جدار الفصل العنصري والقدس عزل وحصار وتهجير

تاريخ الإضافة الثلاثاء 14 تشرين الأول 2008 - 12:48 م    عدد الزيارات 16142    التعليقات 0

        

جدار الفصل العنصري والقدس
عزل وحصار وتهجير

 

 

 

 

إعداد 
الدكتور/يوسف كامل إبراهيم
فلسطين- غزة - جامعة الأقصى

 

 
"إذا حصلنا يوماً على القدس، وكنت لا أزال حياً وقادراً على القيام بأي شيء فسوف أزيل كل شيء ليس مقدساً فيها لدى اليهود، وسوف أحرق الآثار التي مرت عليها قرون"(1) بهذه الكلمات القصيرة لخص هرتزل زعيم الصهيونية السياسات (الإسرائيلية) المنظمة تجاه القدس منذ احتلالها عام 1948، والتي تكرست أثناء احتلال (القدس الشرقية) وضمها عام 1967على أيدي (الحكومات الإسرائيلية) المتعاقبة، فمدينة القدس باتت اليوم أكثر عزلة عن محيطها الفلسطيني، بسبب إجراءات الحصار والعزل والإغلاق المفروضة على المدينة، والتي توجت ببناء جدار الفصل العنصري في محيطها حيث صادر هذا الجدار مساحات إضافية من أراضيها وحول المدينة إلى غيتو كبير تحيطه المستوطنات اليهودية من جميع الجهات وتشكل مدينة القدس رمزية الصراع الديني والحضاري العربي الصهيوني، واستمرار سياسة التهويد على أرض القدس وسكانها وأماكنها المقدسة منذ احتلال القسم الغربي من المدينة في حرب عام 1948، واستكمال احتلال القدس عام 1967، وقد اعتمدت السلطات الصهيونية على مجموعة من الوسائل والطرق لإحكام سيطرتها على القدس ومنها :
• مصادرة الأرض
• بناء المستوطنات
• تهجير الفلسطينيين من موطنهم في القدس
• وإحلال المستوطنين اليهود مكان العرب
• وإزالة معالمها العربية والإسلامية وإفقادها طابعها الديني والحضاري

 

القدس في الفكر الصهيوني:

 

بقيت فكرة العودة إلى أرض الميعاد، حاضرة في الذهن الصهيوني إلى أن جاءت الحركة الصهيونية المعاصرة وأعادت صياغة ذلك المفهوم، بشكل سياسي معاصر أدت ترجمته إلى قيام الكيان الصهيوني الحالي، وقد امتلأت أسفار التوراة والتلمود بفكرة العودة إلى أرض الميعاد، وأنها ستحقق في الأرض المقدسة على يد (المخلص) الذي يقوم بجمع يهود الشتات والعودة بهم إلى أرض الميعاد واتخاذ القدس (أورشليم)، عاصمة له ويعيد بناء الهيكل فيها. لهذا أخذت القدس بعداً مركزياً في الخطاب الصهيوني لحشد الأنصار من أوساط الجاليات اليهودية في الشتات وتوجيههم للهجرة إلى فلسطين.
دائرة المعارف (Jewish Encyclopedia)(2 )، بدورها شرحت معنى الصهيونية فقالت: «إن اليهود ينبغي أن يحزموا أمرهم وأن يأتوا للقدس ويتغلبوا على قوة الأعداء، وأن يعيدوا العبادة إلى الهيكل مكان المسجد الأقصى، ويقيموا ملكهم هناك»(3)

 

القدس في فترة الانتداب البريطاني:

 

مع وقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني بدأت مرحلة تغيير جذري في الواقع الجغرافي والسكاني في المدينة تمثل في إحداث انقلاب في الميزان الديموغرافي لصالح المستوطنين اليهود تواطأت فيه سلطات الانتداب البريطاني، مع المنظمة الصهيونية العالمية، بالنظر لما تحمله القدس من موقع رمزي بالنسبة للمشروع الصهيوني، كمشروع استعماري استيطاني مغلف بلبوس توراتي مزيف.
وقد حدث هذا الانقلاب عبر العمل في اتجاهين، توجيه مكثف للهجرة اليهودية نحو القدس، ودفع المخططات الهيكلية للمدينة باتجاه الغرب حيث تنمو الأحياء الاستيطانية اليهودية.
فمع بداية الانتداب أخذت السلطات البريطانية بتوسيع حدود بلدية القدس (التي كانت تأسست في العهد العثماني عام 1863) في اتجاه الغرب بشكل يتيح ضم المستوطنات اليهودية إلى المدينة وإبقاء القرى العربية خارجها حيث امتد خط حدود المدينة كيلومترات عدة من الجهة الغربية بما شمل مستوطنات جعفات شاؤول، وثكنات منتفيوري، وبيت هاكيرم، وثكنات هبوعليم، وبيت فجان الذي يبعد 7كم عن أسوار المدينة القديمة، بينما اقتصر امتداد هذا الخط من الاتجاه الشرقي على بضعة مئات الأمتار، ووقف على مداخل القرى العربية المجاورة: الطور، وشعفاط، ولفتا ودير ياسين، سلوان، العيسوية وبيت جعفان.
ففي عام 1921 جرى ترسيم حدود المدينة وضم قطاع بعرض 400م على طول الجانب الشرقي للمدينة القديمة، إضافة إلى أحياء وادي الجوز وباب الساهرة، ومن الناحية الشمالية حي الشيخ جراح، وانتهى الخط عند سور المدينة القديمة فقد شملتها الحدود الجديدة بسبب احتوائها على تجمعات استيطانية يهودية كبيرة، إضافة إلى بعض التجمعات العربية: القطمون والبقعة الفوقا والتحتا والطالبية والوعرية، والشيخ بدر ومأمن الله.

