها وقراها مع ما في ذلك من تمزيق للأرض، وخلق المشاكل سياسية واقتصادية واجتماعية لا تُحْصى بين المقدسيين وغيرهم من الفلسطينيين.
3- التنكّر للقوانين والمواثيق الدولية ولكلّ قرارات الأمم المتحدة التي لا تجيز احتلال أرض الغير بالقوة المسلحة أو تطبيق قوانينها عليها.

 


الفصل الثالث: القدس من الناحية السياسية

 

المبحث الأول: القدس في مفاوضات السلام الفلسطينية-"الإسرائيلية"


نصّ إعلان المبادىء الموقّع بين "إسرائيل" ومنظمة التحرير الفلسطينية في 13/9/1993م والذي عُرِف بإعلان (أوسلو) على إقامة سلطة حكم ذاتي انتقاليّ فلسطينيّ في الضفة الغربية وقطاع غزة لفترةٍ لا تتجاوز خمس سنوات، تتمّ خلالها وقبل بداية العام الثالث مفاوضاتٌ على الوضع النهائي يُفتَرض أنْ تؤدّي أخيراً إلى تسويةٍ دائمة اعتماداً على قراريْ مجلس الأمن رقميْ (242، 338).


وقد أجّلت عملية البت في القضايا الجوهرية والحساسة إلى مفاوضات الحلّ النهائي، ويأتي في طليعتها  موضوع القدس، ثم المستوطنات، واللاجئين والترتيبات الأمنية والحدود التي يفترض أنْ تبدأ مع بداية السنة الثالثة في الفترة الانتقالية.


وفي اتفاق أوسلو وكما سلف البيان تمّ إرجاء التفاوض حول القدس إلى محادثات المرحلة النهائية، وهو ما اعتبرته "إسرائيل" فرصةً لتطبيق نظريات سابقة لتعزيز السيطرة على القدس كاملة داخلها ومحيطها. حيث أكّد رئيس الوزراء "الإسرائيلي" إسحاق رابين في 2 أيلول 1993م أي قبلَ التوجّه لحضور حفل توقيع اتّفاق أوسلو في واشنطن، أنّ هدف الحكومة "الإسرائيلية" الحالية هو كغيرها من الحكومات السابقة، الإبقاء على القدس عاصمةً أبدية لـ"إسرائيل"، فالقدس الموحّدة لن تكون مفتوحةً للتفاوض، لقد كانت وستكون إلى الأبد عاصمةً للشعب اليهودي وتحت السيادة اليهودية، وهو مطمح وآمال وحنين كلّ يهودي. وفي حفل توقيع الاتفاق المذكور أعلن إسحاق رابين أمام الجميع: (لقد جئنا من القدس العاصمة القديمة والأبدية للشعب اليهودي).

 

لقد جاءت توكيدات رابين هذه ، وحتى ساعة توقيع الاتفاق لتؤكّد موقف حكومته. وفي 21 تشرين أول من عام 1993م، أي بعد مضيّ شهرٍ واحدٍ على توقيع اتفاق أوسلو، أصدرت الكنيست  طالإسرائيلي" قراراً يقضي بمنع إجراء أيّ تعديلٍ على حدود مدينة القدس أو مكانتها إلا بموافقة 80 عضواً من أصل 120 عضواً يشكّلون هيئة الكنيست. غير أنّ هذا القرار يبقى مسألةً داخلية لمنع أيّ حكومة "إسرائيلية" من القبول بالمطالب العربية، وذلك على الرغم من مخالفته للقوانين والقرارات الدولية.


ويأتي تأجيل البتّ في مصير مدينة القدس نظراً لما أبدته "إسرائيل" من حساسيةٍ خاصة تجاهها من ناحيةٍ وفي ضوء اهتمام المسلمين والمسيحيين واليهود بها من الناحية الدينية من ناحية أخرى، وللتعقيدات اللازم التباحث حولها من ناحية ثالثة. وقد أعطى تأجيل التفاوض حول وضع القدس إلى مفاوضات المرحلة النهائية "إسرائيل" الوقت اللازم لإتمام تهويد المدينة. نظراً لعدم شمول اتفاقيات المرحلة الانتقالية لمواد تنصّ صراحةً على بقاء الأوضاع الديموغرافية والسياسية والدينية في المدينة المقدسة كما هي، حيث استمرت "إسرائيل" في تبنّي سياسة تثبيت السيادة "الإسرائيلية" في القدس واستمرّت في مصادرة الأراضي العربية وبناء المستوطنات اليهودية، وشقّ الطرق الالتفافية ومضايقة المؤسسات الفلسطينية العاملة في القدس، وفصل القدس عن بقية المناطق الفلسطينية، وعدم السماح بدخولها إلا بتصريح... الخ.


