مقترح خطبة جمعة عن مدينة القدس ودور الأمة في نصرتها بعد القرار الأمريكيّ الغاشم بالاعتراف بالقدس عاصمة للعدو الصهيوني ونقل سفارة أمريكا للقدس

تاريخ الإضافة الخميس 7 كانون الأول 2017 - 1:56 م    عدد الزيارات 1642    القسم أخبار المؤسسة، أبرز الأخبار

        


مقترح خطبة جمعة عن مدينة القدس ودور الأمة في نصرتها

بعد القرار الأمريكيّ الغاشم بالاعتراف بالقدس عاصمة للعدو الصهيوني ونقل سفارة أمريكا للقدس

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم

﴿ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا ۚ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، [سورة الإسراء/1]، والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد الذي علم أصحابه حب القدس والأقصى، وعلى آله وأصحابه أجمعين.

 

مدينة القدس مدينة التاريخ والحضارة، تضرب بجذورها في عمق التاريخ، تحتضن في أكنافها المسجد الأقصى المبارك، ولقد وضع الله تعالى البركة في هذه المدينة، وجعل ذلك تفضيلًا لها عن غيرها من المدن والحواضر فهي ﴿الأرض المقدسة﴾ -سورة المائدة /21- كما وصفها رب العزة جل في علاه، وهي بذلك ثالث المدن المقدسة عند المسلمين، بعد مكة المكرمة والمدينة المنورة، ومسجدها الأقصى المبارك ثالث المساجد التي لا تشد الرحال إلا إليها، فعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، المسجد الحرام ومسجد الرسول ومسجد الأقصى". رواه البخاري ومسلم. يقول الإمام ابن حجر العسقلاني رحمه الله: "...وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد ومزيتها على غيرها لكونها مساجد الأنبياء"، كما خصه الله تعالى بمنقبة أخرى أن يكون له على غرار المسجدين الحرام ومسجد الرسول أجر خاص عن عموم المساجد في بقاع الأرض، كما أخبر بذلك رسول الله : فالصلاة في المسجد الأقصى تعدِل خمس مئة صلاة في غيره.

وتحتلّ مدينة القدس مكانة متميزة في وجدان المسلمين وعقولهم، ويظهر هذا التميّز جليًا في أمرين أساسيين، أولهما بأن الله تعالى جعلها قبلة لنبيه الكريم حتى بُعيد هجرته إلى المدينة المنورة، فعن البراء رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا"، رواه البخاري- واللفظ له - ومسلم. فكما هي اليوم قبلة الجهاد ومواجهة الاحتلال، كانت قبلة الصلاة والدعاء والتشوق لزيارتها والصلاة في رحابها، في زمن خير الخلق محمد .

وثانيهما بأن الله عز وجل جعل القدس مسرى نبيه الكريم ، تسرية لنفسه الشريفة بعد ما لاقى من المشركين من قريش في مكة المكرمة من التعنت والصد عن الدعوة لدين الحق، وخلال الإٍسراء وفي رحاب الأقصى المبارك، صلى نبينا محمد إمامًا للأنبياء، في إشارة بالغة الأهمية بأنه يستلم راية قيادة البشرية، ومن القدس أيضًا كان معراجه برفقة الملك الأمين جبريل عليه السلام إلى السماوات العلى، وفي هذه الرحلة ما فيها من أمور جليلة عظيمة.

خص الله تعالى مدينة القدس ببركات عظيمة في نص كتابه العزيز فقال عن الأقصى ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾، ويقول الإمام الطبري في معرض تفسيره لهذه الآية: "الذي جعلنا حوله البركة لسكانه في معايشهم وأقواتهم وحروثهم وغروسهم"، والبركة المشار إليها هنا تشمل البركتين الحسية والمعنوية، فالبركة في المسجد الأقصى وفي المدينة وفي البقاع المحيطة بها حتى تعم بلاد الشام جميعًا. ومما يظهر ميراث التشوق لهذاه المدينة المباركة كثرة ذكرها في حديث النبي ، واختيار الكثيرين من أصحابه الكرام السكنى فيها، في أرض رباط وجهاد في سبيل الله تعالى ودفع لأعدائه حتى قيام الساعة.