ففي عام 1946 جرى توسيع مخطط المدينة مرة أخرى باتجاه الغرب أيضاً وجرى ضم الأحياء اليهودية الجديدة التي بقيت خارج التنظيم السابق، وقد بلغت مساحة هذا المخطط 20199دونماً، وتوسعت المساحة المبنية في القدس من 4140 دونماً عام 1918 إلى 7230 دونماً عام 1948.
ومن الناحية السكانية فقد أدى تركيز الهجرة اليهودية على القدس وتوجيه توسع حدود المدينة باتجاه استيعاب التجمعات الاستيطانية اليهودية إلى إحداث انقلاب سريع في الميزان الديموغرافي داخل المدينة لصالح اليهود، فعلى سبيل المثال: استوطن 7,40% من المهاجرين اليهود في عام 1922 في القدس، وفي عام 1930 استوطن 1,30% من هؤلاء المهاجرين في القدس.
وقد وصل عدد سكان القدس عام 1922 إلى 5,62 ألفاً منهم 1,28 ألفاً من العرب3,93 و 9,33 من اليهود. وفي عام 1931 وصل عدد سكان المدينة إلى 5,90 ألفاً منهم 2,39 ألفاً من العرب و 2,51 ألفاً من اليهود ومن عام 1944 وصل العدد الكلي إلى 1,157 ألفاً منهم 2,49 ألفاً من العرب و97 ألفاً من اليهود وفق الإحصاءات الرسمية.  
 ووفق إحصاءات وردت في تقرير المندوب البريطاني في هيئة الأمم المتحدة عام 1947 فقد بلغ عدد سكان القدس القديمة 36 ألفاً منهم 6,33 ألفاً من العرب و2400 من اليهود أما (القسم العربي) من القدس الجديدة فقد ضم 39 ألفاً منهم 30 ألفاً من العرب و9 آلاف من اليهود، أما القسم اليهودي من القدس الجديدة فقد بلغ عدد سكانه 89,500 ألفاً منهم 1500 العرب و 88 ألفاً من اليهود, وبذلك يكون سكان القدس في نهاية عهد الانتداب البريطاني 5,164 ألفاً منهم 5\65,1 ألفاً من العرب و 99,4 من اليهود.
وفي ذلك الحين كانت الأحياء العربية خارج القدس القديمة تضم: باب الساهرة، الشيخ جراح، المصراوة، النبي داود، كولونية اليونان، وادي الجوز، ماميلا، دير أبو ثور، وادي النياح، البقعة الفوقا، البقعة التحتا، الطاليية، النمرية، القطمون، الشيخ بدر، الراتزبون.
أما القسم الغربي من المدينة فقد ضم الأحياء الاستيطانية اليهودية التالية: روميميا، رحافيا، نحلات صادق تزكرت موشيه أرفونا، يمين موشيه(مونتفيوري) سنهداريا، نفي شعتان رحاما أرفونا، جعفان شاؤول، زخرون يوسف، بيت يسرائيل، كرم إبراهيم، نحلات صهيون، ميكور حاييم، شخونات هابوعليم، بيت هاكيرم، جعولا، كريات شموئيل، شعاري حيد، موشيرم، ملكورباخ.
وقد استغلت (سلطات الاحتلال الإسرائيلية) التطورات التي تعيشها القضية الفلسطينية في ظل انتفاضة الأقصى منذ سبتمبر 2000م، وقامت بتوظيفها من أجل خلق واقع جغرافي تتركز ملامحه في إحكام سيطرتها على المناطق الحيوية في (القدس الشرقية) لمنع تطورها وتهميش التجمعات الفلسطينية وتحويلها إلى جزر منفصلة عن بعضها البعض من جهة ومنفصلة عن امتدادها في الضفة الغربية من جهة أخرى
والحقائق على الأرض تشير إلى نجاح التهويد العمراني والديمغرافي، مما يشكل خطراً على الوجود العربي فيها، حيث تشير الإحصاءات والدراسات إلى أن ما بقي من (القدس الشرقية) خارج دائرة التهويد يصل إلى 21% فقط، في حين تم الاستيلاء على حائط المسجد الأقصى الجنوبي الغربي (حائط البراق) بطول 47 متراً وارتفاع 17 متراً ليكون مكاناً يصلي فيه اليهود حسب طقوسهم الدينية المزعومة وليطلق عليه زوراً "حائط المبكى"
كما تم تعديل التركيبة السكانية للمدينة لتصل إلى حد المساواة بين العرب واليهود فيها (200 : 170 ألف نسمة)، ناهيك عن تغيير المعالم والهدم والطرد المستمر للسكان العرب في محاولة لإضعاف الموقف العربي الإسلامي إزاءها, من جهة أخرى يحاول اليهود حصر حق المسلمين فيها بالحرم الشريف وحق المسيحيين بكنيسة القيامة، ولذلك اتجهت الحلول (الإسرائيلية) المقترحة لمستقبل المدينة لتقديم الحل الديني أو الوظيفي الإثني مع استبعاد الحل السياسي إلا في جانبه الرمزي فقط، وذلك حتى تبقى السيادة والأمن (إسرائيليين) في المدينة.
وتشكل جميع الممارسات الصهيونية السابقة الممارسات الأخطر على واقع القدس والمقدسيين من الناحية الاجتماعية والاقتصادية التي من خلالها تسعى السلطات الصهيونية لتغيير الواقع الجغرافي والديموغرافي وذلك للوصول إلى النقطة الأخيرة من خطط إحكام السيطرة على القدس بمفهومها الواسع والمتمثل (بالقدس الكبرى).