وعليه فإنّ إرجاء التفاوض حول القدس يُعَدّ سلخاً لها عن سائر الأرض المحتلة والتعامل معها بشكلٍ مميّز حيث أبدت "إسرائيل" إصراراً منقطع النظير على تقديم أيّ تنازلٍ ذي طابع جغرافيّ أو سياسي في القدس فيما لم تبدِ التشدّد نفسه في موضوع السكان إزاء التحاقهم بسلطةٍ خارجها عبر الانتخابات والترشيح وغيرها.


ومن المتوقّع أنْ يتقوّى الموقف "الإسرائيليّ" في المفاوضات النهائية حول القدس بتطوّر المتغيّرات التي فرضتها "إسرائيل" منذ عام 1967م على المدينة وبخاصةٍ فيما يتعلّق بالمستوطنات المتداخلة مع التجمعات السكنية العربية وتزايد برامج تهويد القدس وإزالة الطابع العربي عن القدس الشرقية، أي أنّ "إسرائيل" تعتقد أنّها نجحت فعلاً في فرض الأمر الواقع عن المدينة ولم تعترفْ بالقدس الشرقية جزءاً من الأراضي العربية المحتلة ممّا يعفيها من مسؤولية الانسحاب منها وفق القرارات الدولية (قرار242).


وبذلك  يتّضح أنّ مسألة القدس القانونية لم تُحسَمْ منذ القرار رقم (181) المتعلّق بالتقسيم وتدويل القدس وحتى بدء المفاوضات  الفلسطينية-الإسرائيلية، وتوقيع  إعلان المبادئ (أوسلو) في 13/9/1993م، حيث كانت القدس تعني فلسطينياً القدس بشقّيْها، لكنّ توقيع إعلان المبادئ والذي يهدف إلى تحقيق تسوية دائمة على أساس قراريْ مجلس الأمن 242 و338 اللذيْن يتناولان الأراضي الفلسطينية التي احتُلّت سنة 1967م فقط، عرّفََ مفهوم السيادة على القدس بخصوصية (القدس الشرقية) أمّا القدس الغربية والقرى الفلسطينية التي ضُمّت مساحتها إليها بعد حرب عام 1948م، وقيام الدولة الصهيونية فقد يُطالِب الفلسطينيّون بتعويضهم عن أملاكهم فيها ضمن حلّ مشكلة اللاجئين والقضايا الأخرى ذات الاهتمام المشترك.


ولذلك يمكن القول إنّ مسار المفاوضات السلمية والأسس التي تشكّلت عبره لا تتعامل حتى مع الحقّ الفلسطيني الكامل في الجزء الشرقي المحتل في مدينة القدس عام 1967م.

 

المبحث الثاني: القدس فيما بعد معاهدة السلام


بعد اغتيال رابين برصاص متطرّف يهوديّ، وصعود شمعون بيرس إلى رئاسة الوزراء وزعامة حزب العمل الحاكم، فإنّ النشاط الاستيطاني اليهودي في القدس بدأ وكأنّه قد حصل على قوة دفعٍ جديدة، ففي الأيام الأولى من عام 1995م كشفت الحكومة "الإسرائيلية" النقاب عن قرار مصادرة أكثر من 53 هكتاراً من أرضٍ يملكها مواطنون فلسطينيون في شرقي القدس، وحسب الإعلان فإنّ هذه الأراضي قد صودرت لإقامة مجمّعٍ استيطانيّ جديد ومركزٍ للشرطة.


ويُعتَبر هذا الموقف سابقةً منذ عام 1967م، حيث اعتادت الحكومات "الإسرائيلية" على ربط مصادرات الأراضي العربية بأغراضٍ عامّة وأمنية والحرص على تجنّب ربطها بإقامة مستوطنات لليهود.


وفي 3 آب/ 1995م أصدرت المحكمة "الإسرائيلية" العليا قراراً يسمَح لمجموعة دينية يهودية متطرّفة تُدْعى (أمناء جبل الهيكل) بدخول الحرم القدسي وأداء الصلاة بداخله.