ومن الدلائل المهمة عن فضل وأهمية القدس ما أخبر به بأن القائمين بهذا الدين الصابرين على الحق حتى يوم القيامة واقتراب الملاحم الكبرى هم من أهل بيت المقدس وأكنافها، كما في الحديث الذي رواه أبو أمامة قال رسول الله : "لا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِي عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ لَعَدُوِّهِمْ قَاهِرِينَ لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ إِلَّا مَا أَصَابَهُمْ مِنْ لَأْوَاءَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ الله وَهُمْ كَذَلِكَ قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَأَيْنَ هُمْ؟ قَالَ: بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَأَكْنَافِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ" مسند الإمام أحمد.

أمام هذه الفضائل الكبيرة، وهذه المكانة السامية، والمدينة مسربلة بالقيد منذ ما يزيد عن خمسين عامًا، يقوم الاحتلال الإسرائيلي باقتحام المسجد الأقصى ويسمح لمستوطنيه أن يدنسوا مصلياته، وأن يعتدوا على المصلين فيه، ويُمنع المقدسيون من الدخول إليه والصلاة في داخله في أحيان كثيرة، ويقومون بإغلاق المسجد في محاولة لتقليل الوجود الإسلامي في جنباته، ولا تقف ممارسات الاحتلال عند هذا الحد، بل يعملون على تقليل أعداد الفلسطينيين في المدينة، ودفعهم للسكن خارجها، من خلال ضرب حياتهم واقتصادهم وحرمانهم من مسكنهم، وجعل حياتهم في القدس ضربًا من المستحيل.

ومع ما يعاني منه المقدسيون من ويلات، ومع أنهم يقفون منفردين في هذه اللجة من الإرهاب الإسرائيلي، يقف العالم مع الاحتلال، وتعمل أمريكا على تثبيت شرعية هذا الاحتلال، من خلال اعترافها بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال، ونقل سفارتها من ما يُسمى "تل أبيب" المحتلة إلى القدس، في محاولة لإضفاء شرعية غير موجودة ولا يمكن أن تكون فالأرض إسلامية وستبقى أبد الدهر. وقد تحدّت الإدارة الأمريكية كل أبناء الأمة العربية والإسلامية وأحرار العالم يوم الأربعاء في 6/12/2017 بالإعلان عن اعترافها بالقدس عاصمة للعدو الإسرائيلي ونقل سفارة بلادها للقدس رغم كل الإجماع العربي والإسلامي والدولي على رفض هذا القرار.

تضرب القدس في جذور التاريخ، وهي مدينة تعود لأكثر من ستة آلاف سنة، عربية الجذور والهوية، تشهد كل حجارة فيها بأن تاريخها وجذورها لا تمت لليهود ولا لتاريخهم بصلة حيث سكنها وبناها الكنعانيون واليبوسيون العرب قبل أن يوجد بنو إسرائيل بآلاف السنين، كما زارها وسكنها أنبياء الإسلام قبل أنبياء بني إسرائيل بآلاف السنين، فهوية هذه المدينة لا يمكن أن تحدد بقرار من ترامب الأرعن، أو بقرار من الاحتلال الصهيوني الغاصب، وتأتي هذه القرارات، تنفيذًا لوعود ترامب الانتخابية، واستفادة من الواقع العربي المهترئ، فكثير من العرب يهرلون للتطبيع مع الاحتلال بكل ما لديهم من إمكانات. فمن أعطى الشرعية والقدسية للقدس هو الله عزّ وجلّ ولا يمكن أنْ ينزعها قرار جائر من الإدارة الأمريكية، فالقدس عربية وإسلامية، هكذا كانت، وهكذا هي الآن، وهكذا ستبقى بإذن الله، وهذه الحقائق يؤكدها من يقفون في أزقة المدينة المحتلة بصدورهم العارية، يواجهون المحتل بأقل أدوات المواجهة وإمكانات الصمود، فمن صمد في شهر تموز الماضي لأربعة عشر يومًا، واستطاع أن يجبر الاحتلال عن التراجع عن قراره بتركيب بوابات إلكترونية وكاميرات مهينة على أبواب الأقصى، رغمًا عن أنفه، يستطيع أن يعيد تشكيل المشهد من جديد، فمن يوكل أمره لله تعالى لن يخذله ربه أبدًا.