 

الاستيلاء على المدينة:

 

مع قيام (إسرائيل) بإحكام قبضتها على المدينة، شكلت لجنة بلدية موسعة تتألف من أفراد وممثلين عن لجنة الجالية (فاعد هكهيلاه)(4) والأحياء اليهودية لممارسة مهامها، ثم قامت وزارة الداخلية في كانون ثاني 1949 بتعيين مجلس بلدي جديد، وفي تشرين الثاني 1950، ونظرا للأهمية الدينية للقدس من وجهة نظر الصهيوني، فقد وضعت خطة الاستيلاء الصهيوني على المدينة المقدسة ضمن المخطط العام لاحتلال فلسطين أي منذ صدور تصريح بلفور ورعاية السلطات البريطانية إقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، فقد سهلت سلطات الانتداب للمنظمات الصهيونية احتلال معظم قطاعات المدينة الحديثة التي تم الاستيلاء عليها قبل انتهاء الانتداب البريطاني رسميا, وكانت مذبحة دير ياسين يوم 9 نيسان 1948 التي قامت بها منظمة أرغون الصهيونية من أجل دفع الفلسطينيون للهجرة من مدينة القدس
ولدعم مركز (إسرائيل) في القدس الجديدة قامت سلطات الاحتلال في الفترة بين 1948-1967 بعدد من الإجراءات لمصادرة الأراضي رمت إلى تهويد المدينة بعد أن هجرت سكانها العرب.

 

وسائل وطرق التهويد لمدينة القدس:

•  أولاً: الطرد الصامت
لجأت (إسرائيل) منذ اليوم الأول لاحتلالها (القدس الشرقية) إلى وضع سياسة سكانية مجحفة بحق الفلسطينيين، اعتمدت على مواقف (الحكومات الإسرائيلية) المتلاحقة والتي وضعت أسسها حكومة حزب العمل منذ عام 1967 منطلقة من مبدأ تحجيم وتقليص عدد الفلسطينيين في القدس بما لا يزيد على 24% من النسبة العامة لسكان القدس (بشطريها).
وفي عام 1992 شكلت (وزارة الداخلية الإسرائيلية) لجنة للتحقيق في ضم أراضى تقع شرقي المدينة، حيث أكدت هذه اللجنة على إبقاء النسب السكانية التي حددت في العام 1967م وبناءً على نفس التقرير الذي قدمته لجنة "كبرسكي" لوزارة الداخلية فإن نسبة اليهود في القدس ستصل إلى 77% من الحجم العام للسكان في عام 2020م وذلك بالعمل على زيادة عدد المستوطنين اليهود داخل حدود (البلدية) جنبا إلى جنب مع زيادة الاستيطان في المستوطنات المحيطة بالمدينة التي تقع خارج حدودها الحالية، الجدول التالي يوضح وضع المهاجرين العرب من مدينة القدس بسبب الإجراءات (الإسرائيلية) حتى عام 1993.

 

16.917

هجرة من القدس إلى خارج البلاد منذ عام 1967

12.080

هجرة من القدس إلى خارج حدودها (البلدية)

7.630

كانوا خارج البلاد عندما وقع الاحتلال عام 1967 وعليه لم يشملهم الإحصاء (الإسرائيلي) ولم يحصلوا على حق المواطنة في القدس منذ ذلك الحين.

 

المصدر : جامعة بيرزيت مركز دراسات وتوثيق المجتمع 1998.

ثانياً : سياسة تضييق الخناق على السكان العرب :
اتبعت سلطات الاحتلال مجموعة من الإجراءات التعسفية ضد السكان العرب بهدف تقليص تنامي هؤلاء السكان ولعل أهم هذه الإجراءات هي :
• تحديد حجم وأماكن رخص البناء :
فلقد عملت (السلطات الإسرائيلية) وفق سياسة تجميد البناء العربي داخل حدود (البلدية) ولضمان ذلك ماطلت في إعداد مخططات هيكلية للمدينة والتي بدونها لا يُسمح قانونياً بالبناء، لكن في عام 1970 وبموجب خارطة هيكلية جزئية شملت البلدة القديمة والمناطق المحاذية مثل الطور ووادي الجوز، وسلوان، والثوري، رأس العمود، والمنطقة الجنوبية من القدس بمساحة إجمالية قدرها 10800 دونم، فقد أعطيت لأول مرة منذ الاحتلال رخص تسمح للعرب بالبناء ولم يزد عدد هذه الرخص عن 50 رخصة فقط و أمام الضغط الناتج عن هذه السياسة اضطرت بلدية الاحتلال إلى إحداث تغيير راديكالي عام 1971 ومنحت العرب نحو 400 رخصة مقابل 7000 رخصة منحت لإقامة شقق سكنية للمستوطنين اليهود بالقسم الشرقي من المدينة، والجدول التالي يبين عدد الحيازات المنزلية للعرب بـ(القدس الشرقية)

 

 

 بين العامين

1972

1983

البلدة القديمة

4000

4500

بيت حنينيا /شعفاط

2300

4600

العيسوية /الطور

1900

3300

الشيخ جراح /باب الساهرة

1100

1400

سلوان /الثورى

2500

3300

عرب السواحرة / صور باهر / بيت صفافا

1400

3300

 المجموع

13200

20400

 

 