وقد تمثّل إعلان النوايا المشار إليه من جانب حزب الليكود لإثبات ولائه لمدينة القدس حيث كان ذلك من الأسباب الرئيسية لفوز نتنياهو بمنصب رئيس الحكومة "الإسرائيلية" والتي جرت عام 1996م، وقد أصرّ نتنياهو طيلة فترة رئاسته للحكومة "الإسرائيلية" بأنْ تظلّ القدس عاصمةً موحّدة لـ"إسرائيل" وإلى الأبد.


ويبدو أنّ ملف القدس فُتِح في عهد باراك على أوسع نطاقٍ في إطار الصراع المتصاعد على السيادة على المدينة ما بين الفلسطينيين والحكومة "الإسرائيلية"، فبعد أنْ تبلورت خطوط المفاوضات النهائيّة بين الطرفين، وتبيّنت أنّه لا يمكن التوصّل إلى اتفاق إطارٍ حول القضايا النهائية إلا بحلّ أكثر قضيّتيْن تعقيداً وهما القدس واللاجئين، وفي مفاوضات كامب ديفيد حمَل رئيس الوزراء "الإسرائيلي" باراك مجموعةً من الأفكار والمقترحات لعرضها عن السلطة الفلسطينية كانت في مجملها تسعى لتهويد المدينة المقدسة وانتهت اجتماعات كامب ديفيد الثانية بفشلٍ ذريع نتيجةً لعدم تنازل "الإسرائيليين" في إعطاء الفلسطينيين حقّهم في أنْ تكون القدس الشرقية عاصمةً لدولتهم المستقلة.


وقد مثّلت زيارة زعيم اليمين "الإسرائيلي" آرئيل شارون للحرم القدسي في القدس الشرقية يوم 27/9/2000م استفزازاً لمشاعر العرب والمسلمين والتي كانت بدورها الشرارة الأولى لانتفاضة الأقصى المباركة والتي تداعى لها الفلسطينيون وقوات الاحتلال منذ اللحظة التي دخل بها شارون باحات الأقصى المبارك والتي أصبح لها تداعيات كثيرة لا نزال نعيش أحداثها، والظاهر أنّ شارون أراد من قيامه بتلك الزيارة لتحقيق هدفيْن: الأول عقائدي والثاني حزبيّ داخلي، حيث فاز برئاسة الحكومة "الإسرائيلية" تحت ذريعة تحقيق الأمن لـ"الإسرائيليين" وبقاء القدس موحّدة، بل أكثر من ذلك بتوسيعها وعمل خطّة غلاف للقدس والتي تنصّ على بناء جدارٍ طوله 11كم في جنوب المدينة لفصلها عن قطاع بيت لحم في الضفة الغربية وحفر الخنادق وإقامة حواجز وأبراج حراسة حول المدينة، والواضح أنّ لجوء شارون إلى إنشاء هذا الجدار كان نتيجة فشل نظرية شارون الأمنية والتي كانت السبب وراء نجاحه برئاسة الحكومة.

 

المبحث الثالث: السيناريوهات المحتملة للحلّ النهائيّ لقضية القدس


سعت السلطات "الإسرائيلية" منذ عام 1948م إلى ترسيخ الأمر الواقع الذي هدفت من ورائه إلى إيصال هذه القضية إلى ما هي عليه الآن وشملت هذه الإجراءات مصادرة الأراضي وتوطين المستوطنين في المدينة ومضايقة المواطنين العرب لدفعهم إلى الهجرة من بيوتهم وترك أراضيهم، بالإضافة إلى الإجراءات التي كانت تُغَطّى بقوانين الكنيست "الإسرائيلي" مثل (القانون الأساسي) الذي ينصّ على جعل مدينة القدس العاصمة الأبدية لـ"إسرائيل".


وقد بدأت الأوساط الفلسطينية والعربية تُقِرّ بشكلٍ مباشر وغير مباشر بهذا الواقع الجديد الذي فُرِض على المدينة، ويبعد ذلك جلياً من الإقرار بالقدس الغربية عاصمةً لـ"إسرائيل" ومن خلال الأطروحات التي تطالب بعاصمة فلسطينية في القدس الشرقية فقط أو حتى في أيّ مكانٍ يتبع إدارياً للقدس الموحدة، بشرط ضمان حرية الوصول إلى أماكن العبادة الإسلامية والمسيحية، بل إنّ رئيس منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية ياسر عرفات تحدّث أثناء توقيع اتفاقية أوسلو عن القدس بوصفها (المركز الاقتصادي والروحي والدينيّ للشعب الفلسطيني) دون أنْ يركز أنها ستكون العاصمة الفلسطينية.