لا يمكن قبول قرار الولايات المتحدة، فهو عدوان على كل عربيّ ومسلم وحرّ في هذا العالم، عدوان مباشر وسافر على واحدة من أقدس مقدسات الأمة، ومساس بكرامتها، وعقيدتها، وشرفها، وحقوقها، فأمريكا بهذا القرار الغاشم تعتدي على كل واحد منا، وتمس بعقيدتنا، فالقدس آية من كتاب الله، وجزء من ديننا.

 

وجميعنا سيسأل ما هو الدور الذي يمكننا أن نقوم به، وكيف نبلور هذا الحب وهذا الغضب، وكيف سنرد على هذا القرار، أذكر لكم بعض ما يمكن أن نقوم به:

- أولًا: الدعم المالي، فأهلنا في القدس يعانون معاناة شديدة، وما نرسله لهم من دعم يساهم في صد الهجمة التهويدية التي تواجههم، وتعمل هذه الأموال على تثبيتهم في أرضهم، وإيجاد مصادر دخل في مقابل حملات التهجير والتدمير والطرد والتضييق التي تعمل عليها أذرع الاحتلال.

- ثانيًا: الدعم الثقافي، علينا أن نعلم أبناءنا وإخواننا وأهلينا، عن أهمية القدس، وعن أهمية المسجد الأقصى، وبأنها ليست مدينة عادية، نحدثهم عما يحصل فيها، وعن صراعنا مع الاحتلال، نحدثهم عن الأقصى، عن مساحته ومصلياته، وعن فضل الصلاة فيه، لنجعل هذا الاهتمام مشعل الحب لهذه المدينة، الذي سيحرك العمل والدعم.

- ثالثًا: الدعم الإعلامي، كلنا نكتب ونتواصل على وسائل التواصل، فلنجعل للقدس جزءًا مما نشره، فلننشر ما يجري فيها، ما يقوم به الاحتلال، فلنكن منبرًا لكل مقدسي فقد ولده، ولكل منزل هدم في المدينة، لتكن أخبار القدس أولوية لنا وفي متابعاتنا وفي نشرنا ومشاهداتنا، وقد أخبرنا نبينا "من لم يهتم للمسلمين عامة فليس منهم" أخرجه الطبراني.

- رابعًا: إظهار الغضب في المظاهرات والوقفات والاحتجاجات، لنرسل رسالة لإخواننا، بأننا معهم نشاركهم آلامهم ومعاركهم، ورسالة للاحتلال بأن من يريد التطبيع لا يمثل نبض الأمة وتاريخها وشعوبها، ورسالة للولايات المتحدة بأن الأمة جميعها ستنتفض في مواجهة هذا القرار الأرعن.

كلنا مسؤول، وكلنا عليه التحرك، ولا تستصغروا حركة أو كلمة أو خطوة، في سبيل القدس فهي كبيرة عند الله رب العالمين، ختامًا، لا يُساورنا شك بأنّ الحقّ العربيّ والإسلامي بالقدس ثابت لا يتغيّر، ومتجذر لا يزول، ومقدّس يرخص دونه كلُّ غالٍ ونفيس، ونحن على يقين بأنّ أيّ قرار أمريكيّ يستهدف تزوير هوية القدس سيكون مصيره الفشل، وسيثبت الشعب الفلسطيني ومعه الأمة العربية والإسلامية بأنّ القدس شرارة الثورات، وقبلة الأحرار، وصخرة الحقّ التي يتكسّر عليها كل استعمار آثم، وكل احتلال جائر.

مؤسسة القدس الدولية