 ثالثاً : السكان
وللوصول إلى هدف تحجيم وتقليص التواجد السكاني الفلسطيني في المدينة فقد أوجدت سلطات الاحتلال نظاما قهريا فيما يتعلق بسياسة ترخيص المباني السكانية وغيرها، وحصرتها بصورة غير مباشرة في التقدم بطلبات رخص فردية للبناء وإخضاعها لسلم بيروقراطي وظيفي مشدد بحيث تمضي سنوات قبل أن تصل إلى مراحلها النهائية وعلى الرغم من أن (السلطات الإسرائيلية) المعنية بالإسكان في (القدس الشرقية) قد وافقت على 30.000 وحدة سكنية للمستوطنين في أيلول عام 1993 م إلى أنها لم تعط التراخيص اللازمة لبناء 10.000 وحدة سكنية للفلسطينيين، برغم إقرار بلدية الاحتلال في القدس في عام1980 م بأن فلسطيني القدس بحاجة ماسة لبناء 18.000 وحدة سكنية فورا. ومن ناحية أخرى لقد وظف الاحتلال عدة اتجاهات أخرى في هذا الجانب أهمها عدم السماح بارتفاع المباني العربية في (القدس الشرقية) لأكثر من طابقين أو ثلاثة مما يحد من إمكانيات التوسع العمراني العمودي.
وأمام النقص المتزايد في أعداد الشقق المتاحة للسكان العرب داخل حدود بلدية الاحتلال في القدس لم يكن هناك مفر سوى البحث عن مساكن خارج حدود هذه البلدية إما بالضواحي المجاورة للمدينة أو في المدن الأخرى مثل رام الله والبيرة، وهكذا فإن هذا الاتجاه يحقق بصورة غير مباشرة أحد الأهداف التي خططت لها (إسرائيل) في مسألة التهويد.
وإزاء مشكلة تسجيل السكان الذين يهاجرون من المدينة المقدسة قسرا، بسبب الإجراءات (الإسرائيلية) بمنع البناء رد "كوليك" رئيس بلدية الاحتلال السابق في مقابلة مع جريدة الأنباء (الإسرائيلية) بتاريخ 15/8/ 1980  : "إن الجهات المختصة لم تأخذ حتى الآن بطاقة هوية من أحد، وقد توصلت البلدية إلى اتفاق مع المسؤولين في وزارة الداخلية، وتم الحصول على قرار حكومي بعدم المس بمواطن عربي يضطر للبحث عن حل للضائقة السكنية خارج حدود المدينة"، وبخلاف مشكلة ترخيص البناء يعاني السكان العرب وخاصة الأزواج الشابة من مشكلة الحصول على سكن حيث لا يكون بوسعهم سوى الهجرة من المدينة إلى المناطق المجاورة وتحتد المشكلة إذا كانت الزوجة لا تحمل هوية القدس بحيث لا يسمح لها بالإقامة في المدينة مما يعزز مسألة الهجرة لدى الأزواج الشابة ويحد ذلك من النمو الطبيعي للسكان العرب.

 

رابعاً: المناطق الخضراء والمحميات الطبيعية
لقد تم انتهاج سياسة تم بموجبها وضع أراضي فلسطينية صالحة للبناء والتوسع العمراني تحت بند المناطق الخضراء والمحميات الطبيعية وحرمان الفلسطينيين من استخدامها لأغراضهم السكنية، في الوقت ذاته يتم استغلال هذه الأراضي لبناء وحدات سكنية استيطانية بشكل مكثف عليها بعد أن تتم مصادرتها.
و لربما أوضح مثال على ذلك هو مصادرة أراضى جبل أبو غنيم جنوبي مدينة القدس الذي يمتلكه فلسطينيون من بيت ساحور وأم طوبا، وتبلغ مساحته 1850دونما كانت قد أعلنت عنه (السلطات الإسرائيلية) مناطق خضراء تابعة لأراضي الدولة اليهودية ومؤخرا أعلنت عن موافقتها على إتاحة إقامة حي استيطاني عليه يستوطنه 45.000 مستوطن، في حين أن سكان أم طوبا الفلسطينيين والأحياء الفلسطينية الأخرى يعانون من ضائقة سكنية فعلية و يحرمون من التوسع عليه، ومع بدء تنفيذ البناء الاستيطاني على الجبل فإن الحزام الاستيطاني حول القدس من الجنوب سوف يكتمل ليشكل حزاما عازلا بين جنوب الضفة الغربية ومدينة القدس،  

 سياسة هدم وإغلاق المنازل

 

 

 

 لقد انتهجت سلطات الاحتلال سياسة هدم وإغلاق المنازل، الفلسطينية في القدس، إضافة للأساليب السابقة ولأجل الأهداف نفسها (بحجة البناء بدون ترخيص) وفي أغلب الأحيان لأسباب سياسية، ما أدى إلى إبقاء 21.000 نسمة في ظروف معيشية صعبة في القدس تعيش إما في كهوف أو أكواخ خشبية أو خيام، وإذا استطاع هؤلاء الأفراد بناء منازلهم مرة أخرى فسيعرضهم ذلك إلى هدمها مرة أخرى لأن الأراضي التي بنيت عليها أراضى فلسطينية أخضعتها (إسرائيل) لمناطق تخطيط وبناء للأحياء الاستيطانية أو تعلن عنها مناطق خضراء، فقد أعلنت سلطات الاحتلال عن 86% من أراضى (القدس الشرقية العربية) إما مناطق استيطان أو أراضى خضراء، أبقت على 14% فقط من المساحة الكلية للتوسع الفلسطيني المقدسي، والتي تم البناء عليها في الغالبية الساحقة. الجدول التالي يوضح عدد البيوت المهدمة في القدس ما بين 1967- 1980

 

السنة

(القدس الشرقية)

1967

64

1968

66

1969

73

1970

94

1971

127

1972

22

1973

10

1974

26

1975

31

1976

8

1977

-

1978

-

1979

3

1980

4

المجموع

548

 

وكانت هذه الإجراءات جزءا من إجراءاتها ضد المناطق المحتلة. وقد استندت فيها إلى قانون أموال الغائبين ( 31/3/1950) الذي صادرت بموجبه كل أملاك اللاجئين الفلسطينيين الذين اضطروا إلى ترك ديارهم، بالإضافة إلى أملاك السكان العرب الذين بقوا تحت الحكم (الإسرائيلي) ولكن اضطروا إلى تغيير أماكن إقامتهم والجدول التالي يوضح حجم مصادرة الأراضي في بعض مناطق القدس

 