ونتيجةً لعملية التفاوض المتوقّعة بين الجانبيْن وفي ظلّ الضغوط الدولية المختلفة وفي حال التمكّن من إجهاض الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية. فإنّ الاحتمالات تتراوح بين:


1-  عاصمة لدولتين:
هذا السيناريو مقبول عند الطرف الفلسطينيّ، ولا سيما أنّه يعني بصورةٍ أو بأخرى عودة شرق المدينة كاملة للسيادة العربية وانسحاب "إسرائيل" منها، وما سيلحق به من إعادة الحقوق العربية وسحب بعض المستوطنات.


2-  عاصمة للفلسطينيين خارج حدود البلدية:
جاء هذا الاقتراح من طرف بعض السياسيين "الإسرائيليين" البارزين وبالذات من حزب العمل مثل (يوسي بيلين) وغيره الذين رأوا اتخاذ أبو ديس عاصمةً للفلسطينيين مع تشكيل بلدية سقف في المدينة وبلديتين فلسطينية و"إسرائيلية" ويستبقي هذا الحلّ من السيادة "الإسرائيلية" على المدينة ويسكت أو يرضي الطرف الفلسطيني.


3-  عاصمة نظرية للفلسطينيين:
هناك مشروع يتمثّل في تقليد بعض النماذج العالمية كألمانيا وحتى "إسرائيل" نفسها، وذلك بموافقة "إسرائيل" على جعل القدس عاصمةً لدولة فلسطينية نظرياً ودون سيادة مع إقامة المؤسسات الفلسطينية والدوائر الحكومية في مدينة أخرى كرام الله أو بيت لحم.
وهذا الحلّ يمكن أنْ يطابق (موريل) بون وبرلين في ألمانيا أو ما يتعلّق بالقدس وتل أبيب، فالسفارات الأجنبية في تل أبيب وليس في القدس العاصمة المعلنة لـ"إسرائيل".


4-  تقاسم المدينة:
سيؤدّي تطبيق قرار مجلس الأمن رقم 242 إلى تقسيم المدينة وإعادتها إلى ما قبل عام 1967م وهذا يعني وجود سيادتين على المدينة إحداهما "إسرائيلية" والأخرى فلسطينية. مع النظر إلى البلدة القديمة كمنطقة محايدة أو تحت إشرافٍ دوليّ لتأمين الوصول إلى الأماكن المقدسة، وخلال ذلك يمكن إيجاد صيغة تفاهم بين الطرفيْن تتعلّق بسكان المدينة كحريّة التنقّل بدون تأشيرات والسماح بتداول عملة الطرفين ونزعها من السلاح.


أمّا الحل الذي تتبنّاه "إسرائيل" وقد تفرضه موازين القوى التفاوضية القائمة حسب أسس أوسلو فيتوقّع أنْ يتضمّن النقاط التالية:
أولاً: سيادة "إسرائيلية" سياسية على كامل القدس بشقيها الغربي والشرقي.
ثانياً: منح الأحياء العربية حكماً ذاتياً مع بقائها تحت السيادة "الإسرائيلية", وإنْ ارتبطت بالمدينة العربية.
ثالثاً: بناء مدينة فلسطينية على أجزاء من الأراضي خارج أسوار القدس وتتمتّع هذه الأراضي الفلسطينية بالحكم الذاتي.
رابعاً: إيجاد سقفٍ أعلى (بلدية عليا) ذات اسمٍ رمزيّ يحوي معنى سياسياً يؤدّي مهام المسؤولية السياسية على القدس.
خامساً: إقامة مجلس تنسيق بين البلديتيْن.
سادساً: تبادل المستوطنات بمناطق ذات كثافة عربية في القدس ومع منح المتبقّين فيها حرية الانتقال لمدينة جديدة.
سابعاً: إعطاء سيادة إدارية للحوم القدسي الشريف للفلسطينيين بالتنسيق مع الأردن وأطراف عربية أخرى.

 

الخاتمة
ممّا تقدّم وعبر فصول هذه الدراسة اتّضحت مجموعةٌ من الحقائق تبيّن المخاطر التي تتهدّد مدينة القدس وتدقّ الأجراس عالياً لتنبه الضمائر ولتوقِظ النفوس، ولتحشد الطاقات لمواجهة التحديات المفروضة على المدينة المقدسة.