أراضي مصادرة في تجمعات مختارة من محافظة القدس(5 )

 

 

 

اسم التجمع

المساحة الكلية **

المساحة المصادرة**

نسبة المساحة المصادرة

بيت حنينا وشعفاط

16250

15290

94%

بيت صفافا، وشرفات

5300

4510

85%

الطور، والصوانة، والشياح

2210

1510

68%

العيسوية

2700

2320

86%

السواحرة الغربية، وسلوان، وراس العمود، وجبل المكبر، والثوري

10050

7770

77%

الشيخ جراح

750

630

84%

صور باهر، وأم طوبا

7900

6570

83%

وادي الجوز

640

330

51.5%

المجموع

45800

38930

      85%

 

 وأصبح الاستيطان أهم مرتكزات الحركة الصهيونية في الاستيلاء على القدس وأخذ زعماؤها استكمالا للتوسع البشري يخططون للتوسع الجغرافي فبعد عدوان 1967 تمسكت (إسرائيل) بمبدأ عدم العودة إلى حدود 4 حزيران وامتزجت الحجج الأمنية بادعاءات اقتصادية ودينية. ولتثبت التوسع الإقليمي شرعت في خلق حقائق استيطانية بشكل مكثف في بعض المناطق العربية المحتلة, وتولت زرع ما يزيد على تسعين مستوطنة جديدة مختلفة من حيث من الحجم والنوعية (مستوطنات زراعية وقرى صناعية ومراكز مدنية وبلدية ومعسكرات ناحال) وذلك لإزالة وتعديل حدود ما قبل 1967 ووصفت سياسة الزرع هذه بسياسة الضم الزاحف للأراضي العربية، وانتهت الأهداف الصهيونية من وراء تهويد المدينة إلى طرد السكان الفلسطينيين إلى خارج حدود المدينة لكي تحقق المتطلبات الأمنية والاستراتيجية والديموغرافية والاقتصادية من أجل ترسيخ الاحتلال داخل المدينة.

 

• الجدار (الإسرائيلي) يخنق القدس:

 

 

لا يمكن فصل النشاط الاستيطاني عن جدار الفصل في شقه المتعلق بالقدس الذي يهدف إلى إلحاق المزيد من السيطرة على (القدس العربية) وتسريع حركة المستوطنين وتشجيعهم على السكن في المستوطنات ضمن منطقة القدس، حيث سيكون تأثير الجدار الفاصل في القدس هو الأشد والأكثر أهمية.
وقد زادت (إسرائيل) خلال شهر آب/ أغسطس 2003 من مصادرة أراضي فلسطينية في ضواحي (القدس الشرقية) لبناء الجدار حول المدينة, وطرحت (السلطات الإسرائيلية) المحتلة مشروع إنشاء مقطع لجدار الفصل العنصري خاصة بمدينة القدس والمناطق المحيطة بها يعرف باسم "غلاف/ حاضن القدس"، ويتضمن إقامة مجموعة من الأحزمة الأمنية والسكانية لفصل شرقي القدس بشكل تام عن الضفة الغربية ليتسنى السيطرة على حركة الفلسطينيين من وإلى المدينة والتحكم في نموها بما يخدم مستقبل اليهود فيها، كما سيجري دفع غالبية من السكان الفلسطينيين باتجاه الشرق، بما سيؤدي إلى تغييرات ديموغرافية وأخرى جوهرية على مستوى الحياة وعلاقة الإنسان الفلسطيني بأرضه المحيطة الأمر الذي لا يمكن تقدير مدى خطورته.
وقد صادقت (الحكومة الإسرائيلية) على المخطط حول القدس الذي يبلغ طول أسواره نحو 50 كم قبل 9 أشهر، حيث يمتد كعائق متواصل في منطقة القدس في الطرفين الشمالي والجنوبي للمدينة، ويرمي إلى ربط المستوطنات المقامة خارج حدود ما يسمى "بلدية القدس" بالأحياء الاستيطانية داخل حدود المدينة لتكون ضمن الجسم الجغرافي للقدس من جهة، وربط هذا الحزام الاستيطاني اليهودي بالعمق اليهودي في (القدس الغربية) من خلال شبكة من الطرق والأنفاق من جهة أخرى حتى يحصل التواصل الجغرافي المباشر مع (إسرائيل).
والملاحظ أن جدار الفصل الخاص بالقدس يحاول ضم مجموعة من المستوطنات مع أكبر عدد من المستوطنين في الوقت نفسه تجنب التجمعات السكانية العربية مع أقل عدد من الفلسطينيين في منطقة مثل غوش عتسيون وعوفاريم وجفعات زئيف في محيط القدس، وتغليف مستوطنات معاليه أدوميم ومستوطنات جبعون. فعند إنجاز بنائه، سيتم ضم نحو 12 مستوطنة في شرقي القدس عدد مستوطنيها 176 ألف مستوطن وتعادل نسبتهم إلى مجموع المستوطنين نحو 44%، إلى جانب 27 مستوطنة أخرى في محيط القدس، وابتلاع الجدار أكثر من 90% من مساحة (القدس الشرقية) الموسعة بعد سنة 1967 (70كم2) لتدمج في (إسرائيل) لاحقا.
يمر الجدار في أجزاء كثيرة منه قرب التجمعات الفلسطينية الطابع، ويحيط ببعض القرى والبلدات الفلسطينية من ثلاث جهات، وسيفاقم الجدار الفاصل من صعوبات حصولهم على الخدمات البلدية الضرورية والتعليم فضلا عن مصادرة الأراضي بما يضع الفلسطينيين في شبه معسكرات اعتقال. وتصل مساحة المناطق المتضررة من الجدار الفاصل في شرقي القدس المحصورة ما بين حدود بلدية الاحتلال والخط الأخضر فقط إلى 70 ألف دونم أي ما نسبته 1.2% من مجموع مساحة الضفة الغربية.

 

 • الجدار يمزق القدس:

 

سيعمد جدار الفصل العنصري في القدس إلى سلخ أحياء عربية بكاملها عن القدس وأراضي الضفة الغربية وتقطيع أوصالها، وسيعزل حوالي 225 ألف فلسطيني من سكان (القدس الشرقية) داخل الحدود الإدارية لما يسمى بلدية القدس عن الضفة الغربية، ويتضرر معها عشرات الآلاف من الفلسطينيين الذين يعيشون في البلدات والقرى الواقعة في محيط المدينة، حيث يصل عدد القرى الفلسطينية المتضررة من جراء إقامة الجدار في شرقي القدس إلى 23 قرية وبلدية.
كما سيجد نحو 55 ألف فلسطيني أنفسهم داخل الجانب (الإسرائيلي) من الجدار ومقطوعين عن الضفة الغربية بالكامل، ليتم إضافتهم إلى فلسطيني (القدس الشرقية)، ولا سيما في مجموع قرى تضم: بير نبالا، وبيت حنينا، والجيب، وقلندية، والرام، وحزمة، وعناتا، وجديرة، ومخيم شعفاط،. وستكون هذه القرى منقطعة الصلة بـ (القدس الشرقية)، وأيضا عن أراضيها في الضفة الغربية، علاوة عن امتداد ضواحيها الشرقية كأبوديس، والعيزرية، والشيخ سعد، والسواحرة، التي سوف تُضَم إلى تجمعات فلسطينية أكبر. وعلى هذا النحو سوف يقتطع حوالي 100 ألف فلسطيني من نسيج القدس وبعضهم الآخر خارجه، مع اشتمال الفئة الأخيرة على نحو 15 ألف من حاملي هويات القدس المقيمين بكفر عقاب وقلندية. والإغلاق المحكم حول الضواحي المحتجزة في الجانب (الإسرائيلي) من جدار القدس الفرعي تجعل أراضيها البعيدة فريسة سهلة لمستوطنات مثل غفعات زئيف وتجمع معاليه أدوميم. بالمقابل فإن المئات من سكان قرية تسور بحر التي تعتبر ضاحية من ضواحي (القدس الشرقية) ويحمل سكانها هويات المقدسيين المقيمين، سيجدون أنفسهم على الجانب الفلسطيني من الجدار. كما تم تخطيط جدار الفصل في قرية الشيخ سعد الواقعة في (القدس الشرقية) حيث سيفصلها عن شرقي القدس وعن باقي أراضي الضفة الغربية. وبإغلاقه مخرجها الوحيد الذي يؤدي إلى حي جبل المكبر الواقع شرقي القدس في سبتمبر/ أيلول عام 2002 بحاجز وكتل إسمنتية اضطر معظم سكانها إلى الخروج منها مشيا على الأقدام للحصول على تصاريح من إدارة الاحتلال التي تقابل معظم الطلبات بالرفض. ويبدو أن إقامة الجدار ستجبر باقي السكان على الاختيار بين العيش داخل منطقة معزولة أو النزوح خارجها حيث اضطر أكثر من 25% من ساكنيها إلى مغادرتها.
لقد أصبح تجميد الوضع الاستيطاني القائم الآن لا ينطوي على ميزة سياسية ذلك أن الخطوات السريعة للاستيطان في القدس بعد إقامة ما يكفي من البنية التحتية أصبح يتعلق بالتوسع الداخلي للمستوطنة وإقامة نقاط اتصال فيما بينها. ومن الصعب تجاهل حقيقة الواقع على الأرض، خاصة أن (إسرائيل) تمارس السلطة الفعلية منذ عام 1967، واستخدمت المستوطنات كوسيلة بيدها لرسم معالم جديدة لمدينة عمل فيها تشريحا وتحجيما لأحيائها العربية.

 

جدار الفصل العنصري والآثار المترتبة:

 

 

يعتبر القرار (الإسرائيلي) بإنشاء جدار الفصل في محافظة القدس تتويجا لسياسة عنصرية، مهدت لها السلطات الصهيونية منذ الاستيلاء على مدينة القدس في حزيران عام 1967، فقد تعرضت المدينة إلى هجمة شرسة هدفها تهويد المدينة وطمس معالمها العربية والإسلامية، والقضاء على التواجد الفلسطيني، فالجدار يقطع أيضا نسيج الحيـاة اليومية للمجتمع الفلسطيني و هذه الحياة التي لا تعني شيئاً لمصممي الجدار، - كما يقول أفنيري -" فالضفة الغربية خالية من غير اليهود" وذلك تجسيدا للأسطورة التي روجتها الصهيونية عن فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر: "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض"(6)  ففكرة الانسحاب من قطاع غزة أو فك الارتباط عن الضفة الغربية إنما تندرج في خطة وضعتها حكومة شارون السابقة والتي تقضي بتحقيق الأهداف الآتية(7).