وأول هذه الحقائق هي: أنّ قضية القدس قد دخلت مرحلةً جديدة ومنعطفاً خطيراً بعد ضمّ "إسرائيل" لشطر المدينة الشرقيّ تنفيذاً لمخطّطها الرامي لتوحيد شطريْ المدينة لتكون كما يدّعون عاصمة دولة "إسرائيل" الموحدة والأبدية الممتدة من مدينة رام الله في الشمال وحتى مدينة بيت لحم من الجنوب لتضمّ نحو 900000 يهوديّ.


كذلك عرضت الدراسة لما قامت به "إسرائيل" على مدى ما يقارب أربعين عاماً من الاحتلال إذْ أنّها لم تتركْ وسيلة إلا واتّبعتها ولا مخطّطاً إلا ونفّذته في سبيل تهويد المدينة، وأنّ أبرز شاهدٍ على ذلك غابة المستوطنات التي طوّقت المدينة وحاصرتها وابتلعت أراضيها وكذلك التغيير الجذري الذي أحدثته "إسرائيل" لبنية المدينة السكانية متبعة مختلف الأساليب التي تناولناها وعدّدناها ضدّ السكان العرب، سكان المدينة الأصليين، حيث شنّت "إسرائيل حرباً اقتصادية، واجتماعية وسياسية، وإرهابية لا هوادة فيها في محاولة مستمرة وإصرارٍ دؤوب على تفريغ المدينة من أهلها الشرعيين.


ورغم عدم التكافؤ بين القوة العربية والقوة "الإسرائيلية" والإمكانات العربية والإمكانات "الإسرائيلية" فقد تمكّن عرب القدس بالصمود الباسل والمنقطع النظير من الحفاظ على وجودهم العربي والإسلامي والمسيحيّ والإبقاء على هوية المدينة، وقد كان سلاحهم الوحيد هو إيمانهم بحقوقهم المشروعة وتاريخهم الممتدّ لآلاف السنين.


وما من شكٍّ أنّ هذا الصمود هو الضمان الوحيد للحفاظ على عروبة القدس وهو الأمر الذي يتطلّب من الأمّتيْن العربية الإسلامية الدعم والمناصرة لتبقى شعلة الصمود مضيئة تهدي المدمجين في صمود ظلام الاحتلال إلى الفجر المرتقب بعودة القدس العربية إلى مكانتها التي تبوّأتها عبر عصور التاريخ عاصمةً للعروبة والإسلام.

 

المراجع
1. إبراهيم أبو جابر، وآخرون، قضية القدس ومستقبلها في القرن الحادي والعشرون، مركز دراسات الشرق الأوسط، عمّان، 2002.
2. السلطة الوطنية الفلسطينية، القدس تحت الاحتلال، مطبعة الجراشي، بيت لحم، 1998.
3. جواد الحمد، المدخل إلى القضية الفلسطينية، مركز دراسات الشرق الأوسط، عمّان، 1999.
4. شذا الخطيب، القدس العربية ثلاثون عاماً من التهويد والتحدي، بيت المقدس للنشر والتوزيع، 2001.
5. علي الدجاني، عرفان نظام الدين، القدس إيمان وجهاد، بيروت، 1989.
6. صالح عبد الجواد، نحو استراتيجية فلسطينية تجاه القدس، مركز دراسة وتوثيق المجتمع الفلسطيني، بير زيت، 1998.
7. عبدالله العرفان، القدس في المواقف الدولية والعربية والإسلامية، دار أسامة للنشر والتوزيع، عمّان 2002.
8. روحي الخطيب، تهويد القدس، المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة، الرباط، 1993.
9. محمد عناب، الاستيطان الصهيوني في القدس 1967–1993، (رسالة ماجستير) بيت المقدس للنشر والتوزيع، 2001.


المقالات:
1. أحمد القرعي، توسيع بلدية القدس في مخطط تهويدها، صحيفة الأهرام، 2003.
2. جعفر حسن، جدار القدس يعزل آلاف الفلسطينيين عن مدينتهم، صحيفة الحياة اللندنية، 18/7/2005  عن موقع الإنترنت www.palestine-info.info. 





 القائمة الرئيسية

 

 

 


  الرئيسة | من نحن | خريطة الموقع | اتصل بنا
  حقوق النشر محفوظة © 2014، موقع مدينة القدس.