1-  التخلص من القنبلة الديموغرافية الفلسطينية، ووضعها داخل قطاع جغرافي محدود المساحة (365 كيلومتراً مربعاً) ضمن معابر محكمة الإغلاق، ومحكمة الرقابة الأمنية حيث تبقى لـ "إسرائيل" حرية المراقبة والتدخل.
2- الشروع بتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية، وخاصة في محيط مدينة القدس ضمن مخطط قديم يهدف إلى تهويدها، وفصلها عن التجمعات السكانية العربية في جنين ونابلس وطولكرم والخليل وبيت لحم وغيرها. وكشف المراقبون وجود آلاف النقاط الاستيطانية الجديدة التي قد مُهد لإنشائها في المناطق الزراعية والغنية بالمياه العذبة.
3- تجسيد فكرة يهودية الدولة وعزل كل من هو غير يهودي خارج الحدود التي تريد رسمها بعد الانتهاء من بناء الجدار، فلقد جاء قرار بناء الجدار الفاصل على طول الخط الأخضر للضفة الغربية من الجهة الغربية بما يشمل القدس والتجمعات الفلسطينية بها، فقد عمل الجدار على تقسيم محافظة القدس إلى ثلاث مقاطع معزولة عن بعضها البعض من جهة، وعن باقي مدن ومحافظات الضفة الغربية من جهة أخرى، بحيث عزلت البلدة القديمة مع مجموعة من الأحياء المحيطة ( بناء على المخطط الهيكلي (لبلدية القدس الإسرائيلية) المعدل في العام 1994) عن أي امتداد وتواصل مع باقي الأراضي المحتلة، فيما فصل الجدار الأحياء والضواحي الشرقية للمحافظة عن المدينة، وأحيط بحواجز ونقاط تفتيش من كل الاتجاهات، وانقطع التواصل مع القرى والبلدات في الشمال، والشمال الغربي للمحافظة، وحال الجدار دون دخول المواطنين إلى المدينة، مما زاد من معاناة المواطنين في المحافظة.
لم تقتصر التأثيرات السلبية لجدار الفصل العنصري في محافظة القدس، على تقطيع أوصال المحافظة، وحرمان الآلاف من الوصول إلى المستشفيات والمدارس وأماكن العمل والعبادة، ومصادرة الأراضي والممتلكات، بل طالت هذه التأثيرات العائلات والأسر الفلسطينية على جانبي الجدار، فلم يراعي مسار الجدار الذي أعدته وصادقت عليه (الحكومة الإسرائيلية) في مطلع العام 2002 ، التشابك الجغرافي وعلاقة المجتمع الواحد لسكان المحافظة، بل تجاوز هذا المسار كل المواثيق والمبادئ الإنسانية والقرارات الدولية المتعلقة بالوضع السياسي لمدينة القدس، فقد توغل الجدار مسافة تزيد عن الأربع كيلو مترات شرقي الخط الأخضر مما أوقع قرابة 200 ألف فلسطيني داخل نطاق حدود (بلدية القدس الإسرائيلية) فيما حرم أكثر من 200 ألف من سكان الضواحي من دخولها وحصرت أحياء بكاملها على جانبي الجدار لتشكل معازل منفصلة عن أي امتداد وتواصل فيما بينها فقد كانت المناطق والضواحي الشرقية لمدينة القدس من أكثر المناطق تضرراً، حيث حصر الجدار 60 ألف نسمة من سكان هذه الضواحي داخل قراهم، وقد برز جراء هذا الواقع جملة من القضايا الهامة نحاول من خلال هذا التقرير تسليط الضوء على جانب يعد من أهم الانتهاكات التي خلّفها بناء الجدار وهو واقع العائلات الفلسطينية التي فصلها الجدار.
وكان ذلك أكثر وضوحاً في بلدة السواحرة بشقيها الغربي والشرقي التي يبلغ عدد سكانها 25 ألف نسمة حصر منهم 10 آلاف شرقي الجدار وهم من حملة هوية الضفة الغربية، ترتب عن هذا التقسيم تفرقة عائلات كاملة عن بعضها مثل عائلة عبيدات وعائلة شقيرات والجعافره، في حين حرم السكان من حملة هوية الضفة الغربية من دفن موتاهم وزيارة القبور في الجهة الغربية من الجدار. في بلدات العيزرية وابوديس عزل الجدار أحياء بأكملها بسكانها عن هذه البلدات، ففي حي أم الزرازير غربي ابوديس والذي تسكنه 10 أسر من عائلة عياد تضم 51 فرداً (وهم من حملة بطاقات مختلفة) تم اقتطاعه من بلدة ابوديس، بحجة ضمه إلى المخطط الهيكلي لبلدية الاحتلال في القدس في العام 1994 وقد فقد سكانه أي اتصال مع البلدة، في حين تقوم سلطات الاحتلال منذ أكثر من سنة، بممارسة الضغط على السكان لحملهم على ترك بيوتهم وأراضيهم، والتوجه إلى شرقي الجدار( ابوديس)، وقد صدر قرار من (وزارة الدفاع الإسرائيلية) في شهر تموز من العام الماضي، يطالب 23 فرداً من أفراد هذه الأسر بمغادرة المنطقة خلال مدة 10 أيام من تاريخه، بحجة أنهم يقيمون في بيوتهم وممتلكاتهم بشكل غير قانوني، (بعد أن قامت سلطات الاحتلال بضم المنطقة الذين يسكنون فيها - دون السكان - إلى حدود بلدية القدس ( المصطنعة)، فيما يعد ذلك انتهاكا خطيراً لأبجديات حقوق الإنسان، حيث فرّق هذا القرار بين الإخوة والأبناء والآباء، ولدى توجه عائلة عياد مجتمعة إلى (القضاء الإسرائيلي) للبحث عن حل لمشكلتهم، صدر قرار مؤقت من مكتب (وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي) يوم 23/9/2004 بالسماح لهم بالبقاء في منازلهم حتى يتم النظر بالقضية في المحكمة.(8)
ولم يكن حي خلة عبد في ابوديس بأحسن حال، فقد تم استهداف الحي منذ اليوم الأول من البدء ببناء الجدار عندما استولى مجموعة من المستوطنين على بيتين في الحي، وتم تأمين الحماية لهم من( قوات الاحتلال الإسرائيلي)، وذلك تمهيداً لإنشاء بؤرة استيطانية في الحي، كما تبع ذلك صدور قرار عن (وزارة الدفاع الإسرائيلية) بتاريخ 23/7/ 2003 بمصادرة 43 دونم من الأراضي الزراعية لنفس الحي لصالح استكمال بناء الجدار، ووجهت سلطات الاحتلال إنذاراً لعائلة القنبر المقيمة في الحي، تطالبهم فيه بإخلاء بيوتهم ومغادرة المنطقة بحجة الإقامة على أراض أصبحت من أملاك الدولة. ويضم هذا الحي أكثر من 30 فرداً من نفس العائلة يحملون بطاقات هوية مختلفة، وتنوي (إسرائيل) إنشاء مستوطنة (إسرائيلية) في الموقع، مما يشكل خطراً مباشراً على حياة المواطنين في الحي.
كذلك فإن الجدار الفاصل قام بشق حي صوانة صلاح بالقرب من جامعة القدس في أبو ديس، إلى قسمين مما قسّم عائلة السرخي على جانبي الجدار، فيما وقعت العديد من المنازل الأخرى التي كانت تابعة لمدينة القدس التي اعتاد سكانها على دفع الضرائب والأرنونا إلى بلدية الحتلا في القدس إلى الجهة الشرقية للجدار.
استهدفت (إسرائيل) العائلات مختلفة الهوية، بشكل ملحوظ بعد الانتفاضة الفلسطينية الأولى من خلال إجراءات سحب هوية المقدسين والمقدسيات الذين يقيمون مع عائلاتهم خارج حدود بلدية الاحتلال في القدس، وعدم السماح لأفراد عائلاتهم من حملة هوية الضفة أو قطاع غزة بالإقامة في القدس، وذلك استكمال لسياسة التهويد التي تمارسها (إسرائيل) ضد مدينة القدس. ظهرت انعكاسات هذه السياسة جلية وواضحة بعد أن تم بناء جدار الفصل العنصري، حيث ترتب عليها تشتيت 800 أسرة من حملة الهويات المختلفة على طرفي الجدار في منطقة ابوديس والعيزرية والسواحرة الشرقية، هذه الأسر تواجه اليوم مستقبلاً غامضاً تحديداً بعد تجميد إجراءات لم الشمل من قبل (الحكومة الإسرائيلية) في العام 2002 بحيث لم يترك أمام هذه العائلات أي خيار للتواصل والعيش المستقر.
إن التعامل (الإسرائيلي) مع قضية لم شمل العائلات الفلسطينية، ينطلق من مصلحة (إسرائيل) ورؤيتها في عدم تهديد الطابع اليهودي والأغلبية (الإسرائيلية) في مدينة القدس، مما يحرم هذه العائلات في الوقت الراهن من أن يعيشوا في بيت واحد وفي أسرة واحدة في المدينة، للحفاظ على انتمائهم للمدينة المقدسة،  والحفاظ على تواصلهم مع أفراد أسرهم في الضفة، بعد الانتهاء من بناء جدار الفصل، وخاصة إذا طبق بحق المقدسين، القرار المعلن من قبل (الحكومة الإسرائيلية) بمنع أهالي القدس، من التوجه إلى الضفة الغربية، ابتداء من شهر تموز المقبل أسوة، بباقي الأهل من العرب في فلسطين المحتلة عام 1948 .
لقد التصقت هذه التبعيات والآثار السلبية بواقع بناء الجدار حول مدينة القدس، فهي تبرز وتتفاقم أينما وجد الجدا، ففي شمال المحافظة قسم الجدار ضاحية السلام غربي قرية عناتا شمال القدس إلى شطرين، في حين تسلمت 100 أسرة من سكان الضاحية من حملة هوية الضفة الغربية إشعارات بمغادرة منازلهم وأملاكهم، كذلك الأمر في ضاحية البريد والرام وسميراميس والمطار وأم الشرايط الواقعة في شمال القدس، والتي فصلها الجدار عن المدينة، حيث يحمل جزء كبير من هؤلاء السكان الهوية الزرقاء، وينطبق الأمر على الشمال الغربي من المحافظة حيث أخرجت عشرات العائلات المقدسية من نطاق المدينة.
إن الحل الأمثل لقضايا ومتعلقات الجدار وما أنتجه وينتجه من معاناة إنسانية للمواطنين في المحافظة لا يتأتى إلا من خلال إزالته، وإبطال كل الإجراءات والتدابير الناجمة عنه

                                                                                       

المصادر والمراجع:

1. نجيب الأحمد. تهويد القدس.- بيروت: منظمة التحرير الفلسطينية، دائرة التوجيه والإعلام القومي، (1985).
2. عبد العزيز محمد عوض، الأطماع الصهيونية في القدس، الموسوعة الفلسطينية القسم الثاني، المجلد السادس، ص 884.
3. روحي الخطيب، تهويد القدس، الموسوعة الفلسطينية، القسم الثاني، المجلد السادس، ص 888.
4. سمير جريس. القدس- المخططات الصهيونية.- بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1981، ص42
5. الكتاب الإحصائي السنوي " القدس 1998
6. أحمد بن راشد بن سعيد، الفصل الأخير للجدار الذي تصرّ عليه (إسرائيل)، صحيفة الحياة اللندنية 8/2/2004
7. عدنان السيد حسين، الخطة (الإسرائيلية) بعد غزة، صحيفة الخليج الإماراتية 30/8/2005
8. عبد الوهاب صباح ،الجدار في محافظة القدس ، مركز القدس للديمقراطية وحقوق الإنسان

                                                                 

* شكرٌ خاص للقائمين على المؤتمر الدوليّ لنصرة القدس الأول الذي انعقد في كلّ من القدس المحتلة وغزة وبيروت في الفترة 6-7 حزيران 2007م حيث قًدّم هذا البحث في الجلسة الأولى من المؤتمر والذي تناول المحور السياسيّ لقضيّة القدس.

 

 

رابط النشر

إمسح رمز الاستجابة السريعة (QR Code) باستخدام أي تطبيق لفتح هذه الصفحة على هاتفك الذكي.